أعمدة الحكمة السبعة

أعمدة الحكمة السبعة
812 زيارة

محمد فتاح السامعي

أعمدة الحكمة السبعة لورانس العرب

 

 

أعمدة الحكمة السبعة
أعمدة الحكمة السبعة

هذا الكتاب مهم لمن يرغب في معرفة الطبيعة النفسية والدينية والفكرية للقبائل العربية المختلفة من الحجاز إلى دمشق التي استطاع لورانس العرب(ضابط المخابرات البريطاني ) معرفتها واستخدامها لقيادة هذه الجموع المتنوعة والمتناقضة أثناء الثورة العربية ضد التواجد العثماني بالإضافة الى تفاصيل سير المعركة ،وهذا الكتاب هو سيرة ذاتية كتبها لورانس عن حياته التفصيلية منذ بداية اتصاله بالعرب إلى تحرير دمشق، وما جعلني أرغب في قراءة هذا الكتاب هو حديث كولن ويلسون عن لورانس في كتابه اللامنتمي وتخصيص باب كامل له باعتباره لا منتمي باحث عن السيطرة، وقد كان لورانس يعتبر نفسه نبيا جديدا يقود العرب، وبقراءة كتابه يتبين ذكاءه ودهاءه وقدرته على التأثير في الأشخاص (ومنهم الشريف فيصل) واستخدام التناقضات النفسية والاجتماعية لهم لتحقيق الهدف الاستراتيجي المرسوم من قبل حكومته.

ولأن الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية سيجدها البعض مملة، وصعبة على التلخيص، سأحاول استنباط وتلخيص بعض الأفكار الرئيسية التي تشير إلى طبيعة الأفراد والقبائل العربية التي دونها لورانس ،وكذلك علاقة الطبيعة الجغرافية لكل منطقة بطبيعة سكانها .

– أستطاع لورانس الاندماج كليا مع الحياة العربية وتحدث اللهجات المختلفة ومعرفة الطبقات الاجتماعية من اشراف وقبائل وعبيد، ورغم معرفة زعماء القبائل بحقيقته كونه كان مرشدهم وحلقة الوصل بينهم وبين بريطانيا إلا أن أغلبية العرب المقاتلين كانوا يعتقدوه واحدا منهم ،وهو يقول عن ذلك “لقد انتدبت للعيش مع هؤلاء العرب كغريب ،عاجز عن مجاراتهم في التفكير والمعتقد، مجبرا على تدريبهم وتوجيههم في الاتجاه الذي يتفق مع مصالح بريطانيا المحاربة مع عدوهم، فقد نجحت على اخفاء شخصيتي واستطعت اندمج كليا مع حياتهم بلا اعتراض او انتقاد”

-بعد تعريفه للعرب وموقعهم الجغرافي، يبدأ الحديث عن بعض خصائصهم فيقول اذا كان هناك تفاوت اجتماعي واقتصادي بين الحضري والبدوي ،فإن هناك تشابها عظيما في طريقة التفكير والنشاط الروحي، من اللحظة الأولى نلاحظ عندهم صفاءا غريبا، وصلابة فريدة في المعتقد، وهم يرون العالم في ألوانه الأصلية ،بل في لونيه الرئيسين الأبيض والأسود، وفكرهم الجازم يحتقر الشك ولا يقبل مطلقا التردد الذي تسلحنا به نحن الأوروبيون لمواجهة شؤون ما وراء الطبيعة، كما يأبى القبول بقلقنا النفسي، هذا الأبيض والأسود نجده في عالمي الروح والفكر، ولكنه شعب ذو افق ضيق بالتفكير، يمكنه ترك الذهن جانبا وينقاد بصورة عفوية وراء حب الاستطلاع، خياله خصب، لكنه ليس خلاقا، وبوصفهم أقل الشعوب مرضا واعتلالا قبلوا هبة الحياة على أنها حقيقة بديهية لا تقبل الشك والجدل، والوجود في نظرهم حق انتفاعي مفروض على الإنسان ،هو رهن بمشيئة القدر الذي لا سلطان لأحد عليه، واستنادا على ذلك لا يخطر الانتحار على بال احد ،والموت لا ينظر إليه على أنه شر.

وهو شعب الانفعالات والثورات والوحي، وعنصر العبقريات الفردية لا الجماعية، وأكبر صناع العرب، صناع المعتقدات التي تكاد تكون احتكارا لهم، ثلاثة من تلك الأديان ولدت عندهم وانتشرت للعالم.

– يصف لورانس الفتوحات الإسلامية والحضارة العربية بالفكرية والاخلاقية أكثر من كونها عملية وبسبب انعدام وجود روح العنصر المسيطر وخفوت جذوة الحماسة وافتقاد العرب للتبصر وروح التنظيم، اضطرهم للجوء إلى رعايهم أو إلى أجانب أكثر عنفا وأكثر تنظيما منهم لإدارة المناطق المحتلة، وهكذا استطاع الأتراك ان يتسللوا إلى جسم الدول العربية كخدم أولا ثم كشركاء ثم استطاعوا أن يقضوا لاحقا كليا على الجهاز الإداري القديم .

– يتحدث لورانس ان الأتراك عودوا العرب على تقديم مصالح الطائفة على مصالح الوطن ،وتقديم الإقليمية على القومية، وعن طريق التباين الزهيد بذر الترك بذور الشك والحذر بين العرب، وهو كذلك لورانس استخدم هذه الطريقة اثناء الثورة العربية فيكتب في موضع آخر من الكتاب انه حين كان يحرض القبائل على مهاجمة الاتراك في الاردن ونجاحهم في عدة غزوات، كان هناك قائد عربي يسمى نسيب يتخطى بتخطيطه خطط لورانس ويريد أن تتجه القوات لتحرير دمشق، فما كان من لورانس بعد أن فشل في اقناع نسيب الا ان توجه لبقية القادة، فيقول ل( عودة) ان المال والعون سيذهب لنوري الشعلان اذا هو تبنى مخططات نسيب،ثم كان من السهل إشعال نار الحسد بين ناصر الشريف ونسيب الدمشقي فالأول شيعي يتباهى بكونه من سلالة علي ابن ابي طالب والثاني يدعي انه من سلالة ابو بكر،وهكذا استطاع إزاحة نسيب وتجريده من كل شيء.

– قدرة لورانس منذ بداية دوره الاستخباراتي على تحديد من الشخصية المناسبة لقيادة الثورة من ابناء الشريف حسين :علي وعبد الله وفيصل وزيد، وكان اختياره لفيصل واقناع حكومته به سهلا وسريعا بسبب المميزات الشخصية لفيصل التي لا توجد عند بقية اخوانه فهو مثلا وجد عبد الله انه لا يناسب للقيادة لأنه شخصا كسولا وغير جاد منذ الوهلة الأولى بلقاءه بل يتحدث عنه فيما بعد بقوله : أخذ الزمن ينحدر بتقديري واحترامي لخلق عبد الله ،فالالام المستديمة التي كان يشكوا منها والتي أثارت في حين من الأحيان بعض عطفي، أصبحت تستثير في نفسي مشاعر الاحتقار لأن أسباب اوجاعه كانت مجتمعة في الكسل والخمول والاغراق في الترف، وازداد امتعاضي من طباعه عندما رايته يتخذ من تلك الالام وسائل ليسد الفراغ الهائل الذي يعانيه.
ويقول عن فيصل: ما كاد نظري يقع عليه حتى ايقنت ان هذا هو الشخص الذي جئت بلاد العرب أبحث عنه، وامنت بانه هو الزعيم الذي سيسير بالثورة العربية إلى هدفها المنشود، فقد كان يبدو عليه الهدوء والاتزان ويملا قلبه اليقين، وصبورا صبرا لا متناهيا على حل قضايا اتباعه وتلك اهم صفة لقيادة العرب.

– يصف بعض سلوك العشائر العربية، انها كانت تقبل على عطايا الأتراك وتجازيه بشكر اللسان، لتتصل بفيصل وتقاتل في صفوفه لقاء دريهمات قليلة معدودة.

– استنتج لورانس بعض صفات العرب في الحرب فقال مع ان الجميع يقاتلون الأتراك بعزم الا ان هذا كان لا يمنع ان يقوم فرد من ابناء العشائر من اخذ ثأره القديم اذا رأى الظروف مواتية لهذا ولعدة اسباب استنتج الآتي
1-أن الجنود غير النظاميين يجب ان لا يهاجموا نقاط معينة، لأنهم لا يستطيعوا أن يفرضوا نهاية حاسمة للمعركة
2- إن الجنود غير النظاميين يعجزون عن الدفاع عن خط او مركز عجزهم عن الهجوم عليهما.
3-إن ميزة الجنود غير النظاميين تبرز في العمق لا في السطح.
وقد كان تهورهم الجموح يجعلهم بارعين بنسف الخطوط الحديدية ونهب القوافل والجمال.

– يقول لورانس ان العرب عادة يثقون بالأشخاص أكثر من ثقتهم بالمواثيق، لذلك طلبوا منه بعد أن رأو اخلاصه معهم ان يضمن لهم شخصيا وعود الحكومة البريطانية بعد أن كان قد تسربت خطة سايس بيكو ونشرها الاتراك لدى العرب وسببت انزعاجهم، فما كان من لورانس الا ان أكد للعرب ان انجلترا ستحترم وعودها لهم وحلمهم بإقامة دولة عربية واحدة،وعادت طمأنينتهم.

– مارس لورانس الكثير من الأعمال التي لها دلالة على مدى تأثيره، فمثلا اقام محاكمة ميدانية لشخص قتل رفيقه بسبب السباب، ونفذ هو شخصيا الإعدام بالرصاص برضا القبائل، وكذلك جلده واستجوابه للجنود الاتراك ومعاونيهم.

– يؤكد لورانس قبل خوض معركة سورية، ان كل مرحلة تستوجب نمط مختلفا من الثورة حسب طبيعة المرحلة الجغرافية والسكانية،فيقول كنا قد عملنا لحراثة أرض بور محاولين خلق قومية في أرض كان يسود فيها اليقين الديني،وبين القبائل الرحل توجب على إيماننا أن يشبه عشب الصحراء، والاهداف كالافكار كان يجب علينا أن نترجمها إلى تعابير مادية محسوسة، فرجال الصحراء كانوا بعيدين جدا عن هذا ،لفقرهم المدقع ،عن كل تعقيد، وإذا كنا نريد أن نطيل عمر حركتنا، فعلينا أن نندمج بالأرض المزدانة بالالوان، وبالقرية حيث السطوح والحقول توجه الأنظار في كل اتجاه، كان يجب علينا أن نبدأ حملتنا الثانية كما سبق وبدأنا الأولى في وادي عيس بدراسة الخريطة باستطلاع موضعي للمكان الذي ستدور فيه المعركة ويعني سوريا وما جاورها،ثم يكمل شرح التفاصيل.

شاركها:  

اشترك في نشرتنا ليصلك كل جديد

نعتني ببياناتك ونحترم خصوصيتك. للمزيد اقرأ  سياسة الخصوصية .