قراءة في رواية الدجال- شوقي الصليعي

قراءة في رواية الدجال- شوقي الصليعي
2005 زيارة

المحرر

قراءة في رواية الدجال- شوقي الصليعي

د.علي حفظ الله محمد

 

قراءة في رواية الدجال
قراءة في رواية الدجال

عندما تسمع، أو تقرأ لفظة “الدَّجّال” لأول وهلة تنبئك أو تحيلك إلى الشخصية العقدية المعروفة لدى الناس، وما ستقوم به في واقع مستقبلي متخيل، أو تصرفات خارقة للعادة، من تلك الشخصية المتخيلة ودورها العقدي الأيديولوجي، ولمّا تمعن النظر في “رواية الدّجال” وتقرأها تجدها تجسيدًا للواقع؛ عبّرت عن مجتمع معاش اختلط فيها القديم بالحديث، والحداثة بالأصالة، والمدنية بالقروية؛ والسلم بالإرهاب، والهجرة بالاستقرار؛ فكانت واقعية ميتافيزيقية في آن واحد؛ فلسفية ومنطقية؛ نصا ونصا موازيًا (مناصا)؛ باختصار اجترار للواقع العربي الحياتي المعاش البئيس بكل تفاصيله وشرائحه المجتمعية؛ فعبّر عن ذلك بألفاظ من كل العلوم والثقافات العربية والغربية؛ وهذا يؤكد اطلاع الروائي شوقي بشكل كبير؛ وأنه ذو معرفة دقيقة بدقائق الأمور، وخبرة بمختلف شرائح وطبقات المجتمع من لدن الفلاح والمزارع في الأرياف والقرى والرساتيق، إلى طبقة العُمّال البسطاء في مؤسسات الدولة وما ينالوه من أجور غير مجزية، إلى طبقة الأكاديميين المتعالين حد تعبيره؛ والنقاد المغرمين بالنقد والنقد الجمالي حد لا يُشفى؛ النقد الذي يتحرك للنص؛ بعيدًا عن أي أثر إديولوجي أو تعاطف أجوف؛ والفنانين الرسامين، وغرامهم بالرسم حد افتتانهم به؛ واعتقادهم بأن على الطبيعة أن تحاكي رسومهم؛ لأنها لغة الحياة الفلسفية؛ نظرا لسعة خيالهم الواسع، ودقة أعمالهم الهندسية الساحرة، وطبقة الأحزاب والسياسيين الذين يقودون أي قطر عربي، وما يميزها أنها جمعت كل الظواهر المجتمعية المتفشية بين دفتيها؛ وما يلفت أن فقراتها الحميمية عفيفة ما يمكّنُها أن تقرأ من كل الفئات العمرية عكس بعض الروايات التي كانت أشد صراحة وبوحا وانفتاحا مثل رواية الخبز الحافي لمحمد شكري مع ارتباطهما في معالجة نفس الأوضاع المتردية؛ هذا التصور للرواية يكاد ينطبق على معاناة الناس في أغلب الأقطار العربية لاسيما الواقع المجتمعي للروائي بشكل أخص؛ لأنه منبع الإحساس والشعور الذي تولّد منه كل هذا التدفق المتميز، والدلالات الكثيفة، والعواطف الجياشة، للتعبير عن مكنون المعاناة الفردية والجمعية، وتقلبات الحياة بين فرح عميق وحزن شديد؛ وبين انتشاء زاخر وكآبة قاتمة؛ أبى الروائي شوقي إلاّ أن يُجسّد كل ذلك واقعيًا، وليس له أيُّ جنايَة في ظواهرها التي اقتحمت حياة البشرية حتى أصحبت سلوكا لا ينكر..
مثَّل الروائي شوقي بذلك كثيرًا من العصف الذهني للقارئ، وجعله يعيش الحياة بكل تقلباتها وعواصفها التي تعصف بالإنسان على مدار حياته؛ كما إن أبرز ما لفت نظري هي تلك الومضات التي كان يفتتح بها كل فصل إذ عبّرت عن خلاصة التجارب الحياتية في كل مجال وكل فن؛ فجمع الومضات من أفواه وأقوال الأعلام في كل العلوم والفنون فأضفى بها أقوى الدلالات التعبيرية عن تجربة حياتية واقعية؛ كقول نيتشه: «في الحب الحقيقي، الروح هي التي تحتضن الجسَد»؛ وقول بلزاك: «وراء كل ثروة عظيمة جريمة»؛ ومثل صيني يقول: «إذا أَوكَلتَ لِقطٍّ حِراسة الحليب، فسَوف يلعق الإناء»؛ وقول توباك شاكور: «يمتلكون أموالًا للحروب؛ لكنّهم لا يستطيعون إطعام الفقراء».

وأما الظواهر المجتمعية التي عرضتها رواية الدجال فهي من واقع حياة الناس؛ وسنعرض أغلبها باختصار وبنصوص دالة من واقع الرواية تبين كيف تناولها شوقي بالنقد في سبيل استصلاحها؛ ومن أهمها ما يمكن تسميته بـ«ظاهرة الانفتاح والحرية»: وهي من أجمل المواقف التي عالجتها الرواية؛ ومثّل لها بحالة مريم وأمها الأرملة شارلوت بقوله: “حين كانت مريم تنتشي متطلعة للحياة فتبدو طفلة في المشهد وقد وضعت قدميها الناعمتين في أوّل تماسّ مع ماء البحر، على الحوافّ حيث تسْتريح نهايات المَوج ويتألق اللون في أبلغ تعبيريّة عن بلّوريته وتتلاشى فقاقيع الزّبد المُتناثرة. كانت الظلال والأضواء تتشابك حول غصنها الغضّ وشعْرها الذّهبي المُبتل، فتضفي على مُحيّاها آيات من السّحر وتحت قدمي عروس البحر الصّغيرة تطفو مملكة من القواقع والأصْداف تُشعّ بلمسة من نُور طري، بينها ودعة خرافيّة ملساء، تجلل ألوانها نقطة سوداء، تتجلّى لعين الناظر المُتوسّم شامة على خدّ أسيلٍ”؛ مثّلَ شوقي بهذا النص تطلع مريم للحياة وخروجها في الصباح الباكر تتمتع بمناظر البحر؛ وتتأمل مفاتن الحياة؛ لتنفّس عمّا في نفسها من كبتٍ وتفرغ حمولتها من الغرام في الطبيعة؛ وبينما هي على هذه الحالة من عبثِ الحياة ما لبثت أن انتقلت بها الحياة إلى بؤسٍ شديدٍ تمثل في موت والدها حد قوله: “فوشَّحَ الحُزنُ حياة مريم مُنذ وفاة والدها الذي تعبده ولا تنام إلا مُتعلقة برقبته بوشاح من الأسى فكانت تغرق في عطره الدّافئ وقد تسَللت أناملها الغضّة بين قميصه وبشرته مُطلقة زخّات من التنهدات، بطريقة طالمَا أثارت غِيرة شارلوت. كانت هذه البنت المُتوجّعة تُدْمن الانطواء في ركن من سريرها، مُتلحّفة بزنّار خفيف لا يزال يعبق برائحة الفقيد الممْزوجة بالعطر والتبغ، فتغمر رأسَها بنعاس وهمي وتنزلق في بؤرة كوابيسها الحالكة مُحلقة في سَماء عواطفها المليئة بالأسَى كطائرة ورقيّة تمزّق الخيط الذي يربطها بالواقع. وأمّها تحاول انتزاعها من هذه التأملات القاتلة مُسْتنفدة كلّ الإغراءات المُمكنة، مُسلّمة في الختام بهذه العلّة الدّخيلة التي أصابت فلذة كبدها وكادت تحيلها إلى رماد، غير أنّ هذا الإهمال اللاإرادي المُزمن- وقد بلغ مداه- أثمر نتائجه العكسيّة فتخلصت مريم بعد لأَيٍ من ألمها الذي بلغ ذروته وكاد يودي بها إلى الجُنون…؛ وبين فينة وأخرى صارت تنهمك في اللعب بروح نهمة وتنغمس بكل كيانها في مُطالعة القصص وتصغي إلى المُوسيقى بطريقة لا تبدو معها موجودة في هذا العالم كأنّها ورقة وردٍ خفيفة محمولة فوق مياه مُنسابة، فصارت تعتني بالحديقة وتراقب نموّ البراعم حتى سئم البُسْتاني من تدخلاتها الفوضويّة..
إن ما يميز هذه النصوص كثافة الصورة في حياة مريم واختزالها لكثير من القول في جُلِّ مواقع الحياة المعاشة؛ كقوله: لا تذكر مريم بالتّدقيق عبر أيّ الدّروب قادتها خُطاها إلى الشّاطئ الذي يحدث أن تهجره طويلا، أو ما الذي يدفعها إلى زيارته بجنون لا مُبرّر له في أوقات غير ملائمة كالصّباحات الشّتويّة والطقس العاصف المطير، مفتونة بمنظر المراكب الرّاسية وهي تتقلقل في أطراف الميناء ومشهد الصّيادين المكدودين وهم يتهافتون كالنوارس الفزعة، خشية على مصدر رزقهم من التلف؟
إن خروج مريم إلى الشط في أوقات باكرة من أيام شتوية يعبر عن معاناة راسخة تحاول تفتيتها بالخروج والاندماج برؤية العُمّال المكدودين، وحركتهم المليئة بالصخب والقلق التي اختزلها في “هيئة نوارس تتقافز للحصول على مصدر الرزق”؛ فجسّد بهذه الصورة معاناة مريم وأحلامها المتخيلة التي لا تستطيع تحقيقها؛ لأنها لا توافق الواقع المعاش المحافظ، بينما هي تعيش الخيال؛ ولا تعبأ بالواقع ولا تهتمُّ كثيرًا لما يُروّج حولها من مدائح أو تقريض، فهي تعيش في عالم آخر لا تربطه رابطة بعالم الموتى الأحياء كما يحلو لها أن تُسمّيهم. ولكنها وجدت نوالا حد قوله: “تحنو عليها وتعاملها برقّة مُتناهية وتأسف لسوء الفهم الذي تتعرض له من الشّعراء والنُّقاد على حدّ سواء، فمرجعيتها الثقافيّة المُختلفة وطبيعتها المُتحرّرة لا تروق للبعض ممّن يدّعون المُحافظة ذلك ما لمسته خلال النشاطات الثقافيّة والأمسيات الشعريّة. واستراحت مريم لهذا الفهم الذي عبّر عنها فكانت تردّد دومًا على سمعها: الحوار معك يا سيّدتي حالة شعريّة، أبلغ ممّا تحويه القصائد، فتخجل نوال من هذا الإطراء مُدّعية أنها لا تستحقه وهُما لا تفوّتان فرصة هذه اللقاءات الحميميّة، فتندفعان في حوارات مجنونة، حول الفنّ والحبّ والحياة بتلقائية عجيبة وكأنّهما من ذات الحي؛ أو من ذات الجيل والصّحفيّة تناديها شقيقة الرُّوح رغم فارق السنّ”.
صوّر بذلك الروائي حالة مريم وهي متطلع في الحصول على محبٍّ ينفّسُ عنها هموم حياتها ويعوضها حنان وعطف الأبوة؛ وعندما لم تجد ذلك في مجتمع محافظ كانت كثيرة الزيادة لصديقتها نوال حد قوله: “وفي ذات يوم دقّت مريم جرس المكتب فاستقبلتها نوال بحفاوة بالغة وأجلستها إلى جوارها وهي تُمازحُها لكنّ الفتاة كانت قلقة، كمن يشكو من وجع خفيّ وبادرت إلى القول: أليس بإمكان الفتيان أن يُدركوا حقيقة جوهر الحبّ والصّداقة؟ لماذا لا يُضحّون بطبيعتهم الشّهوانيّة؟ فالناس مثلا ينتحرون رغم جمال الحياة، ويقترفون آلاف الحماقات ولا فارس من بين ألوف العاشقين يمتنع عن رغباته الحسيّة. ما كادت نوال تهمّ بالردّ وهي تحاول أن تخفي دهشتها حتّى حطّ ذكر حمام فتي على حافّة الشّباك، فتعطلت لغة الكلام وطَفِقَ الفحل يحوّم قلقا، ويهدل بصوته العميق المُفعم بالوحشة، وقد نفش حول عنقه دوّامة من الرّيش ينعكس فوقها وميض من شعاع الشّمس وهو يتبختر مزهوّا بهامته جيئة وذُهوبا، يرفع رأسه ويخفضه كأنّه في غزلٍ مع إِلفٍ غير مرئي، لكن الفتاة المُرهقة تهالكت على الأريكة التي أصدرت قرقعة مُربكة جعلت القُمري يندفع في الهواء كقذيفة طائشة ويغور في المدى فيستحيل نقطة داكنة. وأطرقت نوال برهة ثم رفعت بصرها وهي تعدّل وضع الوُرود في المزهريّة وتقول بصوت خفي: للكائن البشري احتياجات بيولوجيّة، لا مناص من تلبيتها يا صغيرتي. نطقت بذلك دون أن تسألها عن السّبب من وراء هذه الانفعالات، وفي مشهد درامي ردت مريم ما دام بالإمكان تحويل السّموم إلى ترياق، فالأجدى بهذه الكائنات التعيسة أن تقوم بتحويل الشّهوة إلى صلاة، ليتّبعوا التعاليم وليسيروا عبر دروب الأحلام في ذات الفردوس الذي أسّست فيه شريعتي ولسَوف يُنجبون ملائكة أو ولدانا مُخلّدين؛ بقيت نوال مذهولة تصفّق دون وعي منها لهذا المشهد الدّرامي.
نجد في هذا النص صورة للمرأة المنفتحة التي فقدت حنان أبيها مبكرًا؛ فتطلعت إلى فتى يحنو عليها ويرأف بها في ظل متغيرات الحياة؛ فظلت زمنًا تبحث عن فارس أحلامها؛ ولم تجد إلا نوالا تنفّسُ عنها رغباتها؛ حتى حطّ ذلك الفتى الذي صوّره الروائي في هيئة «ذكر حمام» يقوم بكل تفاصيل المغازلة مع إِلفٍ لم يصحبه من قبل؛ فتعطلت بينهما لغة الكلام إلا من نظرات الإعجاب التي جعلته يطير فرحًا لهذا الاحتياج البيولوجي في مشهد درامي غمرته النشوة والسعادة.

أما الظاهرة الثانية «حياة الريف البائسة» فقد أبدع في تجسيدها بكل تفاصيلها في صور فريدة تنم عن خبرة واسعة بكل جزئيات الريف وتفاصيلها فقال: “تعيش العائلة في الرّيف خلف التلال القريبة من المدينة في منزل مُتواضع تحيطه حقول الزّياتين وبه عدد كبير من الغرف وساحة ترابيّة فسيحة حيث تجدُ مريم مُتّسَعًا للّهو واللعب فتقطف زهور البراري وتتسلق الأشجار لجني ثمارها وهي ما تزال حامضة وتشارك البنات في مُطاردتهنّ المجنونة للدّيكة التي تملأ الفضاء زعيقًا وهي تطير مفزوعة باندفاع كأنّها نسور جارحة للنجاة من ذبح مُحتّم كلما استضاف العياشي بعض أقاربه الوافدين على المدينة وليس لديهم غير بيته يأوون إليه…؛ ويحدث أن تلتحق بها والدتها لتعاين تلك السّعادة الغامرة التي كادت أن تفارق مُحيّاها ولكم ضحكت وهي تراها تمتطي الحمار الأشهب الذي يخُبّ فوق البرك المُوحلة وكأنّها غجريّة من بنات الحُقول”؛ من ذلك نجد أنه سلط الضوء على معاناة الحياة القروية وما يصاحبها من عناء وبؤس في تحقيق حاجيات ومتطلبات الناس يقول: “تهجع القرية الجنوبيّة مسقط رأس السّيد هاشم، في مدى مُتلاطم من أمواج الرّمال النّاعمة، وليس في الأفق غير بريق السّراب والقيظ يلهوان فوق كثبانها وعلى تخومها تمتدّ واحات النّخيل التي تفيق عند الفجر مُجللة بهالة من الضّباب، تنتشر في أرجائها دوابّ القرويين العائدة في عتمة الغروب تجرجر قوائمها من الإنهاك، مُحمّلة بأخلاط العُشب الطري، تنتزعه الشويهات النّهمة قبل أن تتمكن الحرائر من خَزْنه، هنالك في البيت الطيني ذي المدخل الواطئ بالحيّ العتيق، حيث المنازل الخربة مطمورة بالرّمال..؛ كان الفتى يُنصت لرجع الآذان يأتي رخيمًا إلى سمعه من جامع “الصّعدة” الكبير وصوت المُؤدّب ينساب جهوريًّا مُرتلا آيات من الذكر الحكيم، فيُصغي إليه رفقة لفيف من الصّبية مُتحلقين على رقائق من الحُصر البالية، يقلدونه بأصواتهم الشبيهة بجوقة طيور”.
صوّر الروائي الأشجار والنخيل التي تحيط بالقرية وما يصاحبها من لهو الأطفال في جني الثمار ومطاردة مُلّاكها لهم وأن فضل المطاردة أشهى من أكل الرطب المبلل بالتراب على إثر السقوط بعد رميه في أعالي النخيل الباسقات، كما تطرق إلى كل لعبة كان يمارسها الأطفال في الليل المقمر من تسابق للبحث عن “عظم الساري” مثلا فلا يدخلون حتى يأخذهم التعب ويهدهم الإعياء؛ حسب قوله: “كنّا نفد إلى قريتنا في الإجازة الصّيفية كالغرباء بعد شهور من الغياب وليس هناك ما يستوطن مُخيلتنا ويستحوذ على أحلامنا غير الغيطان والصّحراء فما إن ينشغل الأهل بتبادل الزّيارات مع الأقارب والأجوار حتى نهرع نحن المجانين إلى الغيطان القريبة لرشق باسقات النّخيل بالحجارة، آملين في جني ذلك الرّطب حلو المذاق، صُحبة الرّفاق المُنسلين من دُورهم في الظهيرة كالذئاب وحين يُطاردنا أصحاب العراجين، نفرّ كالشياطين التي لا تقيل حُفاة فوق الرّمضاء المُلتهبة وقد حمل كل منّا نصيبه من الثمار المصبُوغة بالتراب ولم نكن نأبه للمآل فالنجاة والأسر سيّان، وإنّ لعبة الجري وما يشوبها من شعور مُحدق بالخطر لأشدُّ متعة لدينا من الغنيمة…؛ وحين تلذعنا بُرودة الفجر نتقلب في مضاجعنا وقد داهمتنا رائحة الخبز التي تعبق على مهل فوق الطاجين وتخترق أنوفنا رائحة القهوة، ممزوجة بالمنكّهات المحليّة التي تفوح بعبق قشور البُرتقال المُجفّف فتدغدغ أنوفنا وتتسرب إلى أدقّ خلايانا الخاملة، ثم تأتي أصوات الأمّهات الآمرة تحثنا على الاستيقاظ، فنهرع إلى الإفطار خشية أن يسْبقنا الصّبية الآخرون إلى الغيطان، فالأمر لا يحتمل التأخير والبلح المُتساقط ينادينا ويغمز لنا والعنزات وجديانها الوليدة تستغيث لجلب علفها والمُتأخرون وحدهم ليس لهم نصيب، فالجميع يعرف النخلات التي تكنز تحت جذعها النصيب الأكبر من البلح بفعل هوج الرّياح والكل يحث الخطى للسّبق في بواكير الفجر وحين تكون الشمس رأد الضّحى، تكون ظهورنا محنيّة تحت وطأة الأكياس الثقيلة وقد آب كلٌّ بغنائمه الوفيرة.
وصف تعاسة الحياة وما فيها من إيمان بخرافات الفقيه الذي أصبغ تعاليمه في أفهام الناس حتى صاروا لا يملكون غيرها ولا يعتقدون بما سواها؛ ومنها قوله: “في الصّيف ننشر غسيلنا فوق كثيب صغير في طرف الحوش ليجفّ تحت الشمس اللاهبة وفي الليل يتحوّل الكثيب مسْرحًا للسّمر، تكادُ العقارب في كل ليلة أن تخرجنا منه إلى المقبرة، لكن الشّيخ المُداوي لا يتخلى عن الأهالي كلما أتوه طالبين النجدة وبين أيديهم من يُعاني سريان السّم الحثيث بجسده، فيتولى تشليطه بمُوسى حادّة في ضربات سريعة، وهو يضحك ساخرًا من هلعه ويقوم بامتصاص الدّم المسموم ليبصقه على دفعات، فيشفى المريض في الحال وكأنّ شيئًا لم يكن. حين يتقدم الليل ويتساقط النّدى نختلج من البرد، فنتململ في مجثمنا الرّملي، في آخر لمسة للإفادة ممّا تركته أجسادنا من حرارة ونترنّح نصف نيام مُتجهين إلى الغرفة الدّافئة بأنفاس الجديان الوليدة ورائحة التّبن العطنة والعلف كان القوم مأخوذين بهذه الخرافات الشيّقة ونحن نرسل الأسئلة الحائرة من قلب الظلام عن “رأس الغول” وصراعه مع سيّدنا علي، وعن الجازية الهلالية، ودياب غانم، وأبو زيد الهلالي وعن تفاصيل حياة الأجداد وأسرارها الغامضة التي لا تشبه حياة المدينة وعلى فتيل مُتراقص الذّبالة نستمع إلى صوت الجدّة تقصّ خرافات الصّحراء العجيبة فتتراءى لنا قطعان الضّواري مُطلة بعيونها الحمراء ونحن نرقب طلوع الفجر كي نُعجّل بجمع متاعنا في الجرّار الخُرافي الذي سيُقلّنا إلى الصّحراء. ها هي ذي أصوات فرقعات النار تخطفنا من رقادنا فنرى جدّتي وهي تطبخ الشاي الأخضر وتحلب الشويهات لقهوتنا المُقدسة في ساعات الفجر الأولى..
نلحظ أن الروائي قد أحاط بكل تفاصيل حياة الريف وما فيها من معتقدات وخرافات؛ وقصص؛ وحزاوى، تقصها الجدات والأجداد، وسردها في صور لطيفة وأسلوب ممتع جذّاب تنم عن ذائقة لغوية يتمتع بها شوقي الروائي؛ كما لم يغفل أدق تفاصيل الحياة كمراسيم الأعراس في القُرى وما يجري فيها من إعارات للثياب المزركشة وكُحل العين الذي يستنطق الجفون الساحرة، وعقود ترتديها العرائس حد قوله: لم أحتفظ من زمن طفولتي بغير رائحة “السّخاب” العابق بعطر محلي، من القرنفل والنّد والعنبر، قطع معجّنة في شكل نجوم وقلوب وأقمار تحوي روائح مُختلفة، مُنضّدة في عقود ترتديها العرائس في قريتي ووعاء الكحل الذي تستعيره العرائس من جدّتي لتزيين أحداقهن، إصبعان من القصب مُتوازيان بطول شبر، ضُمّتا بسيور من الجلد وقماش ملوّن به تخاريم مزركشة وفي عمق الفوهتين مسْحوق السّحر ينتظر مرودًا من أغصان شجرة الرّتم، بعد تدقيق نهايته حتى يصير مُدبّبا و يُغمس في الإثمد ليستنطق سحر الجفون في رفّتها العاشقة عند مروره وسحبه.
إن ما يميز هذا السرد هو التركيز على كل العادات المجتمعية الإيجابية والسلبية سواء في أعراس أو أحزان ومن الايجابيات أيضا اجتماع الناس لمواساة عائلة المتوفى حد قوله: “اعتمدت الزوجة على الذين كانوا محل ثقة المرحوم والذين هبّوا لنجدتها في محنتها أكثر ممّا بذله أهل زوجها وأقاربه وفي مُقدّمتهم رئيس العملة وصديق العائلة الحاج العيّاشي الذي أمر بناته اللواتي لم يغادرن الرّيف من قبل، بالتكفل طيلة هذه المحنة بالطبخ ونظافة المنزل والعناية بالوافدين للعزاء والتنبه للتفاصيل والعادات التي لا يجب إهمالها طيلة فترة الحداد.
وفي مقابل حياة الريف صوّر حياة المدينة كظاهرة قال فيها: “انتقلت بنت العياشي إلى المدينة مع مريم فتحوّلت خلال شهور قليلة من فتاة مُنطويَة إلى كائن مسْكونٍ بحبّ المَجالس، تُؤلف شبكة من العلاقات بين الناس الذين يتناجون خفية وتمحو شبكة من النفاق تبدي خلاف ما تضمر. ولكم تمنّت على مريم أن ترافقها إلى الأمْسيات الشعريّة التي ترتادها، فكان لها ما أرادت وقد فتنها سحر المدينة ونشاطها الدّؤوب واكتملت سعادتها بما تبذله الشاعرة من عناية في شرح الأشعار بطريقة مُبسّطة تطرب لها الفتاة وتنتشي لكنّ بعض رفيقات مريم المُتحذلقات يسْتكثرن عليها تلك الرّغبة في الاطلاع على فنّ الشعر ويزدرين طبيعتها الرّيفيّة السّاذجة..
ثم فصل في حياة المدينة بعض الظواهر السلبية التي تتسم بها كظاهرة التعالي أو الإرهاب الفكري وصوّر ذلك بقوله: ” كانت ثلة من الكهول مُتحلقين على مقربة من المكان، يخوضون في الحديث عن الإرهاب وأسبابه وقد أبدوا قلقهم من هذا النقاش الغريب اللامجدي حول الفنّ والحبّ فمنهم من كان يلوّح بيديه مُمتعضًا؛ وآخر يقذف بالكلمات مع الدّخان الذي ينفثه من فمه، بعد أن عبّ ما عبّ من نرجيلته وهو يقهقه مُشيرًا إلى تفاهة المُحاورات. كانت الجوهرة السّمراء ترمقهم بازدراء وهي ترفع حاجبًا وتخفض آخر، في ضرب من التهديد، تبديه في امتعاض وتسْترسل في حديثها بصوت عال، ساخرة من السّاسة وبحر أكاذيبهم، مُتمنية أن يكون الشّاعر سليط اللسان، عمارة الهدّاجي موجودًا فينبري لهم بأقذع الكلمات؛ فقالت: إن الإرهاب وليد هذه العقول المُتحجرة وإن كانت تحمل أعلى الدّرجات العلميّة؛ وأضافت إنّ أنامل لم تُغمس في صباغ الألوان؛ وأجسادًا لم تراقص الموسيقى؛ وشفاهًا لم تقرض الشّعر، مؤهلة لكل ضروب الشرور؛ نطقت بما ترغب في البوح به مُسْتعيدة رباطة جأشها..”
ومن أبرز الظواهر التي عرضها شوقي في الدجال: «ظاهرة عدم الوفاء»؛ فقد اختزل عدم الوفاء في شخصية غازي حين لم يفِ لزملائه بالإنذار من صولة الشرطة، مما أودى بهم إلى السجن حد قوله: “حتّى لو صفّر غازي بقيّة عمره دون انقطاع، فلن يُكفّر عن ذنبه أمام رُفقاء النّضال، الذين لم يكونوا موجُودين بالجامعة بعدها ليغفروا له، قضى المُضربون حولا كاملا في ضيافة العقارب والأفاعي والغربان المُحلقة المُتلهّفة لجُثث الفارّين التائهين في مجاهل الصّحراء ونجَا من الاعتقال في ذلك الحين من لزم سقف البناية العالي وطالبٌ وحيد حالفه البختُ، كمَنَ تحت الكراسي حتى انفرجت الغُمّة”.
وثمة ظاهرة أخرى يمكن أن نسميها «ظاهرة الاحتقار؛ أو اللامبالاة» في أحسن الأحوال تجاه موظفي المؤسسات الحكومية والخاصة والتعامل معهم بأسلوب مقزز للغاية ينم عن احتقار مبطن في أعماق المسؤولين فقد جسّد ذلك بطريقة احترافية عن تعامل واقعي بقوله: “تفِدُ العاملاتُ إلى مقرّ الصّحيفة في ساعات الفجر الأولى يغشاهنّ النُّعاس وقد قذفت بهنّ الحافلات الرّجراجة بطريقة عجلى كأنهنّ حمولة مُتعفّنة وجب التّخلص منها فيحصيهُنّ مبروك عددًا وما يلبث أن يُفرّقهنّ بِددًا في مُهمّات مُختلفة”؛ أوضح بهذه الطريقة التعامل الحكومي أو العمل الخصوصي بأسلوب غير لائق بالعُمّال؛ بل جعل اعتبارهم لا يفوق حمولة متعفنة يجب التخلص منها عند انتهاء العمل اليومي، وجرجرتها كل صباح لتتلقى ما يُلقى على عاتقها من مهمات. يقول: “وحين ترتفع الشّمس ويتقاطر المُوظفون على مكاتبهم تكون آخر العاملات قد استلمت من الحارس مفاتيح المخزن لحفظ ما تبقّى من مواد التنظيف فيقوم إثرها بجولة عبثيّة على المكاتب لتقييم جودة عملهن، مُتمتمًا بعبارات غامضة وقد سجّل طلبات المُوظفين المَكرورة على جُذاذة يعجز عن حفظها، لكونها كما يحلو له أن يقول: إنّها شهوات غير قابلة للتخزين في الذاكرة لكونها ليست من “البُوليتيك” في شيء ! وحين تفِدُ السّيدة نوال في ساعة مُتأخرة إلى مكتبها، يكون الرّجل الخطير قد أنجز مُهمّته على الوجه الأكمل؛ وجلس على كرسيّه وهو يبسط قائمتيه الفارعتين بطريقة مُتغطرسة، مُحملقًا في جُموع الوافدين والعابرين؛ لم يكلف نفسه السيد المسؤول بتلبية احتياجات العاملين، وإنما ظل يمنيهم بتسجيل طلباتهم وحاجياتهم في ورقة جانبيه؛ لا يكلف نفسه حفظها والطلبات؛ لأنها شهوات غير مرغوبة”.
يلحظ المتلقي طريقة عجيبة فجة في التعامل المؤسسي مع العُمّال تنم عن احتقار وعدم اهتمام بالعمل؛ مما ولّد حالة عدم انتظام وعدم التزام، نظرا لعدم تلبية حاجيات وطلبات المؤسسة لتسيير أداء الخدمة بشكل أجود وأفضل وتقديمها للناس في المستوى المطلوب.
أما «ظاهرة الحياة السياسية» فقد جسّدها بأسلوب معارضات تمس الأوضاع بنوع من القدح قصد استصلاحها ونقر ناقوس الخطر للتوقف عن مواصل السير في طريقها العبثي الذي لا يأبه فيه السياسي بالمواطن العادي يقول: “كان يحلو للفتيان والكهول من مُثقفي الجيل الجديد الذين زلزلوا عرش الديكتاتور أن يلتفّوا حول هذا المُعمّر الرّمز مُنذ عودته من المغرب، مُستلهمين منه معنى البطولة والنضال ساردين سيرة أشباه الرّجال من الخونة الذين ثبّتوا حكم الطاغية وزيّنوا له سوء فعاله. عاصر الشّيخ حُكم البايات وشهد زوالهم ورسم مُنذ ذلك التاريخ إلى يوم الناس هذا مُجلدًا ضخمًا يحوي بالصّورة والتعليق، المفاصل الكبرى للحياة السّياسيّة بالجُمهورية. تدنو الصّحفية المرمُوقة من عقدها الخامس، وما تزال مُحافظة على رونق جمالها اللاّفت، ونشاطها الدّؤوب الذي لا يهدأ، فهي تتعامل بحسّ أمومي مع مُريديها من الموهوبين الصّغار كما يحلو لها أن تنعتهم، حريصة على مُلاطفتهم وعدم المساس بمشاعرهم وفي حقيقة الأمر كان غالبيتهم من الكهول الذين حال القمع السّياسي دون تفتق مواهبهم. فجعلت من مكتبها منبرًا للحوار الحرّ يختلفون إليه يختلف عمّا يجدونه من صرامة في الأمسيات والمُلتقيات الرّسمية التي يُتْركون عادة على هامشهَا وقد منحتهم الفرصة للإفصاح عمّا في بواطنهم من استفسارات تتعلق بجوهر الفنّ وتقنياته وتتعدّى ذلك أحيانًا إلى مُساعدتهم في حل مُشكلاتهم الشّخصية، مُردّدة مقولتها الشهيرة: “في الفنّ يلزمُنا الكثير من الحبّ والاعتماد دومًا على دبلوماسيّة القُرب.”
كما عرض «ظاهرة ضحايا الثورات» وعدم اهتمام السياسيين بهم في قوله: “فإنّهم يتقاطرون إلى السّاحات العامّة المعروفة بالوقفات الاحتجاجيّة ضد الحكومات المُتعاقبة وليس لهم من غاية غير التّرويح عن النفس مفتونين بتلك الهتافات المُدوية عن الحريّة، ينطق بها رجال يعتلون الأعناق وأفواههم ترغو وقد تطاير منها الزّبد وبُحّ الصّوت فيتابعون تلك الكلمات التي تحكي عن الإرهاب وضحاياه من السّياسيّين والأمنيّين ويقلبون أبصارهم في ثلّة من الشبّان اليافعين من جرحى الثورة، بقسماتهم الحزينة المُفعمة بالخيبة وهم يسْتعرضون إعاقاتهم المُتنوعة ويحملون شعاراتٍ كبيرة مُلوّنة خُطت على لافتات قماشيّة عريضة، فكانوا يتهجّون ما كتب عليها بفضول فلا يتمكنون من تجميع حُروفها الغامضة ويتبخترون بين الحشود غير مبالين، مُقهقهين ملء أشداقهم كلما شاهدوا مُتظاهرًا يحمل رغيف خبز ويُهدّد ملوّحًا به في الهواء كأنّه بندقيّة فلا يسْتوعبون غايته من ذلك الصّنيع ! مُتسَائلين عن علاقة ذلك الفعل الأحمق بهتافات الحرّية؟
جسّد بهذا النص ضحايا الشباب وإعاقاتهم المتنوعة في سبيل خدمة السياسيين الذين لم يكترثوا لهم ولا بمستقبلهم؛ فضلا عن وضع معيشتهم التي ساءت بفعل الأزمات المتتالية والثورات المتعاقبة؛ والسياسيون يعللون كل ذلك ضاحكين بقولههم: لمُحاربة الأوباش والإرْهابيين وفرنسَا نفسها لو فكرت بالعودة.

وثمة ظاهرة أخرى تعرض لها بالنقد؛ وهي «ظاهرة تعالي الأكاديميين» الذين يرون أنفسهم فوق طبقات المجتمع بقوله: “قال هاشم – بكثير من التواضع والخجل- إنك تمنحينني شرفا لا أستحقه فما أنا غير رجل عصامي مُولع بالمطالعة، تُغريه الدّراسات النّقديّة المُبسطة والتي لا أذيع سرّا إن قلت أنّي لا أفقه فيها الشّيء الكثير وذكّرها بأنه لا يحمل مُؤهلا أكاديميًّا يعضُده. قالت نوال: «الأكاديميّون في هذه البلاد مُتعالون، يصعب التواصل معهم»، يتعاملون مع النّصوص كأشكال هندسيّة لمعمار لا صانع له، نحن هنا أمام مجموعة من المواهب الواعدة التي نرغب في صقلها وتوجيهها باعتبارها طاقات إنسانيّة تملك مواهب خفيّة، وصولا إلى تمييزها من حيث الجودة الفنّية ومن لا يصلح منها أن يكون فنّانا، يصلح لا محالة أن يكون جمهورًا مُتميزًا نحن في أمسّ الحاجة إليه.
كما عرض لـ«ظاهرة الغلو المتبادل»؛ بين طرفين متقابلين: الأول من الملتزمين الملتحين من بعض المذاهب وتشددهم في قضايا الحياة؛ ومن القضايا التي عرّج عليه قضية «تحريم التصوير بالرسم» حد قوله: “كان لفيف من الفتيان المُلتحين يتقاطرون إلى الفضاء؛ بأزيائهم الغريبة، وكلما تنادوا بهواتفهم النقالة البدائيّة واكتظ المكان بأعدادهم الوفيرة، وأَنسوا في أنفسهم النصرة والقوّة تصايحوا مُكبّرين يلعنون الرّسم والرّسامين الذين نعتوهم بالشياطين وهذه اللوحات العارية التي يتحاشون التمعن فيها وهم يرمقونها من طرفٍ خفي؛ وبادر الفتى الذي يتزعّمهم وكانوا يدعونه “الأمير طلحة” إلى نزع عمامته وأتبعها جبّته وألقاهما أرضا، وشمّر عن ساعديه وهو في حالة هستيريّة يستحثّ الهمم ويسْتجير بالنّخوة والرّجولة بُغية الهجوم على هذه الآثار الفنية الماجنة، وهو يصيح قائلا: بُثّوا فيها الرّوح إن كنتم تسْتطيعون. وسُمع صوت أجشّ يقول: هذه الأعمال المُنكرة رجس من عمل الشيطان. وهبّ ثالث بأعلى صوته يرجو من المولى أن يرزقه الشهادة في سبيل القضاء على أعلام الفسق والمُجون وقد خلع نعليه وقذف بهما المرأة الباسمة التي تقبع في قلب اللوحة وهو يصيح قائلا: الله أكبر…الله أكبر، فلتسقط الأوثان، فلتسقط أصْنام الكفر. ارتجّت القماشة وتمزّقت في مواضع مُختلفة وحثّ الزعيم أنصاره؛ فأتمّوا عنه ما كان ينتوي فعله، وأسقطوا اللوحة الكبيرة أرضًا وداسوها بأقدامهم ثم بركوا فوقها يتميّزون من الغيظ..”؛ في هذا النص ما يمكن تسميته بالإرهاب الفكري؛ وعدم القبول بحرية الرأي في سبيل التعبير عن مكنون النفس وممارسة الهوايات الشخصية كواحدة من الحرية المكفولة بالقانون..
وأما الغلو الثاني فيقابل ذلك التشدد العقدي انبرت طائفة أخرى منفتحة هاجمت الطائفة الأولى في عين المكان حسب قوله: “اندفع هاشم صوب تلك الشّرذمة المُعتدية، تعضده ثلة من الحاضرين، بين كهول وفتيان غيورين، تمكنوا بفضل قطع البرواز المُحطم والكراسي الخشبيّة من إشباعهم ضربًا وتعنيفًا، فجرّوهم خارج المعرض وهم صاغرون وقد تشتّتت قطع ملابسهم التقليديّة في كل موضع وغدت القاعة غارقة في الفوضى كأنّها ركح فولكلوري لعروض تهريجيّة والقوم يُلملمون أمتعتهم المُتناثرة ودماؤهم تنزف على البلاط الرّخامي وقد تجرّعوا آيات من الإذلال وهُم يُجاهدُون للبقاء مُلتحمين وحين تناهت إلى أسْماعهم صافرات التحذير تأتي من الشارع الكبير، أيقنوا بحُلول الدّوريّة الأمنية فولّوا مُدبرين.
إن هذا التشدد والغلو من الطرفين يؤكد عدم تقنين الحياة والأنظمة في الأقطار العربية وعدم التزام الناس بالقانون والسماح بحرية الأديان لا إكراه في الدين؛ وحرية التعبير وممارسة الهوايات الشخصية في كل مجالات الحياة؛ مما جعل الحياة العربية كصالة ركح فلكلوري غني بالأدوار المتضادة وعدم القبول بالآخر.
وثمة ظاهرة عالمية تؤرق الشعوب العربية والأوربية عرضها الروائي شوقي وهي ما جعلت روايته في مصافي الروايات الكبيرة التي تُعنى بالهموم العالمية؛ لأنه سلط الضوء عليها كجزء من المعاناة المجتمعية في ظل أنظمة قمعية؛ وتسلط ظالم مما أدى إلى النزوح والهروب عبر قوارب الموت في عرض البحار طلبا للعيش بأبسط المقومات وشيء من الحرية؛ تمثلت هذه الظاهرة في «الهجرة غير الشرعية» وعبّر عنها بقوله: “وهناك من قال: إنّك سافرت بطريقة غير شرعيّة إلى أوروبا، وأوشكت على الهلاك غرقًا؛ وقوله: قضى مبروك سنوات طويلة مُشرّدًا في أوروبّا، في طوف لم ينجُ منه غير القليل ممّن حالفهم الحظ، وأشباح الموتى طافيَة على الموج تطارده في كل مكان، فانغمس في الرّذيلة وبيع المخدرات ومُعاقرة الخمرة وعاد أخيرًا مطرودًا مُعدِمًا لم يتمكّن من العثور على لقمة يسدّ بها رمقه..”

كما تطرق إلى «ظاهرة المتاجرة بالممنوعات» من المخدرات والحشيش كأسلوب من أساليب السلطات في إغراق شعوبها قصد إخضاعه وإذلاله وضمان عدم يقظته؛ والاعتماد في ذلك على مجموعة عصابات موسومة بأوسمة خاصة لا يعرفونها تقيهم من التعرض لهم من أية عصابات أخرى؛ مدربة تدريبا عاليا يمكنهم من إخضاع كل معارض أو إغراقه في بحر الممنوعات المتلاطمة الأنواع؛ مع تأديتهم مهامًا أخرى كتجارة الآثار؛ والبحث عن الكنوز الأثرية القديمة؛ وعرض ذلك بأسلوب جيد حد قوله: “كان ثلة من أبناء حيّه المُغتربين يعلمون أنه يُتاجر في الممنوعات و يُمارس التوسط في الدّعارة ويتمعّش من الأعمال الإجراميّة طيلة سنوات شاقّة قضاها في الغربة. وكاد يتعرض للموت مرّات عديدة أصيب فيها بالرّصاص، تمّ الاعتماد عليه لحماية القادة من أفراد العصابات لحذقه فنّ المُلاكمة..؛ فتسيّدهم وجعلهم ينتظمون في سلسلة مُقطعة الحلقات على طريقة المافيا الايطالية، يكون هو الرأس المُدبر فيها ولا يظهر في الصّورة وكلما كُشف أحدُهم تحمّل تبعات جُرمه، وبقيت سُمعة الرّجل الكبير مُؤمّنة وكلما تجرأ أحد مُعاونيه وخرج عن طاعته أذاقه صُنوفًا من العذاب”
كما لم ينس شوقي عرض «ظاهرة البذخ الخليجي» في أجلى صوره ومظاهر الترف في الحياة التي تتمثل في كثير من المظاهر الحياتية لديهم من أبرزها حد قوله: “لم يعلق بذاكرة الشاعرة من سفرها إلى الخليج غير رحلة صّحراويّة نظمتها إدارة المهرجان، خلال يومي الرّاحة التي قطعت أجواء الاحتفالات ومرأى الإبل وهي تنتشر في البراري ومشهد الصّيد بالبازي وهو يُطبق على طريدته مُنشبًا مخالبه في دفّها فيثقبه ومُطاردات السّلوقي للأرانب البريّة المذعورة وتلك الطرق العجيبة في الطهو البدوي، ولم يكن يثير سخطها في ذلك الفضاء الجميل غير صوت مُحركات السّيارات رُباعية الدّفع وهي تصعد وتُغوّر في الأرْجاء كالإبل الهائجة، تلوّث بعوادم مُحركاتها ذلك الصّفاء المُترامي، وأضواؤها الكاشفة تخطف أعين السّاهرين وتصرفهم عن تأمّل القمر المُتبرّج”؛ بناء على هذا النص نجد أنه صوّر البيت الخليجي واهتمامه بسباق الإبل؛ والصيد في البراري؛ والاهتمام بالكلاب السلوقية لدربتها في تطبيق الانقضاض على الطريدة؛ وفنون الطهي البدوي في الرحلات الصحراوية؛ ونحر الإبل وشي لحمها بأنواع مختلفة؛ ولم ينسَ ظاهرة التفحيط بسيارات الدفع الرباعي كاهتمام خاص من فئة الشباب؛ وهذا يدل على الانصراف عن التعليم وعدم الاهتمام به؛ وخلو هذه الأنظمة من نظام الاقتصاد السياسي والتعليمي حد تعبير البردوني -رغم وفرة الأموال- كأنظمة أوربا مثلا في تسيير أمور الحياة والدولة معا..

 

إقرأ للكاتب أيضاً

الإنتاجية شرط العالمية والحياة المدنية

قراءة تأويلية في القصيدة السياسية عند البردوني

شاركها:  

اشترك في نشرتنا ليصلك كل جديد

نعتني ببياناتك ونحترم خصوصيتك. للمزيد اقرأ  سياسة الخصوصية .