ليالي الجحملية

ليالي الجحملية
8912 زيارة

المحرر

ليالي الجَحْمليةْ

 

*فيصل علي

 

 الجحملية: اليمن الصغرى

 الجحملية: مزيج من الجرأة والمغامرة والمشاغبة والهدوء والفوضوية

  الجحملية : حارة الجن والملائكة

 اختفت عصابات الجحملية في التسعينيات وتفرق الشطار باحثين عن المستقبل

 أهالي الجحملية ليسوا طائفيين بعيدين عن العقد القروية والأسرية

الجحملية

  الجَحْمليةْ من أحياء تعز.. يعود تاريخ عمارتها إلى القرن الثامن الهجري أيام الملك المجاهد علي بن المؤيد داوود ابن المظفر الرسولي، وكان لها سور يحيط بها. (كما جاء في معجم البلدان والقبائل اليمنية لإبراهيم المقحفي)، ولا يوجد أثر اليوم لبقايا السور، ولا يوجد من أرخ لها، مع أنها هي أهم حارة يمنية مر بها وعاش فيها التاريخ أجمل أيامه، لكنه سرعان ما تنكر لها، فلم يترك ورقة واحدة عنها. وربما يعود ذلك إلى أن تاريخ الحارات غير مدون، حتى الروايات التي كُتبت لم تُركز على حارات وأسواق المدن وإنما تمحورت حول أشخاص وسلوكيات، وغلب عليها طابع الشكوى والنقمة على ما كان أو مدحه والحنين إلى عودته، ولم تركز على حياة الناس العادية.

 

أغلب ساكني الجحملية من تعز وصنعاء وإب وحجة، وهناك ممن سكنوا فيها من لحج، وفيها أيضاً من الأتراك الذين بقوا في اليمن بعد انتهاء نفوذ الخلافة الإسلامية العثمانية والتي كانت اليمن جزء منها. والجحملية على حد قول عبد الله الوتيري _ وهو أحد سكان الجحملية حيث قدم إليها من جبل صبر قبل الثورة_ “اليمن الصغرى”، ويعود وجود أولئك الناس من مختلف المناطق فيها إلى ارتباطهم بالوظيفة العامة إبان حكم الإمام أحمد حميد الدين، والذي اتخذ من تعز مقراً شبه دائم لحكمه، بعد أن غادر صنعاء التي استقر فيها حكم والده ليرتاح من “البهائم السبع”([1]) فقد كان يبحث عن منطقة يستطيع أن يدير منها أمور الدولة بهدوء وخاصة أنه كان يتوجس خيفة من الاحتلال البريطاني في جنوب اليمن، فوفرت له تعز ما أراد. وبنا في الجحملية ما كان يسمى “المقام” (المتحف الوطني بمدينة تعز الآن)، واستقر في الجحملية مع حاشيته “والعُكفة” أو ما يسمى بالحرس الخاص. وبنا إلى الجنوب من المقام قصر صالة. فاختلطت حاشيته بأهل الجحملية حيث وزع عليهم الإمام الأرضي ليبنوا فيها مساكنهم ويستقروا فيها، ومن أطرف ما روي في تلك الفترة أن رجل من حاشية الإمام جاء إليه ليشكو زوجته التي هربت من بيتها في المدينة إلى الجحملية ولم يستطع أن يعيدها إلى البيت، فقال له الإمام اتركها “لقد تجحملت جحملها الله”.

 

يقول عبد الله الوتيري إن أزهى عصر للجحملية كان في عهد الإمام أحمد، حيث أن سكانها هم مسؤولو إدارة الدولة. ولم يكن فيها ازدحام سكاني مثل العهود التي تلت ذلك العهد، فقد كانت بيوتها معدودة ومتنوعة الأصول والمناطق فكانت خليط من البيوت الصنعانية والتعزية والتركية وغيرها، ولعل أسماء البيوت التي عددها لنا الوتيري فيها دلالة على ذلك منها: بيت الحمامي، وبيت جمال، وبيت المرتضى، وبيت عباس، وبيت الذاري، وبيت الجرموزي، وبيت القصوص وبيت الحاج محمد اليمني، وبيت تقي، وبيت الزواحي، وبيت نصار، وبيت الهمداني، وبيت الجنيد، وبيت الوشلي، وبيت الربيع، وبيت محرم، وبيت السامعي، وبيت الحلالي، وبيت القيسي، وبيت نجاد، وبيت طربوش.

 

مميزاتها

 

وأبرز ما يميز الجحملية عن سواها كما يحكي من عاشوا فيها أن من سكنها لا يستطيع أن ينساها فهي آسرة سكانها وإن رحلوا عنها. ولقد فضل الناس السكن فيها لعدد من الأسباب، أولها أنها مرتفعة عن المدينة، وفر لها الارتفاع نقاء في هوائها العليل فكانت منطقة صحية، بعكس المدينة التي كانت بها الكثير من الأمراض كالملاريا،” وهناك قول مشهور مفاده:

 “تعز لا تسكن بها

وعن زبيد فانزجر

فعيش هذي كدر

وماء تلك من صبر”

فمن أمسى بها ليلة من غير سكانها بكر محموم” وربما يعود ذلك إلى أن المدينة لم يكن بها خدمات المجاري وغيرها. وأيضاً من الميزات التي جذبت الناس لسكن الجحملية في ذلك الوقت وجود الماء العذب الذي يصلها من جبل صبر الذي يحتضنها بين يديه، ولوجود مقام الإمام فيها حيث كانت الخدمات متوفرة فيه وفيما حوله كالكهرباء وغيرها.

ما يمز الجحملية عن غيرها من حارات اليمن، هو ما ذهب إليه البعض بالقول أنها أهم وأشهر حارة يمنية على الإطلاق لعدة أسباب منها :ذلك المزيج السكاني الذي كان لها قبل غيرها، فهي كما أشرنا خليط من سكان اليمن، هذا المزيج جعلها متميزة بمن فيها من أناس اجتماعيين تركوا مدنهم ومناطقهم واستوطنوا فيها، وهذا ما جعلهم يتعايشون بعيداً عن المشاكل التي تحدث في إطار الأهل والقبيلة الواحدة، فتوجب عليهم الانفتاح على بعضهم البعض كي يشكلوا  مزيجاً فريداً، مكونين كتلة اجتماعية من الناس الوجهاء، والعلماء والقضاة، وهذا التنوع أوجد مشهداً مثيراً قلما تجد مثله.وغلب على أهلها الطابع المدني، وتميزوا باللطف وخفة الدم وسرعة البديهة، والجرأة، فقد امتزجت ثقافة العسكر _الذين جلبهم الإمام إليها_ مع الجرأة والمغامرة، والمشاغبة والهدوء والفوضوية، لينتج عن كل ذلك ثقافة وليدة لا نستطيع أن نطلق عليها إلا ثقافة الجحملية. فكان أهلها اجتماعيين بكل ما تعنيه الكلمة، على حد قول عبد الله الوتيري. وعلى الرغم من تنوع سكانها إلا أنهم كانوا قلة مما جعلهم أكثر قرباً من بعضهم.

 

صُنع في الجحملية

 

لو مررت بالجحملية وحلف لك أحد أبناء صنعاء الذين يقطنون فيها مائة يمين أنه من صنعاء فانك لن تصدقه، فالختم الرسمي الذي تراه يغطي ابتسامته السوداء يجعلك تقول “صُنع  في الجحملية” ويدعي أنه من صنعاء! ويعود ذلك إلى الأملاح الزائدة الموجودة في ماء الشرب، والتي عملت على تلون الأسنان باللون البني الغامق المائل للسواد أو كما يسميه أهل الجحملية (ذحل الأسنان). ذلك الذحل على حد قول أحدهم شوه كثير من جميلات الجحملية اللاتي كان جمالهن متنوع صنعاني و تركي و تعزي وإبي . “جميلة لحد لا يصدق لكن لا بريق لثغرها “. وهذا القول ليس هو الأصل فذلك شيء بحسب الأمزجة فالجمال ليس موحد في نظر الناس. “كلهم أهلي نحن أسرة واحدة” هكذا قال فؤاد اليمني أحد شباب الجحملية واصفاً أهل حارته، فهو لم ينس أيام طفولته حيث كان يأكل في كل بيت من بيوت جيرانه وكأنه في بيته. وليس ذلك فحسب فقد كان ينادي نساء الجيران كما ينادي أمه فيقول لجارتهم أمي فلانة، والأغرب من ذلك أن تسمى الأم باسم ابنها الأكبر فيقال لأم عادل ” أمي عادل” ولأم علي “أمي علي”، وهكذا كانت التسميات تطلق من قبل أولاد الحارة على نسائها، فقد كانوا يعتبرونهن أمهاتهم.

 

مساجدها

 

أشهر جوامعها جامع عباس، وجامع العرضي، وجامع الحسين بن علي (رضي الله عنهما)، وجامع نصار، وقد بنيت على الطراز الصنعاني، كما هو الحال في جامع العرضي المبني بالحجر الأسود(حبش) وفيه باحة كبيرة تشبه باحة الجامع الكبير “منقولة بالنص” فهو يشبهه من حيث التصميم وقد بناه الإمام أحمد على غرار الجامع الكبير بجوار المقام. قيم الجامع ما زال يؤذن للصلاة بلكنته الصنعانية المميزة وحتى “حي على خير العمل ” التي أتى بها الفاطميين إلى مصر مازالت تسمع من ذلك الجامع، ويصل الكبار في تلك الجوامع مسربلين.    

الطراز المعماري الصنعاني الذي غلب على معظم البيوت فيها له نكهته الخاصة فما أجمل أن تزور صنعاء وأنت في تعز، المشربيات الصنعانية ما زالت تُزين بعض تلك البيوت، وكذلك القمريات، فقد حافظت الجحملية على تراثها المعماري الشعبي ردحاً من الزمن، حتى جاءت سنوات المسخ فتغيرت الكثير من المعالم، ليس فيها وحدها بل في معظم أرجاء البلد، فكل واحد يصنع لبيته الشكل الذي يعجبه، لتضيع الأصول المعمارية وسط لفيف مخيف من الأشكال الغير متناسقة. كما أن أهل الجحملية قد حافظوا على الزي والتراث الشعبي، فالزي اليمني الأصيل  المكون من الثوب والجمبية والكوت مازال ملبوس كبار السن فيها. 

 

الزواج 

الزواج في الجحملية ليس كالزواج في غيرها من الحارات، فكل أناس أتوا بعاداتهم التي حملوها من مناطقهم، لتختلط مع بعضها مكونة عادات تميزها عن غيرها، أهم ما في هذا الزواج أنه ألغى الطبقية والمناطقية التي كانت تتجذر في أعماق المجتمع اليمني بشكل عام. فيقام العرس في أحد البيوت، والجميع يشارك في تجهيزات العرس، فتفتح بيوت الجيران لاستقبال الضيوف. تصل العروس بيت الزوجية التي تتكون من غرفة داخل بيت أسرة العريس، فهي انتقلت من بيت أهلها إلى بيت أهلها، فالجميع أسرة واحدة. وتقام الأعراس عند الجميع بنفس الطريقة التي تقام بها الأعراس الصنعانية، فالزفة وملابس العريس (العزجة) العمامة والسيف كلها صنعانية، وعُممت تلك العادات على الجميع. المضحك المبكي في الأمر أن بعض العائلات من أهالي المناطق الشمالية المرتفعة كانوا مرتبطين بمناطقهم وقبائلهم، فكانت تحدث بعض الزيجات لبناتهم على أقربائهن في صنعاء أو حجة أو غيرها، ولكنها سرعان ما تفشل، لتخرج العروس بأجمل ما تكون لتعود إلى الجحملية مطلقة بعد فترة معينة، ويرجع البعض ذلك إلى عدم التناسب مع العريس وأهله، فهي متعلمة على الأغلب ومدنية في تعاملها، وليست معقدة بالعقدة القروية والقبلية وجريئة في طبعها تتكلم وتعبر عن نفسها، وتزف لزوج منغلق على نفسه، له نظرته الخاصة للحياة “وللحُرمة” التي يجب أن تلتزم الصمت وتطيع الأمر بدون أن يكون لها كيان. ومع ذلك لم يتعظ بعض الآباء من تكرار الفشل في الزواج فتكررت تلك الزيجات الفاشلة، حتى أنها خلفت ورائها الكثير من المطلقات.

 

رمضان

 

لرمضان نكهته في هذه الحارة ففي السابق كان الناس يضيئون المصابيح الكهربائية خارج بيوتهم إحياء للياليه المباركة، يقول الزميل طلال جامل رئيس تحرير صحيفة الشوروي وهو من أبناء الجحملية كنا نجمع العلب الفارغة (علب الفول) ونمسك بكل يد علبة ونطرقهما مع بعض ونردد: يا مساء الخير يا مساء… يا مساء جئنا نمسي اليوم عندكم، ويضيف كنا نزور كل بيوت الحارة، فيعطونا محلبية أو فلوس، أو(شعوبية)، ونظل على هذه الحالة إلى أن ننهي كل بيوت الحارة.

 

الفتوة

حارة الجحملية كانت مشهورة بإثارة المشاكل وتشكيل العصابات،وللاقتراب أكثر نشير هنا إلى نص كتبه احد أبناء الجحملية هو فتحي القطاع في أحد منتديات الإنترنت إذ يقول واصفاً حال حارته: “كان طبيعياً أن تقترن فيها البلطجة بالتفوق الدراسي والإبداع.من أبنائها من أكمل المسيرة في الطريق الصحيح،ومنهم من جرفه تيار الشقاوة إلى طريق الانحراف،وكانت هناك أسر مشهورة بالبلطجة.هذه الحارة كانت خليطاً من الجن والملائكة،فيها الأتقياء،وفيها الأشقياء،وكان الوضع طبيعياً ومألوفاً عندهم،كل بيت في حالة،مثلاً كانت هناك بيوت لصناعة الخمر البلدي (المحلي)،وأخرى للصوص،وغيرها تقية وورعة، اللصوص كانوا لا يسرقون بيوت الحارة (شرفاء!).

 

في بداية السبعينيات نشأ فيها جيل “البلطجة” واستمر هذا الجيل إلى نهاية الثمانينات، فاشتهر سائقي الموترات والتكاسي بأنهم يسكرون، ويجلسون في بعض الدكاكين لمعاقرة الخمر ولعب البطة.وفي تلك الفترة خرج منها بعض الفتوات أشهرهم البارود بحسب الزميل طلال جامل،حيث عزى ظهور الفتوات إلى كرة القدم التي كانت في فترة زهوها وتفرغ الشباب لها لاعبين ومشجعين، حيث تكون النادي الأهلي في الجحملية، ليقابل نادي الصقر ونادي الطليعة _العدو اللدود للنادي الأهلي_، وكان الأهلي دائما يفوز على الجميع، وفي إحدى المباريات مع نادي الصقر فاز الصقر على الأهلي فحدثت مهاترات واحتجاجات بين المشجعين، وكان صادق الشابع أشهر مشجعي الأهلي من أكثر المنزعجين من تلك الهزيمة، وما أن أطلق الحكم صفارة انتهاء المباراة حتى نزع محمد ناجي حارس الأهلي قفازات يديه وهجم على احد لاعبي الصقر، فاشتبك اللاعبين بالجماهير، وسرعان ما ظهر البارود الذي كان يلقبه الناس بالمتوحش، وأبلى البلاء الحسن في تلك “المضرابة”. البارود قتل أحد المتضاربين معه وهو لا يبالي فكان هو فتوة الجحملية بدون منازع، العساكر يطاردونه إلى مشارف الجحملية ولكنهم لا ينزلون إلى أزقتها مترجلين خوفاً من تكتل أهلها الذين كانت مواقفهم موحدة تجاه أياً كان، وكانت الجحملية مشهورة بالعصابات وأزقتها الضيقة _مثل أزقة صنعاء القديمة_ ساعدت العصابات في التصدي للعساكر وغيرهم. وفي نهاية السبعينيات عمل العسكر كمين للبارود وقتلوه في الشارع.

أطفال الجحملية كانوا عصابات مثل الكبار، يحكي لنا طلال جامل عن ذلك بقوله: كنا نأتي بالعصيان، أو القطع الحديدية ونهجم على حارة وادي المدام، حيث كان هناك صعاليك لا بسين “المعاوز” وتنتهي المضرابة بإطلاق النار وصياح يملا الأسماع ويخيف الأهالي على الأبناء.

وكانت هناك بيتان لبيع الخمر في الجحملية البلدي والخارجي، في إحداهما كان يباع الويسكي. والطريف في الأمر أن علاقة الجوار بين أهل الحارة “وبيتي الخمر” كانت طبيعية فكل واحد في حاله، فلم يكن أحد أبناء الحارة يستطيع أن يشتر الخمر من تلك البيتين، لأنهم لا يبعونه لأهل الحارة، وإنما للقادمين من خارجها. وهنا يجيء دور فتوات الحارة ليأخذوا على أيدي السكارى الذين يؤذون الناس.

 

بعد عام 1985م تغيرت توجهات الشباب والفتوات، فقد جاءت فترة الجهاد في أفغانستان، فتوجه الكثير منهم إلى الشيخ عمر أحمد سيف (رحمه الله) في الحديدة، ليجهزهم للذهاب إلى الجهاد، الكثير منهم استشهدوا، وعاد الباقون، محملين بصور الجهاد والمعارك الدامية هناك، وأقاموا معارض صور الجهاد في المدارس بما سُمي معارض “أفغانستان”، وحتى في حرب أميركا التي شنتها على الأفغان مؤخراً ذهب شباب من الجحملية لمقاتلة الأمريكان واستشهد مصطفى الشرعبي – أحد لاعبي النادي الأهلي- في معركة تورا بورا. وفي التسعينيات عموماً اختفت عصابات الجحملية، وتفرق الشطار باحثين عن مستقبل أفضل.

الطائفية

 في أيام الطائفية التي برزت في عام 1968م وما بعدها كانوا يطلقون على سكان الجحملية “بني حشيش” لكثرة سكانها من أهل صنعاء، وسمى أهلها “زيود تعز” أو “الجالية الزيدية في تعز”، هذه النبرة لم تكن بين سكانها، ولكنها نبرة سكان الحارات الآخرى في المدينة، والذين كانوا ينظرون إلى سكان الجحملية أنهم مختلفين عن بقية سكان المدينة. كان العامة والأطفال في الحارات هم من يرددون مثل تلك الكلمات، فيما الطلاب من الحارات الأخرى كانوا يتشاءمون من المرور وسط الجحملية إلى مدرسة الكويت بالقرب من قصر صالة، فقد كانوا يتأهبون (للمضرابة)  مع أبناء الجحملية الذين لا يتركونهم يمرون بدون أن يسمعونهم كلمات تستفزهم، مثل ” وين رايحين يا مبنطلين ” – المبنطلين لابسي البنطلونات- وفي تلك الفترة كان أهل الجحملية يغلُب عليهم لبس الثياب والجنابي ويرون العيب في لبس البنطلون، ولكن سرعان ما تراجع ذلك العيب.لم يكن المشهد الطائفي قد أتى من فراغ ولكن كانت له تداعياته في تلك الحقبة من الزمن، ويغذيه الجهلة من كل طرف، لكن أهل الجحملية لم يكونوا بنفس منطق الطائفيين، وقد كانوا ابعد ما يكونوا عن العقد المناطقية والقروية والأسرية التي كانت على أشدها في ذلك الوقت، فقد كانت ثقافتهم موحدة فلا فرق بين تعزي ولا صنعاني ولا عديني، فالكل سواسية، وكأنهم عشيرة واحدة.  

قهوة مخسو

أربعة دكاكين هي التي كانت توفر للناس حاجياتهم في السابق، وهي دكان الدعنان، ودكان الكوكباني، ودكان هزاع أقدم عاقل حارة في الجحملية، ثم خلفه عبده محمد أو كما يطلق عليه أصحاب الجحملية “عبده مربع”، ودكان البعداني. وأهم معالمها فرن الكدم ويعود إنشاؤه إلى العهد العثماني في اليمن، ظل هذا الفرن إلى العهد القريب يزود الناس بالكُدم، فكانت الطوابير على شبابيكة صباحاً ومساءً لا تنقطع، ولكنه الآن صار مُهملاً يجثوا هناك لحالة يشكوا من انقطاع الزوار. على بُعد أمتار من الفرن كانت تقع قهوة “سنهوب” المشهورة، ويقدم فيها إلى جانب القهوة والشاي عصير القديد والزبيب. ومازلت قهوة “مخسو” تفتح مع الفجر وقبل المغرب ليشرب الناس الشاي بالحليب وكذلك القهوة. والى جانب مخسو بوفية “محمد صغير” وفيها يباع عصير الشعير المخلوط بالفمتو ويسميه كوكيتيل، يفتح البوفيه من العاشرة صباحاً إلى الرابعة عصراً حيث يتمتع زبائنه بالكوكتيل والاستماع إلى إذاعة لندن، ودقات بيج بن التي ألفها كل من تعود على الذهاب إليه. أما بُرعي بيت “مبخوت” فهو وجبة مفضلة مع الكدم وكاسة شاي بالحليب تعدل الدماغ.

الحُب البوذي

سينما الجحملية كانت من أبرز المعالم فيها يتوجه الشباب والكبار “ليُسينمو” في الصالة، ليتركوا البلكون للنساء والبنات “ليُسينمن” لم يكن دخول السينما عيب في الجحملية كما كان في الحارات الأخرى فأهلها متحضرون متمدنون بطبيعتهم، فكان يستهويهم الفن السابع، ويحبذون مشاهدة الأفلام الهندية ويفضلونها على غيرها من الأفلام، كالأفلام المصرية “البائخة” التي كانوا يترفعون عن مشاهدتها، إذ كانت في تلك الأيام تنتشر أفلام المقاولات كما يسميها المصريين أنفسهم، فلم يكن فيها قصة ولا إبداع ولا شيء مما يجذب المشاهدين. إلى ذلك يشير طلال جامل بقوله: لقد أثرت الأفلام الهندية في الناس حتى أن الشباب والبنات كانوا يتغنون بالأغاني الهندية ويحبون الرقص الهندي والملابس الهندية.

 

الحُزن البوذي وجلد الذات أوجدتها تلك الأفلام، يتضح ذلك من قصص العُشاق المليئة حُزن وأسى، فالحب على الطريقة البوذية أقرب إلى الحب العذري عند العرب، وهو نوع من أنواع العذاب الذي حطم قلوب البنات والشباب، لتلقيهم ركلات الواقع التي لا ترحم أحد. شباب الجحملية هم من أطلقوا أسماء على أبطال السينما الهندية فقد أطلقوا اسم شاكا على دارا مندرا، والسلاسل على أميتا باتشا، وغيرها من الأسماء لتنتشر عند بقية الناس.  

1234

الجحملية اليوم

 

ينتشر الفقر بين ساكنيها وكأنه لم يجد غيرهم! الكثير من الشباب يعملون سائقي موترات بالأجرة، هذا لمن كان له حظ كبير أما البقية فلا عمل لهم، فبعد أن كانت الجحملية برأي فؤاد اليمني “أم الدنيا” صارت مأوى للمجانين من أبنائها، فالبطالة على حد قوله قادت الكثيرين إلى الجُنان، وتعاطي المنشطات التي يحاولون بها نسيان ماهم عليه فترى “محببين” في عمر الزهور، مما زاد من حسرة فؤاد وأهالي الجحملية على هذا الجيل الضائع. ومنذ بداية التسعينيات بعد أن فقدت مدينة تعز بريقها! كانت الجحملية على موعد مع الهموم التي كانت عنها بعيدة في العقود الماضية. حتى الماء الذي كان من مميزاتها بحلاوته وتوفره بدأ ينقطع عنها بكثرة، مما زاد من معاناة الناس، وخاصة أن بيوتهم الشعبية لم يكن بها خزانات مياه أرضية، فكان الناس يستغلون مياه الأمطار في الصيف، فكانت الميازيب هي وسيلتهم في ذلك. وبحكم تقارب بيوتهم كانوا يضعون الآنية الكبيرة تحت الميازيب لتلقي المياه المتساقطة منها. وعلى الماء المتساقط وقع شجار بين جارين، أدى إلى اشتباك وإطلاق نار فقتل أحدهما الأخر ليعود بنا التاريخ إلى بدايته الأولى، ويرينا قصة إبني آدم التي قتل أحدهما الآخر على شيء من متاع الدنيا الزائل.

—————–

([1] ) البهائم السبع لفظ أطلق على ما يسمى اليوم قبائل الطوق في صنعاء.   

 * نشر هذا النص في منتصف عام 2007 في مجلة الحكمة ، وهنا تمت اعادة النشر لذا لزم التنويه

 

إقرأ أيضاً بجاش في حافة إسحاق

مشهد من مشاهد ليالي الجحملية 

شاركها:  

اشترك في نشرتنا ليصلك كل جديد

نعتني ببياناتك ونحترم خصوصيتك. للمزيد اقرأ  سياسة الخصوصية .

اقرأ ايضا