مرايا الروح

أسطورة الأدب الرفيع

شاركها:

أسطورة الأدب الرفيع

طارق السكري 

كل ما حولنا يدعونا لأن نخرج مما في أيدينا واهتماماتنا ، ونلقي بأنفسنا في دوامة الصراعات والمناكفات السياسية .صار الذي يعظ أو يذكر الناس بآية .. غريبا ! كأن الآيات قد استهلكت واستنفذت وظائفها فلم يعد ينتظر الناس منك في هذا الزمان إلا خبرا سياسيا أو تحليلاً صحفيا أو سماع أنباء عن كوارث جديدة . حتى أني لم أعد أعرف عن ماذا أكتب ؟ أقرا عن مصطلح “الشعرية” وقواعد الذوق الفني وشروط الإبداع ، والناس تجرف الفيضانات بيوتهم ورجالات الدولة كأن الأمر لا يعنيهم ! لا خطاب تعزية أو دعم أو مساعدة في إنقاذ . 

على الأقل اشكروا الناس الذين تطوعوا من ذوات أنفسهم للمساعدة . ما من مجيب لداعي! أتخيل الناس كحال من وقع في كمين .. ينتظر ساعة انفجار .. أو طلقة رصاصة !. لكن .. لكل يوم همومه واهتماماته . إنك في اللحظة التي أنت فيها الآن .. تنهال عليك الأخبار والمعلومات من كل حدب وصوب .. على اختلاف مصادرها وألوانها وصدقها وكذبها .. فلتجعل إذن مما ينهال عليك ما أقوم بكتابته الآن .. فليس يضيرك أن تتسلى قليلاً بساعات بين الكتب .

 

 قبل أسبوع .. حصلت على جهاز القارئ الاكتروني للكتب . اسمه “Kindle” . إحدى مواهب التكنولوجيا التي تطالعنا كل يوم بجديد مفيد للبشرية . صمّم هذا الجهاز لعشاق الكتاب الورقي . رغم أن الكتاب الورقي لا يقوم عنه بديل إلا أن هذا الجهاز صمّم لراحة العين ، وبإمكانيات تتفوق على الكتاب الورقي بصورة أكبر . أهمها : إمكانية تدوين الملاحظات على الكتاب الذي شرعت في قرائته . ثم استحضارها وبقية الملاحظات والاقتباسات من مكان واحد ، وإرسالها إلى الإيميل .

هذا الجهاز لا وسائط فيه .. لا واتس ولا فيس بوك ولا يوتيوب ولا حتى إيميل .. صمّم للقراءة لا غير .النسخة الأخيرة .. سمحت بتنزيل الكتب العربية على صيغة الكندل .. مكتبة الهندواني على جوجل قانونية وتسمح بتنزيل الكتب بصيغة: KFX . المناسبة للجهاز .

الحديث عن الكندل ذو شجون .. فهو صغير الحجم .. رشيق كغصن .. لطيف كصورة القمر.الأهم من هذا .. هو عبقرية التكنلوجيا وطموح التقنية في أن تصل بالإنسان إلى منتهى الراحة . لأول مرة .. منذ عهد بعيد .. أقرأ خارج دائرة الأدب ! قرأت حول تقنية جديدة ” النانو ” حول صغائر المادة ومدى قدرتها على تغيير خصائص بعض الأشياء التي تتعلق بالمواصلات والأدوات الطبية والغذائية والمواد الحافظة للطعام وتنقية الماء والهواء والإفادة من تقنية الطاقة الشمسية بأقل التكاليف والسعي إلى الطاقة النظيفة عوضا عما اقترفته البشرية من شوفانية وسادية تجاه البيئة والطبيعة .. شاهدت بعض تجارب في تغيير خصائص بعض السيارات في اليابان بأن تضاف للسيارة أجنحة شاهدت تجربة أخرى عبارة غسالة تخرج الملابس منها فلا تتجعد ولا تتعفن لمدة أسبوع كاملا !!! 

أيمكن هذا ؟ هل نحن في فلم سينمائي عن لخيال العلمي ؟ نعم . يحدث مثل هذا وزيادة.خلال العشر أو العشرين سنة القادمة .. سيصبح ما نراه في أفلام الخيال العلمي .. حقيقة، لكني .. كنت أتساءل : نحن العرب .. إلى أي مدى يمكن أن تغير هذه التقنيات أفكارنا المتخلفة وعاداتنا السيئة ؟ لقد اكتشفت الطابعة والحاسوب وانتشرت دور النشر وتدفق النفط وصعدت الأبراج إلى أن أصبحت السحاب تنظر إليها من أسفل .. وقامت المولات والمراكز التجارية عن يمين الطريق وشمالها .. وانتشرت الموضات العصرية في الملابس والزينة وقصات الشعر .. لكن .. لا تزال أرواحنا قبليّة بدوية عنصرية طائفية إلى أبعد حدٍّ .. من الظلمات . 

الدولة التي خولت بتنظيم الحياة في المجتمع .. لم توجد حتى الآن ! قامت بدلا عنها أسر وعوائل وميليشيات تحكم بالدم.. وبرابطة الدم .الرئيس الذي قلّد في عنقه أمانة السهر والقلق على المواطنين .. غير موجود .. اعتقد الناس فيه العصمة .. فبلغ به الحال أن ظن بنفسه الألوهية .. فجعل التشويه والقتل وسيلة شرعية وطبيعية لترسيخ دعائم الأمن في المجتمع .

المواطنون الذين يفترض بهم أن يدرسوا الحكمة والمنطق والفلسفة .. وأن يجتهدوا .. وأن يصلوا الليل بالنهار قراءة وكتابة وتعلما وتحصيلا للعلوم والآداب والفنون .. غير موجودين!

أو أنهم محاصرون .. أو أنهم غارقون إلى الأذقان في دوامة المناكفات .إذن .. ما الفائدة من اقتنائنا لهذه التكنلوجيا ؟ لم تخرجنا محتوياتها وثقافتها ومعاصرتها من دائرة البداوة ! جوال حديث برّاق في يد عقليةٍ متفحّمةٍ .. متحجرة !. هل يمكن لشاعر يمني معاصر – إن صحّ أن يسمى معاصرا – يعترض على الأجناس الكتابية الإبداعية والشعرية كالرواية والقصة والأقصوصة وقصيدة النثر والنثيرة والهايكو ويتحث عنها كالذي يتحدث عن مجازر هتلر ومحاكم التفتيش !! 

إنه وأمثاله من السلفيين المحنّطين يذكرني بمعركة قصيدة التفعيلة إبان ظهورها وكيف اتهموها وأصدروا حكم الإعدام ضدها وتعالت الأصوات في المجلات والمجالس والكتب .. لكن – وياللسخرية! – لم تلبث أن هبت رياح التغيير فاكتسحت آراءهم وكنست بقايهم إلى منحدر سحيق .

وهؤلاء ومن على شاكلتهم .. لايفرقون بين اللغة والأدب .. بين العلم والفن . إن اللغة تاريخ وثوابت لا مناص منها ولا بديل عنها .. لا تزال المفضليات والأصمعيات والمعلقات والأغاني والأخبار والسير تحتل في قلوبنا المحل السامي والمقام الرفيع .. نكحل أعيننا منها بين حين لآخر .. لنكتسب من اللغة القدرة على التعبير عن حاجياتنا ورغائبنا بدقة وإصابة . 

أما الأدب فهو روح العصر وملكة التعبير الراقي عن هموم الإنسان وما يدور في مجتمع الإنسان من أحداث ، والانتصار للضعيف والانتصاف للمظلوم والاصطفاف في خندق للدفاع عن الأوطان .. بطريقة فنية نابعة منه ، وأسلوب جميل متأصلة فيه .. لا كأدب العصور الوسطى الذي كلف بالسجع البارد والتراكيب الجاهزة والمعاني المكررة والصورالساذجة المباشرة لا إيحاء فيها ولا تشويق .. خيال زينة ونثر زينة وشعر زينة .. ليس ثمة نفحة من عبقرية ولا مسحة من جنون ولا صرخة ألم باسم الحرية والنهضة .إن أعلى طبقات اللغة هي تلك التي تأتي من وراء النفس لا من وراء اللسان . أليس كذلك ؟

ولذلك أخذ المازني على المنفلوطي أسلوبه في الكتابة النمطية وسخر منه أشد السخرية . وأخذ العقاد على شوقي تقليده للأقدمين واهتمامه الصياغة والشكل على حسال المضمون.لا أسلوب الجاحظ يناسب عصرنا ولا طريقة الفرزدق في صياغة العبارات تصلح لأذواقنا. قال أحد العروضيين في نقاش – منتصرا للعمودي – : ليس غير العمودي الذي ألفه العرب الأقحاح ، وأما حصل في الأندلس من تغيير في أشكال الشعر وظهور أجناس جديدة منه كالموشحات والمخمّسات وغيرها ليست إلا ناراً صغيرة وظاهرة ناشزة .. سرعان ما انطفئت !

ولكم أن تضعوا أياديم على رؤوسكم حين تعلمون أن هذا العروضي دكتور في الجامعة ! ألم يعلم هذا العروضي أن تلك الأشكال الشعرية التي ظهرت كانت نتجية تغير في عقول الناس وانتقالها من البداوة إلى الحضارة ومن الجهل إلى العلم ؟ كانت قرطبة مدينة العلم والعلماء والأدباء .. تجلت فيها روعة العمارة ووفرة المكتبات .. بل أعظم مكتبات العالم .. فيها ترجم العلماء فلسفة اليونان وأنقذوها من الضياع ولا تزال أوروبا إلى اليوم تذكر ذلك لا بن رشد . الفقيه المجدد .

الأندلس كانت قبلة الجمال والموسيقى .. الحدائق الهندسية والنوافير الراقصة والورود والطيور .. فردوس أرضي مسح على القلوب برفق فإذا مناشط الحياة الثقافية والمعرفية والأدبية تزهر وتضيء .لقد تقدم المجتمع .. فتقدم التفكير الإبداعي فأنتج تلك الأشكال الشعرية والمعارف الإنسانية التي لا تزال آثارها وزخارفها ونقوشها إلى اليوم .

وحين ضاعت الأندلس .. ضاع الناس وانطفأت في عقولهم سرج الإبداع .. فلم يكن لهم في المستقبل مكان .. فرجعوا القهقرى .. لكنهم لم يفلحوا بأن يصلوا إلى مستوى العصور الذهبية في الشعر لا ختلاف الزمان ورقة اللغة .. فقرقعوا لنا شعر المعارضات والمناسبات وشعر المساجلات لاستعراض القدرات اللغوية والنظمية . أرأيتم ؟    ليس الأدب وطريقته وأسلوبه إلا استجابة طبيعية للعصر الذي يعيش فيه الشاعر أو الأديب .. فلا يوجد مفهوم للشعر أو للرواية أو للقصة أو للمسرح .. ثابت لا يتغير. إذا كان أبو عمرو بن العلاء يقول : “اللسان الذي نزل به القرآن وتكلمت به العرب على عهد النبي ( ص ) عربية أخرى غير كلامنا هذا”وأبو عمرو بن العلاء كان ناقدا حافظا للقرآن .. لغوياً وهو من التيار السلفي المعتز بالقديم وكان من الذين وقفوا ضد تجربة أبي تمام الحداثية . 

مما لا يدع مجالا للشك .. أن اللغة كائن حي كما يقول الأدباء .. تتغير مفاهيمها وطرائق تفكيرها حسب ظروفها الثقافية والحضارية . إننا بحاجة لأن ندفن وجوهنا في أدب الغرب .. فلسفة ونظريات جمال ونقد .. كما فعل رواد النهضة العربية الطهطاوي وأحمد أمين وطه حسين والعقاد والرافعي وزكي مبارك والزيات وعلي الطنطاوي وغيرهم وغيرهم .. مما ذكروه هم أنفسهم في كتبهم .. من ضرورة الاطلاع على الآداب الحديثة .. لا من أجل اسنساخ التجارب وتقليد الرسوم .. بل من باب التلاقح الفكري أو التناص الثقافي . 

لقد قرأ سيد قطب رحمة الله عليه ألف رواية إنجليزيةوذكر علي الطنطاوي أنه أغرق نفسه في قراءة الروايات الفرنسية لشدة شغفه وشغف كتاب العصر بالصورة الفرنسية .وحتى المنفلوطي التقليدي الذي كان لا يملك لغة .. استعان بأحد أصدقائه فترجم له رواية في سبيل التاج فكتبها المنفلوطي بأسلوبه فلمعت وبرقت في سماء الجمال .وقد اقترح علي الطنطاوي رحمة الله عليه على الناشئ في الأدب .. أن لا يتقل مباشرة إلى القراءة في كتب التراث العربي القديم .. بل اقترح أن يبدأ بقراءة أدباء عصره .. ثم ينتقل بالتدريج إلى القديم . وهذا بحق لينم عن فهم عميق لطبيعة اللغة والنفوس وفقه التربية .

إن المعاصرة مسؤولية ليست بالأمر السهل .. رغم أهميتها وضرورتها .. وهي لا تعني بالضرورة القطيعة مع التراث .. إذا كان أدونيس له أيديولوجيا معينة فرأى في تراثنا العربي والإسلامي عائقا أمام العصرنة وتطور الإنسان العربي .. فهو وشأنه لا علاقة لنا به . إن الفضيلة وسط بين رذيلتين . ويشرح طه حسين هذه المقولة الأرسطية فيقول : تأتي إحداهما من التقصير وتأتي الأخرى من الإفراط .

إذن لا ينبغي أن نشتط على القديم فنحاكمه بمقياس الفلسفة ومعايير التطور اليوم ، ولا أن ندعي في القديم العصمة كما لا ينبغي أن نسلم بكل نظريات العصر وتوجهاته تسليم المريض للطبيب ولا أن نلبس التقديمة والحداثة لبوس الشبهة والمعصية والكفريات . 

إننا سلفي في أعماقي .. ومحافظ .. وقد تجاوزت مرحلة التطور .. لكني أجاهد أن أكتب وأعبر عما يحز في نفسي مما أراه ولا أملك تغييره . عل أبناءنا .. على أاقل تقدير.. يعملون لأبنائهم في المستقبل .ولكم تمنيت كما قال طه حسين في خصوم ونقد أن أسكب كل كتاب أقرؤه في قلوب القراء وعقولهم .

 ليست حقولنا الأدبية وحدها بحاجة إلى أن تلتذع بنار المعاصرة .. بل إن ذواتنا أولى بذلكفما نتاج المعرفة إلا الفكر بعاداته وأخلاطه وانتماءه .. كي نفهم عن هذه التكنلوجيا طبيعتها وثقافتها ولغتها .. أن نخرج من دائرة اهتمامتنا .. فنقرأ في مجالات أخرى . بل لقد كان سلفنا العظيم من الأدباء كالجاحظ وابن المقفع وغيرهم من يتكلم بأكثر من لغة .. بل لقد تعلموا اليونانية وترجموا عن فارس والهند والإغريق فنظموا ما نجم عن ذلك في أسلاك مؤلفاتهم فإذا هي مبوّبة .. مفهرسة .. مرتبة .. وأضحى أثر تلك القراءات المعاصرة واضحا وجليا في طرائق عاداتهم في تناول المعاني والأفكار .. فنتجت أسطورة الأدب الرفيع . 

لقد امتلكت بعض الدول العربية تكنلوجيا التعليم . فأين هي آثاره وثماره ؟ولو كشف الله عن أعماقهم الحجب لرأينا حبالاً ورمالاً ولسمعنا نباح كلاب وضباع ! أما عنا نحن .. فليس إلا الرغبة بالانتقام وهدر دم البشر . “لبسنا قشرة الحضارة .. والروح جاهلية” نزار قباني

 

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرة − ثلاثة =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com