جمال أنعم
جمال أنعم

أول المشاهدة نفي الخاطر

شاركها:

“أول المشاهدة نفي الخاطر”

جمال أنعم

الصوفية عالم رحب، يصعب الحكم على كل تياراتها ورموزها واتجاهاتها وطرقها بكلمة واحدة. كما أن تاريخ التصوف سرديات وطرائق ومدارس ممتدة، ابتدأت بماعرف بالتصوف السني، ونماذجه عبدالله بن المبارك، وسعيد ابن المسيب، وتأسس على الإلتزام بالقرآن والسنة واعتماد الزهد والتخوشن والذكر والعمل على تحقيق مبدأ الإحسان : “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”
وامتداداته القشيري والمحاسبي والإمام الغزالي وعبدالقادر الجيلاني، والذي اعتمد على الجمع بين الحقيقة والشريعة وعدها : “علماً مع اجتماع، وعملاً مع اتباع ” ويعد الجيلاني من أهم رموز التصوف السني وعلى رأس الطبقة المؤسسة الرائدة، ويجيء التصوف العرفاني أو الإشراقي قبل الجيلاني بالطبع، تالياً للطبقة الأولى من رموز التصوف السني ونموذجه؛ رابعة العدوية، والتى شكلت مرحلة فارقة باعتمادها لغة نسقية خاصة في التعبير عن العلاقة بالذات الإلهية، تحدثت عن العشق والحب الإلهي بصورة مربكة و مجاوزة للوعي العام.

ليأتي إثرها ماعرف بالتصوف الفلسفي والذي جاء عبر أقطاب من ثقافات مختلفة ساهموا في اسقاط خلفياتهم على التصوف وساهموا في إعطائه صبغة غنوصية واضحة، ومن نماذج التصوف الفلسفي: الحلاج، وابن سبعين، وأبو يزيد البسطامي، والسهروردي، وابن عربي، وابن عبد الجبار النفري، وذو النون المصري، وآخرين غيرهم .

ومعهم بدأت المقولات الاشكاليةالكبرى المثيرة للريبة وللقلق والإلتباس والجدل المتواصل كالقول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد والفناء ،وانقسم المجتمع الإسلامي بين الرفض والقبول واتهم العديد منهم بالكفر والمروق والزندقة. وتعرضوا للقمع والمطاردات والمحاكمات، وأحكام القتل والصلب التى بدأت بالحلاج وصولاً إلى السهروردي، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن كثيراً من المتصوفة كانوا شعراء وأدباء وهوما أتاح لهم الإختباء في اللغة حيث عملوا على ايجاد نظام تعبيري خاص بشبكة من رموز ومصطلحات لا يفهمها إلا العارفون.

كما أبدعوا أشعاراً ونصوصاً عرفانية ملفتة، هي وحي تجلياتهم، ومكابداتهم وترددهم بين الحال والمقام، ومايعرض لهم من واردات ومكاشفات في الطريق.

كما عملوا على صب خبراتهم ومقولات وحكمهم في جمل وعبارات آسرة مصقولة، هي بعض سحرهم الباعث على الإفتتان والدهشة.

وفي هذا المسار يبرز كذلك التصوف الطرائقي كما في النقشبندية، والقادرية والجيلانية، والشاذلية والختمية في السودان وغيرها، وصولاً إلى التصوف الدراويشي والذي صار محض دروشة وشعوذة، وأعمال مجاذيب وهرطقة، وغرق في الخرافات، والممارسات الغريبة المنكرة البعيدة عن جوهر الدين وحقيقة التصوف.

وبرغم ماشاب التصوف ومع كل الإنتقادات والتحفظات والمآخذ على تياراته وتوجهاته ورموزه المختلفة، لايسعنا إنكاره، وعدم الإعتراف بما له وعليه، بأمانة وإنصاف، وبعلم ورؤية شاملة، ومن الطرق التى توصف بمشربها السني: الطريقة القادرية، والجيلانية، والعلوية، رغم ما يداخلها من أداءات يعدها مخالفوهم شركيات كزيارة الأضرحة، والتبرك بالأولياء، والاستغاثة وطلب المدد وهي قضايا محل خلاف.

والدارس المتجرد لتاريخ التصوف عموماً يجد عالماً هائلاً فيه الكثير مما يمكن الإستفادة منه، وفيه كذلك الكثير مما يستدعي الانتباه واليقظة، والمقاربة الواعية المعتمدة على معرفة عوالم القوم، وإدراك مفاتيح أسرارهم، ويمكن هنا استدعاء الكثير من النماذج الملهمة التى أثرت ومازالت تؤثر في الأجيال المتعاقبة،
ولايمكننا اعتبار كل هذا التاريخ محض مؤامرة .

هذا جزء من عمرنا وخبراتنا في الطريق إلى الله، حيث “الطرائق بعدد الخلائق ” والصوفي آمن بقدرة الروح على الوصول بغير زاد، إذ الزاد لا يتحصل من الطريق ” بحسب النفري .

من المهم قراءة هذا الميراث بوعي وتفهم بدون خوف أو حمولات وبدون أحكام مسبقة إذ أن : ” أول المشاهدة نفي الخاطر”.

 

إقرأ للكاتب أيضاً

صنعاء وبذور التشيع

شاركها:

شاهد أيضاً

توفيق الحميدي

 الطبقة السياسية وغياب فكرة الدولة

 الطبقة السياسية وغياب فكرة الدولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com