تقاسيم في ذكرى محمود درويش

الإمامة التاريخ الأسود

شاركها:

الإمامة التاريخ الأسود

طارق السكري 

الإمامة صفحة من صفحات التاريخ الأسود للتخلف ، ووجه آخر للانحطاط ، وليل دامس يثقل القلب بظلاله وأطيافه ، وانتفاضة طاغوتٍ اهتبل من غفلة الشعب فرصةً لجنونه ونزواته فاعتلى وتجبّر . الإمامة ُأوسع أبواب الرذيلة ، وأكبر مشروع هدّامٍ ، وأعظم شرخٍ في العقل ، وأبلغ جرحاً في النفس ! ألف عام من الحكم الكارثيِّ ! إننا لا نزال نعاني من آثار مرضه الوراثي حتى اليوم .

 

ما زال منّا من يستمرئ العودة إلى الماضي ، ويستحلي العيش في كنف الفوضى المدمرة ، ولا يرى في الحاكم أنه موظف أجير بل يرى فيه الحاكمية والألوهية .. فالحق ما نطق به ، والصواب ما أشار إليه ، والعدل حيث يمشي ، والفضيلة حيث ينام .. يقتل الناس بعضهم بعضا للفوز برضاه ، والسير في هداه .. الهدى الذي سوَّلَته للناس زبانيته وأملته لهم !

نأكلُ الجوعَ ونستسقي الظما

وننادي : يحفظ الله الإماما

كيف يرعى الغنمَ الذئبُ الذي

ينهش اللحمَ ويمتص العظاما

 

عميت عيون المجتمع واضمحلت شخصيته وضعف خياله ، وأقامت الإمامة الأسوار والحواجز النفسية ، وعزلت المجتمع عن العالم ، فلم تستطع أنوار الحضارة والتقدّمية أن تنفذ من خلال تلك الحواجز المنيعة إلى عيون الناس وأعصابهم ! فلا مدارس ولا طباعة ولا نشر ولا مكتبات ! لألف عامٍ واليمن الطيب في معتقل كبير ! القمع .. الإرهاب .. كانا روح المملكة الأسود ، السجون كانت حدائق الموت . الشوارع كانت ساحاتٌ لتنفيس الحقد ، ومحكمة للعنف والجريمة . 

 

سرت هذه الروح الشيطانية في خلايا الناس .. روح الفرعون . روح الاستخفاف وحب التملكوالاستفراد بالرأي . فتمزقت الهوية ولم تعد هناك هوية جامعة لدى خطابنا السياسي والأدبي وصار كل شخص يرى الهوية من منظوره هو ! من منظور حزبه أو من منظور قبيلته ، أو من منظور قريته .   لا ننسى أن نفتش كل يوم تحت جلودنا عن الأفكار التي تسكننا ، والهواجس التي تعشعش فينا ، والأمثال والأغاني والأشعار والقصص ، والعادات التي تشكلنا وتقلبنا وتصرفنا على هواها حتى غدت ديناً مسلَّماً . 

إننا نحتاج إلى تحديث شامل لكل أنظمتنا الدينية والأخلاقية والفكرية . إلى قراءة طويلة لا تنقطع في كل مجالات المعرفة . قراءة صادقة دافعها العزيمة والرغبة الجادة بالتغيير. بأن نكون لبنة من لبنات الحق والقوة في المجتمع. لن يساعدنا أحد إذا لم نساعد أنفسنا . لن يكون أحد في الدنيا أحرص على اليمن منّا .إن صوت الزبيري الخلاب يرن في الأصداء : 

ما يهبُّ النسيمُ إلا وجدنا 

طيِّهُ زفرةً من الأوطانِ

تحمل الطلَّ للرياضِ وتذكي

في الحشا لفحةً من النّيرانِ

إننا نحتاج لأن نتناص مع الزبيري روحاً وفكرة ، وأن يصبح الزبيري نسقاً ثقافيا وفنياً .. أن تشتغل الموسيقى والأغاني والمسرحيات على فكرة الزبيري كي يحيا الوطن ولا يموت .. كي تنسكب في القلوب القيم الوطنية والروح القتالية التي لا تعرف الانهزام .. تلك التي كانت تعيش وتعبق في دمه .  الزبيري رحمة الله عليه بوصلة الوطنية تهدي الفكر السياسي المتذبذب والروح الشاعر القلق .. بوصلة تجمع الرؤى المتفرقة والأصوات المتباعدة وتوجهها نحو مسارها الصحيح في طريق البناء :

ستعلم أمتنا أننا 

ركبنا الخطوبَ حناناً بها

فإن نحن فزنا فيا طالما 

تذل الصعاب لطلابها

 

وإن نلق حتفاً فيا حبذا المنايا… تجيء لخطَّابِها 

 

 

شاركها:

شاهد أيضاً

عيدنا سعيد

عيدنا سعيد

عيدنا سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − 14 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com