تقاسيم في ذكرى محمود درويش

التذوق الجمالي .. أهميته ومظاهره

شاركها:

التذوق الجمالي .. أهميته ومظاهره

 

طارق السكري

 

التذوق الجمالي للنصوص الأدبية .. حاسة الاستشراف إلى الجمال المطلق .. غريزة في الأسوياء من الناس .. يسوقهم إلى ذلك عطش روحي يلح طلبا للخلاص من ضغوط المادة والحياة القاسية .

 من منا لا ينطرب وهو في بحبوبة روضة وارفة غنّاء ؟ عن يمينه الروابي وشماله تبرق بالنضار ، والظلال باردة ، والنفس سمحة رضية .

لكن ذات الفنان .. ليست كأية ذات .. إنها ذات معدة لأن تتحرر من كل عوالق اللحظة ، فتنصهر في تلك الومضة المشعة من تلك الروضة النضرة .. كتوحد القصيدة بعلاقاتها الداخلية من خواطر وأخيلة . فلا تستطيع أن تفصل بعضها عن بعض .

كذلك في عالم الشعر البديع .. ليست الذات واحدة في تلقي وهج القصيدة .. هناك من تبلغ القصيدة في نفسه مبلغا تطغى فيها أضواؤها على عقله فتشعر أنه قد غاب عن الوجود أو أنه فقد الجاذبية فإذا به يهم بالطيران .. تماما كما حدث مع خلفاء بني أمية حين طرب من قصيدة مديح قيلت فيه وكان الشاعر بشار بن برد حاضراً .. فعلم بشار بروعة القصيدة فقال لمن بجانبه : انظر إلى الخليفة هل طار من مكانه ؟!

وهناك من الذوات من تمر بها القصيدة فلا تطرف لها عين ولا تقوم لها شعرة!

لاتقولوا لي : هذا يعتمد على نوع القصيدة !

كنتُ مرة أقرأ لأحد المفتونين بتذوقه الجمالي حدَّ الإسفاف ! إنه في الحقيقة لا يملك إلا صورة هذه الكلمة ” الذوق ” تجسَّمت في ذاته حتى خيِّل إليه أنه عرَّاب النقد!

ألقيت عليه في حديقة ذات يوم إحدى قصائد المتنبي ، كان المتنبي في هذه القصيدة يقف أمام محراب العذاب الإنساني .. فبدا مكتئبا حزينا ، متطامناً منكسراً .. تذهب به رياح القهر تارة ، وتعود به مرارة الذكرى تارة .

والمتنبي حين تنفعل نفسه وتتلبس به حرارة التجربة أسمعك من الشعر ما يهز الوجدان فتطرب له النفس دهرا .. لا تود أن تستبدل بها غيرها .. لروعة ما فيها من طاقة وأسر .

كما حدث لأبي السائب المخزومي عندما فتن بقصيدة لعروة بن أذينة .. شيخ البخاري .. إليكم القصة : “حكى عروة بن عبد الله قال: كان عروة بن أذنية نازلاً في داري بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه الأبيات :

إن التي زعمتْ فؤادَك ملّها …

خُلقتْ هواك كما خُلِقتَ هوًى لها

 

بيضاءُ باكرها النعيمُ فصاغها …

بلُبانة فأدقّها وأجلّها

 

حجبت تحيتها فقلت لصاحبي

ما كَانَ أكثرها لنا وأقلها!

 

وإذا وجدتُ لها وساوسَ سَلوة

شفَعَ الضمير لها إلي فسلّها

 

لما عرضتُ مسلِّما لي حاجة

أخشى صعوبتها وأرجو ذلها

 

حجبت تحيتها فقلت لصاحبي

ما كَانَ أكثرها لنا وأقلها!

 

فدنا، فَقَالَ: لعلها معذورة

فِي بعض رقبتها، فقلت: لعلها!

فاتاني أبو السائب المخزومي، فقلت له بعد الترحيب: ألك حاجة؟ فقال نعم، أبيات لعروة بلغني أنك تحفظها، فأنشدته الأبيات، فلما بلغت قوله ” فدنا ” قام وطرب، وقال: هذا والله صادق العهد، وإني لأرجو أن يغفر الله له الحسن الظن بها، وطلب العذر لها، فقال: فعرضت عليه الطعام فقال: لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات شيئا ثم خرج.

فمن سمع للمتنبي تلك الأبيات التي اصطفاها لنفسه كما يقول طه حسين .. لم يخلط بها شيئا.

والقصة أن المتنبي كان قد مُنع من دخول مدينة الكوفة فعاش بعيدا عن جدَّته لأمّه التي كانت كأمه وأشد .. فهي التي ربّته واعتنت به ودفعت به لمواصلة تعليمه في الكتاتيب الخاصة بالعلويين كما ورد في ترجمته في كتاب “رسالة في ثقافتنا ” لمحمود شاكر ..  على كل حال ..لم يكن المتنبي ينظر الدنيا إلا من عيون جدته ولم يكن يجد فرصة للهدوء وجدته بعيدة عنه .

في أواخر أيامها أصيبت الجدة بالمرض وظلت وحيدة لا زائر ولا طبيب حتى أتاها في السرّ كتابٌ من ابنها المتنبي .. فتفقَّدتْه بعيونها المغرورقة بالدموع وضمته إلى صدرها بكل الشوق ولوعة الذكرى ..ثم ما لبثت أن وافتها المنية.

انتفض المتنبي كالأسد حين وصل خبر موتها! لكن ماذا يفعل ؟ أخذ يتململ في مكانه .. حتى جاشت خيالاته .. فقال :

لكِ اللهُ مِنْ مفجوعة بحبيبها

قتيلةِ شوقٍ غير مُلحقها وصْما

” لكِ اللهُ ” . فلا طبيب يستجلب من قريب ، ولا جار يفرض عليه الواجب أن يزور ويسأل فيمد يد العون.

الله وحده حسيبك

“لك الله ” . آهةٌ تخفي ورائها حسرة قلب لم يستطع أن يقدم شيئا .. خاف بطش السلطان فاستسلم وأذعن تحت نصح الناصحين .

وهي” قتيلةُ شوقٍ ” .. لكنه الشوق الإنساني السَّامي والعاطفة الأبويّة الفياضة .

” غير مُلحقها وصما ” فهو اشتياق تفرضه الأخلاق الحميدة ، وتُقرُّهُ المروءات الفاضلة .

أحنُّ إلى الكأسِ التي شربتْ بها

وأهوى لمثواها الترابَ وما ضَمَّا

لقد تلقت روحي هذا البيت من القصيدة وتخيلت فقد عزيز ! كم هو منفعل باكٍ هذا الشعور وكم هو طافح بالحسرة والأماني وأجمل الذكريات السعيدة يواريها الثرى!

يتخيل المتنبي جدته وهي تتناول الكتاب بلهفة واشتياق :

أتاها كِتابي بَعدَ يأسٍ وتَرْحَةٍ

فَماتَتْ سُرُوراً بي فَمُتُّ بها غَمّا

لقد أتاها كتابي الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر لتطمئن على حالي وتقرأ من خلال حروفه روحي ، وقد وصل إليها بعد معاناة شديدة .. فطول المسافاة جائر ، والحرس على أبواب المدينة يتربصون بي .

فماتت سرورا بي فمت بها غما !

وعلى ما في هذا البيت من صورة جمالية فيما أحدثته المفارقة بين “الموت والسرور” من دهشة : ” فماتت سرورا بي ” إلا أن المتنبي لم يكن في حالته المتوجعة  تلك ليعمد إلى معجم الزخارف الللفظية والمحسنات البلاغية فيضع ألوان الزينة وزهور البهرج على سطح القصيدة كي تسرّ الناظرين ! لقد جاءت الصورة الشعرية عفواً ، صعدت إلى السطح من اللاوعي في حالة مواجهة مع الألم الذي تضخمت صورته في ذات المتنبي حتى لم يعد يرى شيئاً من تلك الأوراق البلاغية الملونة ! وهذا من صميم العبقرية الشعرية فضلا عن صدق التجربة التي سدت على الشاعر كل منافذ الاحتيال فبان وجهه الباكي للعيان!

” فماتت سرورا بي .. فمت بها غما ” ياللوعة والروعة !

حَرامٌ على قَلبي السّرُورُ فإنّني

أعُدّ الذي ماتَتْ بهِ بَعْدَها سُمّا

 

يتخيلها ممدة على سرير المريض .. في حجرتها الطينية الصغيرة .. الرسالة بين يديها المرتعشتين : 

تَعَجَّبُ مِنْ لَفْظي وخَطّي كأنّما

ترَى بحُرُوفِ السّطرِ أغرِبةً عُصْمَا

 

والمتنبي هنا ينظر إلى جدته الملقاة على سرير الموت بعين مبصرة نافذة ويرى من وراء الحجب جدته وهو تقلب الرسالة بيد كليلة وتدير حوله عيونا متعبة!

ويخيل إلينا كقرَّاء .. أن وتيرة أنفاسنا تتصاعد مع هول الموقف .. وهي تتعجب من الخط ولون المداد وشكل الحروف وكأنها ترى أمامها وجه ابنها فتمسح عنه وتتلمس جوانبه وتمر على شعره بيديها كما تفعل الأم ..كأنها تتدخل معه بحوار هادئ فرارا من وطأة العزلة وظلالها الثقيلة !

وهنا لفتة جميلة .. فالمتنبي يربط بين لون المداد وورقة الرسالة البيضاء بالغراب الذي في بعض ريشه لون أبيض رباطا نفسياً .. فالغراب أسود .. ولكن هذا النوع من الغربان نادر جداً ومميز ، فهو يصور لنا والدته وهي تقلب الكتاب كأنها ترى فيه ملامح ابنها المميز .. المختلف عن سائر الناس .. ابنها الذي هو قطعة من الشوق ، أثمن ما في الحياة . ابنها المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس .. إنه شاعر نادر .

وانظر إلى براعة هذه الصورة المرئية المتحركة وهي يصور لنا والدته وهي تتفاعل لا إراديا مع رسالة ولدها :

وتَلْثِمُهُ حتى أصارَ مِدادُهُ

مَحاجِرَ عَيْنَيْها وأنْيابَها سُحْمَا

رَقَا دَمْعُها الجاري وجَفّتْ جفونها

وفارَقَ حُبّي قَلبَها بَعدمَا أدمَى

ولم يُسْلِها إلاّ المَنَايا وإنّمَا

أشدُّ منَ السُّقمِ الذي أذهَبَ السُّقْما

يا إلهي !

إن الوحدة الجامعة في هذه الأبيات تتمثل في تلك العلاقات المتينة والمترابطة بين أجزاءها ، وقد نمت فيها الصور نموا عضويا لا نموا موضوعيا فحسب فكأن القصيدة صورة كلية .

وبعد أن ألقيت على مسامع صاحبي في الحديقة القصيدة كاملة .. وكلي حماسة قال وهو يحك قفاه : ولكنها قصيدة ضعيفة .. أين التراكيب .. والتقديم والتأخير !!!!

طبعا من حقكم أن تضحكوا حتى تسقط الأشياء من حولكم. إن تفسير التجارب الشعرية يقوم على معايير نقدية صارمة .. لكنها لا تغفل الحس الجمالي في الناقد . وما أجمل الناقد عندما يكون شاعراً كما يقول لويس سيسل في الصورة الشعرية .

 

قال سدني : “إن ما يصنع الشاعر ليس القافية والتقطيع الشعري وإنما ابتداع صورة بارزة للفضيلة أو الرذيلة أو أي شيء آخر ” . أي أن تشتق مع كيان الألم علقة أو .. من سعير الوجد جمرة فتقدمها في قالب متوهج بالإبداع من جنسها .لا نريد أن نعقّد الأمور .. فنشترط لتذوق النص شروطا ! لا . إن علوم اللغة والبلاغة كلها لو صبّت صبَّاً في رأس من لم يؤتهم الله رقة الطبع ورهافة الحس لن تغني شيئاً .

أعجبني الكاتب / خليل السكاكيني .. عندما ذكر في كتابه “مطالعات في اللغة والأدب ” قضية ” الصّنعة والملَكَة” من أن سيبويه جمع في كتابه المسمى بـ “الكتاب ” بين الصنعة والملكة .. فالقارئ أو المتأدِّب يخرج من درس الكتاب بالموهبتين معاً لأن سيبويه لم يكتف بشرح قواعد النحو .. بل ضمن كتابه الكثير من الشعر والنتف البلاغية والإشارات اللغوية .. تماماً كطريقة الجاحظ في كتابه “البيان والتبيين” فالكتاب يظهر من عنوانه أنه متعلق بمباحث علوم البلاغة .. لكنك ما إن تدخل على الكتاب حتى تنفتح أمام عينيك رياض زاهية الألوان من روائع الخطب والأشعار والأخبار والسير.. فتعلق في روحك زهرة ، ويسكن أعماقك سحر العربية ، وإذا بهواجس تزقزق في شرايينك .. تريد أن تجري على أسلات قلمك . نعم . هذا هي ثمرة القراءة في مثل هذه الكتب ” الصنعة والملكة “.

حتى أنني بالمناسبة أذكر أن أحد الكتاب الذين أشاد بهم الناقد الإنجليزي المعروف سيسل لويس في كتابه الصورة الشعرية .. ألَّفَ كتابا في النقد أسماه ” العلم الممتع ” ! وقد بدا سيسل متعجباً من عنوان الكتاب! من الجمع بين “العلم” الذي يقوم على أفكار منطقية مجردة تخاطب العقل لا مجال فيها للانطباعات والعواطف ، وبين “المتعة” التي تعمل على إدخال البهجة والسرور في النفس . “العلم والمتعة” . لا شك أنه عنوان كتاب لمَّاح .

تطالعنا الكثير من الكتب النقدية التي تجتمع فيها ملكة الكتابة الأدبية والملكة النقدية معاً ! مثل كتاب المثل السائر لابن الأثير مثل كتاب البيان والتبيين للجاحظ .. أبي العلاء المعري .. وفي الحديث طه حسين والعقاد وسيد قطب والمازني وزكي مبارك وحمود تيمور ومصطفى محمود وعلي الطنطاوي . لن تقرأ لأحد هؤلاء إلا وتسكنك العفاريت فتنبعث في قواك الرغبة بالكتابة ..كأن تيارا كهربائيا سرى منهم إليك . وهذه أسمى وظائف البيان .

وقريب من هذا ما أشار به الدكتور عبدالله الغذّامي في كتابه : ” تشريح النص “إن وظيفة الشعر هي توليد المشاركة الوجدانية بين الشاعر والمتلقي” . وإن كان حديث الغذامي محدودا ًللشعر فهو يصلح أن يكون مثالاً يقاس عليه كل جنس أدبي ، والمشاركة الوجدانية التي يقصدها الدكتور الغذاني هي تلك التي تنتج تفاعلاً ، تقف الكتابة منه والتعبير عن المشاعر في المقدمة . وإن كان ثمة حديث عن الأسلوب واختيار اللون الأدبي المناسب للعصر .. فذاك حديث ذو شجون!

 

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × اثنان =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com