الحساسية من الاحتفاء بيوم الحب..غيرة دينية أم حمية جاهلية؟ 

الحساسية من الاحتفاء بيوم الحب..غيرة دينية أم حمية جاهلية؟ 

 

مجيب الحميدي

 

    يميل البعض إلى التحفظ الثقافي في التعامل مع المناسبات الاجتماعية كالاحتفاء بأيام الميلاد والزواج وأيام الحب وغيرها، و يتحسس بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي من كلمة الأعياد بناءً على فهم حرفي لظواهر بعض النصوص، وهذا النمط من التحفظ له اعتباره و وجاهته، ولا يقل وجاهةً عن الرأي الأخر الذي يؤكد أهمية استيعاب المشتركات الإنسانية و لا يجد ضيرا في استدماج بعض العادات والمناسبات في الثقافات المحلية.

 

ولكن البعض يتجاوز هذه الحدود إلى التورط في افتراء الكذب على الخالق والخلق، فينسب إلى الخالق التحريم والتجريم وينسب الجرائم إلى الخلق لتشويه المناسبات الاجتماعية باختلاق وترويج قصص مزيفة من منشأها مستسهلا ارتكاب كبيرة التقول على الله و كبيرة الافتراء على الناس في سبيل الإنكار على مسألة عادية تحتمل أكثر من رأي، وبعض هؤلاء ينطلق من حمية دينية تتلبس أحيانا بثقافة العار الجاهلية ومسكونة بهاجس الخوف على الهوية و فوبيا الثقافة الغربية، وفي هذا السياق تعرضت قصة يوم الحب لتشويه كبير على ألسنة الوعاظ، وهي في أصح رواياتها قصة خالدة من قصص الصراع بين الإيمان والوثنية و التضحية في سبيل الله وتحمل التعذيب ونيل الشهادة، بطلها الراهب العظيم فالنتين الذي نظنه من الصالحين ونسأل الله أن يتقبله في الشهداء. 

 

فالروايات الأقدم والأوثق تؤكد أن الراهب الشهيد امتحن في سبيل عقيدته لاجباره على الخروج من الإيمان، ولكنه أصر على الإيمان وتحدى السلطة الوثنية التي منعت زواج الجنود،، وكان يجري عقود الزواج بصورة سرية فتعرض للسجن والتعذيب وتطبيق حكم الاعدام، وتذكر الروايات من كراماته أنه صلى لله بطلب من سجٌانه لكي يرد الله إلى ابنة السجان العمياء بصرها فتقبل الله صلاته وأعاد بصرها، وأنه كتب لها للفتاة البصيرة بعد ذلك رسالة يعبر عن حبه لها، وبغض النظر عن صحة قصة الكرامة إلا أنها على الأقل أكثر صحة من قصة الإساءة المفتراة ،، ومن المؤسف أن يأتي التشويه من وعاظ محسوبين على تيار الإيمان.

 

 وإذا كان القرآن الكريم قد خلد قصة أصحاب الاخدود، وتضحيتهم في سبيل العقيدة،، وخلد قصة الرجل المؤمن الذي قتل لأنه قال ربي الله،، واعتبر القرآن الكريم انتصار الروم على الوثنية انتصار للإيمان وشرع للمؤمنين أن يفرحوا بنصر الله. فإن قصة تضحية الراهب فالنتين في سبيل العقيدة تربطنا بها روابط عقائدية تستحق التخليد وتستحق أن يفرح بها المؤمنون.

وغالب ظني أن مصدر التحفظ على يوم الحب متصل بحساسية ثقافة المحافظة الاجتماعية من قيمة الحب، وهي حساسية قديمة تمتد إلى الجاهلية الأولى وإلا فثمة مناسبات كثيرة لا يتحسس الناس منها.

 

اخيراً اود التأكيد ومن منطلق تخصصي في التربية الإعلامية النقدية على أهمية التحري في التعاطي مع الروايات التي يتناقلها الوعاظ للانتصار لوجهات نظرهم، و أهمية الاعتماد في الروايات التاريخية على الروايات الاوثق والأقدم التزاماً بمبدأ ” فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة”. واتمنى أن تتسع صدور الجميع لتقبل جميع وجهات النظر.

شاهد أيضاً

وعول سبأ

وعول سبأ 

وعول سبأ  فيصل علي  من المهم اليوم أن يكون السيف والقلم شركاء في صناعة النصر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + 3 =