مجيب الحميدي
مجيب الحميدي

الحقد الثوري ..بين الضرر والضرورة

شاركها:

الحقد الثوري ..بين الضرر والضرورة

 

مجيب الحميدي

 

كلنا مفطورون على حب القيم المثالية، ولكن هذه الفطرة قد تنحرف بوعي أو بدون وعي إلى الفجور والطغيان، ومعظم كوارث العنف الدموي تتفجر من هذا الينبوع المثالي الطاهر في صورة براكين من الأحقاد الجهادية والثورية، وقد أدرك هذا المأزق بعض فلاسفة الماركسية الجديدة الذين طالبوا بتصحيح ثقافة النضال الثوري وإعادة بنائها على الحب الإنساني وتخليصها من لوثة الكراهية والحقد الأسود الذي ينتهي بالعنف الأعمى والتصفيات الداخلية باسم النقاء الثوري اليساري أو النقاء الجهادي العقائدي.

من هؤلاء فيلسوف تربية الحرية باولو فريري الاشتراكي المسيحي الذي قضى سنوات من حياته في السجن قبل ذيوع كتابه ” تحرير المقهورين” والذي يرى أن الثائر الإنسان والمؤمن الذي ينطلق من لاهوت التحرير يحرص بمحبة ومسؤولية وإيمان على تحرير القاهر من لوثة القهر، وكما يحرص على عدم الخضوع لمنظومة القهر لا يعمل على اخضاع من يختلف معه لظروف القهر، وفي مقابل ذلك يتألم الثائر الحاقد من تضرره شخصياً من القهر ويتشبع بغرائز الانتقام ولا يضع أي حساب للنتائج وتتسرب إليه الميول السادية من القاهرين ويفرض ظروف القهر والتهميش والاستبعاد على كل من يختلف معه عندما يتغلب على قاهريه.

قد يظن البعض أن هذا الطرح أيضا نزوع مثالي لتجريد الثورة من أهم مقوماتها، فالحقد والكراهية من منظور البعض بارود ثورة الانتقام، وينبغي الاعتراف أن أي عملية ثورية تتسرب إليها مشاعر الكراهية ولاسيما عندما تفرض الظروف على الثورة اللجوء إلى الكفاح المسلح، ولكن ثمة الكثير من النماذج الثورية المشرقة التي تخلصت من آثار عنف المراحل الأولى وتغلبت على ثقافة الكراهية ونجحت في تحقيق أهدافها.

يحضرني هنا نص مهم في القرآن الكريم يوازن بين مسوغات العنف الثوري في حالة الضرورة لدفع الظلم وبين إعطاء قيمة عليا للتسامي على الكراهية والمصالحة والعفو بعد المقدرة قال تعالى في سورة الشورى؛
“وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)” الشورى.

ومع تأكيد النص القرآني على حق الانتصار إلا أن الاستفادة الحقيقية من الكتاب الهادي إلى التي هي أقوم تفرض قراءة النص القرآني دون تبعيض وتجزئة، فقد أكد النص أن الله لا يحب الظالمين فلا مشروعية لظالم ولا تنبغي الاستكانة للظلم بأي حال من الأحوال، وأكد أن الثائر الذي يواجه السيئة بالسيئة لا سبيل عليه ولا مؤاخذة، ولكن السبيل والمسؤولية والمؤاخذة على الظالمين الذين يبغون في الأرض بغير الحق، ولكن النص القرآني يذكر الثائر بأهمية عدم الاستسلام لغرائز الانتقام وأهمية قيمة التسامي والصفح والتصالح “ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور” وهكذا يضعنا النص القرآني بين مقامين عظيمين : بين مقام ” ولمن انتصر ” وبين مقام ” ولمن صبر وغفر” فإذا كان تحرير المجتمع من سلطة القهر فضيلة وحقٌ لا إنكار عليه، فإن إلجام نزوات الحقد الثوري، والحرص على تحقيق المصالحة، وتفريغ المجتمع من الاحتقانات التي تهدد السلم الاجتماعي؛ كل ذلك من خصائص أولي العزائم الراشدة.

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد + 3 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com