تقاسيم في ذكرى محمود درويش

الحقٌُ سلاحي

شاركها:

سأقتبس عنوان أغنية للفنانة اللبنانية الثورية / جوليا بطرس “الحق سلاحي وأقاوم” وأروّس بها مقالتي المتواضعة هذه .

اشتغلت قبل فترة قنوات التواصل الاجتماعي على البخاري ومسلم.. ثم انتقلت بالتدريج إلى حرم القرآن الكريم .. فأخذوا نتفاً من آراء المستشرقين الشوهاء حول ما دار من مشاكل عائلية بين زيد بن حارثة وزوجته زينب بنت جحش رضي الله عنهم أجمعين .. ثم حشروا الرسول صلى الله عليه وسلم ولمزوه بطرف خفيّ ! ثم قالوا أن هناك صفحات ناقصة من سورة الأحزاب .. ثم انتقلوا بعدها إلى حرمة القدس الشريف فدعوا إلى التطبيع مع العدو الصهيوني بحجج سخيفة تشبه في سخفاتها طبائع الحمير التي خلقوا منها .. ونسوا أن القدس قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين .. وغداً سيطلون علينا بصرعة أخرى بلا شك مدوّية ترتج لها عقول السذج والبسطاء من الناس الذين هم محور الصراع عبر التاريخ ، تتجاذبهم التيارات كما يتجاذب الشاة قطيع من الذئاب .

ياناس اعقلوا !

اليمن تجرفها فكرة عفنة ، ودعوة سلالية مقيتة .. البيوت والشوارع والجامعات تحت القصف والإرهاب .. الأطفال والنساء وكبار السن تحت عنت الحديد وعصف النار .

الوطن العربي يمزق شر ممزق.. ثرواته ليست له بل لأعدائه .. إرادته وقراراته ليست منه بل هي تملى عليه بكرة وعشيّا ، ودعاة الفضيلة يحاصرهم الفقر أو ينفون في غياهب السجون ، والحاكم العربي لا يملك أدنى مقدار من شرف !

يشهد الله جل جلاله في القرآن الكريم أن اليهود ملعونون وهم أشد عداوة للذين آمنوا .. قتلة الأنبياء .. لا عهود لهم .. ثم يتراكض الحكام العرب إلى الصهاينة ، ويهوون بأنوفهم إلى أقدامهم .. يأتمرون لهم .. ويعتدون بهم ؟

أهناك شهادة أعز من شهادة الله ؟

أما الرعايا فهم مشغولون فيما لا طائل من وراءه !!! همهم وهمنا طلب السلامة !

ومن رزقه الله صحة .. قضاها في القتل والحرب !

ومن رزقه الله وقتاً .. ملأ فراغ الوقت بالطعن في مقدسات الإسلام والنيل من الفلسطينيين الشرفاء !

لدي سبعة عشر احتمالاً أن هؤلاء الذين ينادون بالتطبيع قد صفعتهم الريح وهم خارجون من مجلس مقيل فانتفضت عقولهم بمثل هذه الترهات .

القضايا التي تتعلق بالمعرفة أو المراجعات في التراث .. والقضايا التي تتعلق بالمسلّمات والكليات العظمى في الشريعة .. هي على أهميتها إلا أنها تحتاج إلى استقرار ووطن حر غير محتل .. ونحن تحاصرنا أعاصير الجوع والفقر والمرض .. وتحاصرنا أعاصير الخيانة والعمالة التي مهدت للحوثي الطريق إلى عمق تعز وضواحيها وقراها .. هل بقي لنا فضل عقلٍ حتى نتفرغ للتراث ومسائله المتعددة ومسالكه المتشعبة ؟ إننا أمام صروح ثقافية كبرى يرجع عمرها لأكثر من خمسة عشر قرناً ! بحاجة إلى تأمل ودرس وتحرير محل النزاع برويّة وعزمةِ ذوي عزيمةٍ وصبر .. العجلة والأحكام السريعة هذه أعمال طيش ونزوات صبيان لا تصلح .. هي لا تصلح حتى لأن تهش ذبابة مرت سهواً بتلك الصروح !

ثم إن هناك ما يدعو إلى الريبة في مثل تلك الأطروحات ! يركزون على قضايا التراث الديني ولا يتناولون قضايا التراث البلاغي مثلاً !! رغم أن البلاغة جزء لا يتجزء من الخطاب الديني !

إن لدينا في التراث البلاغي مشاكل تسببت في طوام ثقافية لم نستطع حتى اليوم الفكاك منها ! لا زالت حياتنا الإبداعية والشعرية على نحو الخصوص قابعة تحت نظرية البلاغة الشكلية

البلاغة التي تشترط على المبدع أن ينسى ذاته وأن ينزل خطابه الإبداعي وفق مزاج الخليفة

أن يتحول المبدع إلى مهرّج يأتي السلطان بما يشجيه ويؤنسه ويطربه حتى ينال حفنة من المال يشتري بها جارية أو غلاما . أو أن يكون محلّ سخرية وضحك كما فعل الخليفة سليمان بن عبدالملك بالفرزدق ذات يوم وضحك الفرزدق مع من ضحكوا في قصة ترويها كتب الأدب من أن الخليفة سليمان بن عبدالملك أعطى سيفا للفرزدق وأمره أن يضرب عنق أحد الأسرى ، فقال : اعفني يا أمير المؤمنين . فأصرّ الخليفة ، فلما أراد الفرزدق أن يضرب عنق الأسير نبا السيف عن يده وسقط على الأرض فارتج المجلس بالضحك فقال الفرزدق :

ما يعجبُ الناس أن أضحكتُ سيّدهم

خليفةُ الله يستسقى به المطرُ

 

ياللعجب ! لقد جعلك خليفة الله مضحكة يارجل !

لقد قُدّم كثيِّر عزّة على جميل بثينة ، مع أن النقاد قد أجمعوا أن جميل أرق وأشعر ، ورغم أن كثيّر عزّة كان راوياً لأشعار جميل . ولكن لأن كثيّراً مدح الخليفة قدّمه ابن سلّام في طبقات الشعراء على جميل !

إنها إرادة السلطان !

بلاغة تقول أعظم مدارسها : معارضة السلطان حمق ! كما يقول ابن رشيق وغيره . فأصبح النفاق والتملق ملمحاً فنيا ودليل نبوغ ! .. لقد اشترت السياسة ألسن الشعراء كما اشترت أيضا ألسن البلاغيين .. وعندما أراد أبو تمام أن يخرج عن هذا النسق المظلم وأن ينتصر للحداثة حاربوه وقالوا باااطل !!!! ولا زالت إلى اليوم آثار تلك المؤسسة البلاغية التلقيدية قائمة وترى أي شكل شعري جديد باطل ! وأن الشعر على حد قول الفرزدق : ” جمل بازل عظيم فنحر فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه، وعمرو بن كلثوم سنامه، وزهير كاهله، والأعشى والنابغة فخذيه، وطرفة ولبيد كركرته، ولم يبق إلا الذراع والبطن فتوزعناهما بيننا) . ومعنى هذا أنْ ياشعراء اصمتوا فليس بالإمكان أفضل مما كان !

فضمر خيال شبابنا الشعراء والمبدعين فظنوا أن أي خروج على القديم كفر . وأن نزارا ودرويشا وغيرهم من الطلائع شياطين خرجت من الجحيم لتفسد الأذاق وتخرّب اللغة !

معاذ الله أن نقصد إلى أن ننتقص من بلاغتنا العربية وهي المنتهى في الجمال والأبهة .. معبد الذوق الخلاق .

ولكن المفاهيم والنظريات حول البلاغة والنقد والفن والغناء والشعر وغيرها من العلوم عرضة للتغيير والتحول وليست ثوابت لا يجوز الخروج عليها ، وذلك يرجع إلى السياق الثقافي والحضاري المختلف والذي تدخل عليه مفاهيم ونظريات علمية وفكرية وأدبية ونقدية جديدة .. مفاهيم هي من ذات النسق وليست أجنبية عنه فاللغة كائن حي والبلاغة ابنة عصرها . أقول هذا اختصاراً للتدليل على أن السهام الموجهة للتراث الديني مستثنية التراث البلاغي أو الفلسفي أو الفكري أمر يجعلنا نضع أمامها أكثر من علامة استفهام ؟؟؟ أهي مدفوعة إلى التراث الديني بوازع نزيه وفكر مستنير وحرص على الحقيقة كما هو شأن المصلحين والمجددين؟ أم هي سلسلة من محاولات الهدم التي تطفر بين حين لآخر ثم لا تلبث أن يطلع الصباح فتكنسها الرياح إلى منحدر سحيق ؟

طارق السكري
ماليزيا . أوسان الأدبي

 

 

 

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور فيصل علي

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × أربعة =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com