الصنمية الثقافية المعاصرة 2-3

البذور

الصنمية الثقافية المعاصرة 2-3

 عبد العزيز العسالي

في الحلقة السابقة استعرضنا بعض القيم؛ 
– انسانيا وحضاريا ورأينا كيف ترسخت بفضل قيام الرسول. ص. بوظيفته التي حددها القرآن المتمثلة في تلاوة الآيات ، والتزكية ، وتعليم الكتاب والحكمة ، وعليه فلا غرابة اذا رأينا قيم القرآن ، تتجسد في مقاصد تصرفات ص- عقديا وعمليا في واقع جيل الصحابة والتابعين كما اسلفنا في الحلقة1.

على أننا نلاحظ الحكمة في تصرفات الرسول ؛ حيث نجده ص.ركّز على البناء مكتفيا بما شرعه القرآن في نقد قيم الجاهليه..فالرسول ص. لم ينشغل بمهاجمة قيم الجاهلية الا في حدود مناسبات قليلة..!
وكأنّه ص. يحثنا على بناء القيم الايجابية فقط! وإغفال الحديث حول القيم السلبية اذ. بإغفالها سيلحقها الضمور والتلاشي، وبمهاجمتها يعني استفزازا واحياءلها سيما في مجتمع تشرب العصبية قرونا طويله!

بذور جنينيه:

الفيلسوف الهندي المسلم محمداقبال رحمه الله قال :
ان التشريعات العملية- انسانيا وحضاريا ظلت جنينيه ولم يكتب لها النمو والتكامل ؛نظرا لقِصر المدة الزمنية ايام حياة الرسول. ص. والعهد الراشدي..!
ذلك اننا لو افترضنا ان هذا التشريع الانساني الحضاري المشرق استمر 100 عام فأكثر لاشك ان التجربة ستكون ثرية وخصبة من خلال ظهور المستجدات في مجالات الحياة تربية وممارسة!

صنمية بلباس ديني:

المتغيرات السياسية – مواقف وتصرفات..
عالجت اشكالات السياق الظرفي- وبمرور الوقت تحولت تلكم المعالجات الى بذور تشريعية تؤسس لمنهج تأصيلي في مجال السنن الحاكمة للاجتماع..
مثلاً:
تنازل الحسن بن علي لمعاوية عام 40 هج.. فقدكان التنازل آنذاك له مبررراته السياقية – سيما وجرح حربي الجمل وصفين لازال حيا حاضرا في وجدان الفضاءالمجتمعي عموديا وافقيا..
فجاءالتنازل حقنا للدماء
فاتجه الخطاب الديني مشيدا بموقف الحسن..
غيرأن هذه الإشادة مثّلت بذرة تشريعية مغايرة لماكان عليه العصر النبوي والراشدي!
ولم يمر سوى عقدين من الزمن حتى تحولت شتلة صغيرة تحمل بذور الصنمية !
كيف لا..والفقه السياسي اعتبر تنازل الحسن احدى وسائل اقامة الشرعيه السياسية ؛ معللا بذلك تحقيق مصلحة حقن الدماء..
وعليه:
بما أن تنازل الخليفة الحسن منح الشرعية السياسية لمعاوية.. فإن الخليفه معاوية يحق له تعيين ولي عهد لأن العلة قائمة و هي مصلحة حقن دماء المسلمين!

إزجاءالفراغ التشريعي:

بطبيعة الحال ان تنازل الحسن لم يكن محل رضا الجميع سيما قادة جيش الحسن وغيرهم بغض النظر عن دوافع الرفض وخلفياته..! فكذلك موقف معاوية في ولاية العهد وتوريث
ولده لاقى رفضا يصف التوريث بالكسروية والهرقليه- اي انها قيم منافيه لتعاليم الاسلام..!
هنا حضر العقل الفقهي ولكن بحجة اضافية تملأ الفراغ الفكري وبتعليل فلسفي ديني تشريعي- هو حديث منسوب للنبي ص.هدفه ترجيح كفة التوريث- دينيا -من جهة واسكات المعارضين من جهة ثانية بنسبة حيث نص الحديث أن:
الأئمة من قريش!
فالحسن بن علي قرشي تنازل لقرشي..ومعاوية نقلها الى البيت القرشي!
لم يكتف فقه البلاط بما سبق وانما عززه بانه تشريع متبع مارسه الراشدون وبحضرة الصحابة.. فتم نسبة الحديث الآنف الى الصديق انه قال يوم بيعة السقيفة!!
بل..وأن الصديق عهد بالخلافه لعمر..ولا مانع ابدا طالما والحكم اصبح حقا إلهيّاً لقريش!

تبديل وتشريع:
حديث الأئمة من قريش
وتلفيق قصة عهد الصديق لعمر ، وتنازل الحسن..كان تشريعا جديدا ابتكرته الحاجة السياسية وظروفها..
ولوأن التشريع الناشئ وقف هنا..لهان الأمر..
وسيأتي يوم تعود المياه الى مجاريها..!
لكن القاصمة هي غض الطرف ازاء مقاصد القرآن ومقاصد تصرفات الرسول ص. المجسدة للسنن الحاكمة للاجتماع – دستورالمدينة نموذجا،
ومواقف الراشدين المتأسية بمقاصدالشرع!

التأصيل الأخطر:
كل التصرفات السابقة وجدت ذاتها ازاء تشريعات القرآن المجسدة بافعال الرسول الرسول ص. السنة الثابته..!
فما ذاحصل؟
برزت بوادر تأصيل على استحياء مفادها:
أن افعال الرسول ص. ليست حجة ، وانما الحجة هي اقواله..!
طيب وايش الدليل؟
الجواب:
انه ص.تزوج تسعا..وهذا فعله.. فهل نتأسّي به؟
اشهد ان هذا الاستدلال جمع بين المغالطة الفقهية والارهاب الفكري في آن..!
غير أن هذا الدفن للسنة العملية ظل داخل اروقة القصر..وإذا جاءمعترض فالجواب هو:
الائمة من قريش..!
والحسن سليل النبوة اسوة في فهم وفقه سنة جده ص.
ومصلحة حقن دماء
المسلمين مقدمة على الشورى والشرعية السياسية ، وايضا وحدة الامة بعد انقسام جهوي كوفي شامي الخ.

النتيجة الأولى:
فلا مقاصد التشريع حاضرة ولا وحدة الامة قامت وانما انقلابات وحروب شتى..!
وفوق ذلك تأصيل تشريعي يمهد لنشوء الصنمية وتحصينها ولكن بلباس ديني تشريعي محروس بنوعين من الارهاب الفكري العقدي شعاره حقن الدماء مقدم..!
و النوع الثاني من الارهاب هو سيف السياسة!

النتيجة الثانية
الاستهانة بدم المعترض:

لا نستغرب اذا وجدنا التاريخ قد سجل قولا لاحد الخلفاءمفاده:
من قال لي اتق الله ضربت عنقه!
نعم..لا غرابة.. كيف لا.. والحكم حق قريش والقيدان التشريعيان – القرآني والسنة العملية اصبحا غير ملزمين!

اذن:
الصنمية الهرقلية القيصرية حلت داخل الفكر الاسلامي باسم الاسلام!

العباسيون والصنمية:

استند الأمويون الى حديث الأئمة من قريش!
العباسيون يستندون سنة قولية تدعم حقهم في الحكم من ذلك:

1 لخلافة في ولدك ياعباس..!
2 المهدي من ولدك ياعباس!
3 النبوة في ولدك ياعباس!
4 الخلفاءمن ولدك ياعباس ويتصدرهم ثلاثة:
ابوالعباس السفاح.
ابوجعفر المنصور
الهادي بن ابي جعفر.

فأذا جاء من يقول لاصحة لهذا..
الجواب جاهز وهو:
العباسيون ورثوا الملك و النبوة بالعصبية ؛لان العباس عصبة النبي ص.
ومن لم يقتنع فالسيف جاهز!

البطنان والصنمية:
فاطمة ورثت الحكم..
وبالتالي فالحق الألهي لاولادها – البطنين!
لم يخل هذا الاستدلال من سخرية لاذعه وهي:
المرأة لاشأن لهابالملك!

الجواب :
يستند اولاد فاطمة الى ارث الملك من ابيها اولا..
والى السنة القولية التي قالها الرسول ص.يوم الغدير..!

الخلاصة:
أ/تم دفن التشريع المنزل بتشريع مبدل!
ب/ انتقل الفكر الاسلامي من الاصول الاولى المعصومة الموسسة للمعرفة..
الى منهجية تأسيس للمعرفة..انطلقت من واقع رازح تحت العصبية السياسية مدعوما بروايات مصادمة لنصوص القرآن ومقاصده..وللسنة العملية!
ج/ ازدواجية منهجيه الى حد التناقض..!
ازدواجية تقول :
السنة العمليه مفسرة للقران..وهذا الكلام سليم..فالشعائر التعبدية كلها بينتها السنة العملية بلاشك.. وعليه:
فالرفض للسنة النبوية العمليه قديؤدي الى الكفر!
بالمقابل :
نجد هذه المنهجية تقول ان السنة النبوية العملية في مجال السنن الحاكمة للاجتماع السياسي – كالشرعيه السياسية القائمه علي الشورى والدستور والبيعة والشورى التنفيذيه والقيود الوارده علي السلطة..
وحرية المعارضة – النفاق نموذجا..والمواطنه المتساوية..دستور المدينه للجميع – يهود ومشركين وأوس وخزرج ومهاجرين مختلفي الاعراق يحتضنهم دستور واحد
وإماتة العصبيه( انها منتنه)!
والنهي عن التفاخر بالاحساب والطعن في الانساب وصفهما الرسول انهما جاهلية..!
باختصار:
مايحصن المجتمع من تغول السلطات تم نسفه باسم المنهجية المؤسسة للمعرفه والتي نصت ان
( السنة العملية غير ملزمة)
بل وليست تشريع..فقط السنة القوليه هي التشريع الملزم!
ونسجت الاقوال والآراء انتصارا لهذا التفريق بين مقاصد تصرفات الرسول ص.

النتائج:
1- انقلابات قبلية في ظاهرها ولكنها في الحقيقة باطنية شيعية فارسية.. ذلك ان الاقطاعيه الفارسية اتقنت التخطيط فكان:
– الانقلاب الرسي في اليمن عام284 هج.

– البويهي الشيعي الفارسي عام334 هج.ولكن باسم الزيدية!
– العبيدية بالمغرب العربي.

– الفاطمية مصر.
– الحمدانية حلب والموصل.
القرامطة في البحرين.
وهكذا الصليحيون، الايوبيون ، المماليك ودويلات كثيره..
ومثلها في الاندلس!
العجيب الغريب ان معظم هذه الدويلات ادعت انها تنتسب الى الفاطمية والعلوية ووالخ.

2 – تشظي المجتمع الاسلامي الي فرق فكرية..ومذهبيه بل وصل التشظي في اطار الطائفة الشيعيه الى12 فرقه ومذهب وكذلك داخل الطائفه السنية..
وطائفة التصوف الفلسفي في اطار طائفة السنة..وكل يدعي انه متأسٍّ وملتزم بالكتاب والسنه!
3- الاكثر سوأ هو ان كل هذه الفرق والمذاهب والنّحل..عقائدها كلها تصب في تحصين الطغيان والفجور السياسي وتقديس الظلمه!
متلازمة
الصنمية الرسية:
وصل الرسي الى اليمن واختار صعدة مقرا لدعوته السلالية وعزف على اخطر وتر يلامس الوجدان العقدي في الوسط القبلي الذي يجهل كثيرا من امور الشريعه..ولكنه وجدان مفعم بحب النبي ص.
فاستغل الرسي ذلك الوجدان ولم يكتف..بل فتح شهية الفيد للقبائل مؤكدا انه سيغزوا بهم مركز الدولة العباسية- بغداد..!

متلازمة مذهب الرسية:
من يطالع كتاب- الاحكام للرسي يجد ان كل معتقدات الرسي السياسية وانحرافاته الفكرية والعقدية قد الصقها بالرسول ص.
حيث يضع سؤالا..ثم يقدم الجواب مصدّراً ب( قال جدي)
ودور الرسي فقط،هو اقامة شريعة آل البيت..
معلنا شروط الامامة ذات الحق الالهي انها 14 شرطا..!
لشرط الاول:
ان يكون من البطنين..!

الشرط الثاني:
ان يخرج الامام بالسيف يقتل من لم يبايعه؟؟

نص ان اقامة الحاكم يعتبر من اصول الدين!
هذا المذهب الغريب تمخض عنه متلازمة عقدية خطيرة..!
1- ادعاءالحق الالهي في الحكم.
2 -العصمة لحكام البطنين!
3 -النبوة ممتدة في البطنين!
4 – تكفير الصحابه!
5 -كفر من خالف هذا المذهب!
6 -قتل من لم يعتقدهذا الكلام!
7- قتل من لم يبايع!
باختصار
احكمك او اقتلك!
وقد استقدم جيشا من الطبريين لتخريب بيوت المخالفين ، ونهب ممتلكاتهم وحرق مزاعهم وتدمير مصادر المياه- آبار..حواجز مياه
صهاريج ، الى جانب ضرب قبيلة باخرى..!
محاربة الدويلات المجاورة له..!
سارت فروع الرسية عبر التاريخ على هذه الفوضى..! وتم نهب مدينة صنعا ءمرارا وبقية المناطق اليمنيه- كما ذكر ذلك مؤرخوا بلاط الرسيين قرابة 1100 عام.
كرست السلاله في اليمن فوضى دمويه وافساد واهلاك للحرث والنسل!
كرست عزلة المجتمع اليمني.. ولم تكتف بل كرست تمزيق النسيج المجتمعي على مستوى القبيله والعشيرة!
كرست اعرافا قبليه جائرة جدا كسبا لولاءالقبائل..ومن ذلك قتيل بني فلان يساوي عشرات من القبائل الاخرى!
كرست حرمان النسا من الميراث!
وعليه:
نجد الصنميه بانواعها قد تكرست في كل اتجاه..! والسبب يعود الى الانحراف المبكر المتمثل في الصراع على الكرسي بين ابناء العم..والذي تحول الى عقيدة راسخة مستندة الى روايات مكذوبة مصطنعه مخالفة للقران ومقاصد الشريعه ، جاعلة من الرسول. ص. انه متعصب لقبيلته التي طردته وآذته طوال ايام دعوته واقامة دولة الاسلام..! وحاشاه ص.
ضاع العرف القرآني – العدل..المساواة..
ومحاصرة الطغيان..
وظهر تشريع مستأنف يبني الصنميه ويحصن الطغيان ويكرس الطبقية والكهنوتيه.

نلتقي بعونه سبحانه مع مظاهر الصنميه المعاصرة

 

—————————-
* تذييل:
فات الكاتب في الحلقة السابقة نقطتان بارزتنا تعكسان تلاشي الصنمية افقيا على المستوى الاجتماعي.

القيمة الاولى:

القرآن حسم وبقوة قضية الصنميه القبلية والعشائرية التي الغت شخصية الفرد ليكون مع العرف الاعوج
ولاقيمة لرايه ولاولا..
فقرر القرآن( لا اكراه في الدين..)
وهدا يعني ان الانسان مكرم وله خياراته في اخطر القضايا وهي الدين فمابالك في المجالات الاخري؟

القيمة الثانية:
هذه القيمة ثمرة للقيمة الاولى:
اصبح الكثير من حملة الشريعة هم من الرقيق ومنهم:

– طاووس اليماني
– عطاءبن ابي رباح.
– نافع مولى ابن عمر.
– الحسن البصري.
– عكرمة.
– ربيعة الراي شيخ مالك.
– ابو حنيفة الفقيه العملاق ابوه كان رقيقا.

شاهد أيضاً

اليمنيون يحييون الذكرى الـ10 لثورة 11فبراير

اليمنيون يحييون الذكرى الـ10 لثورة 11فبراير    تقرير ماجد السامعي/ على الحسام   أقام مركز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 5 =