الصورة الشعرية في شواطئ الفضول
الصورة الشعرية في شواطئ الفضول

الصورة الشعرية في شواطئ الفضول 2

شاركها:

الصورة الشعرية في شواطئ الفضول 2

*طارق السكري

الصورة الشعرية في شواطئ الفضول
الصورة الشعرية في شواطئ الفضول

الاستغراق في التفكير وحالة الشرود والسرحان الذهني الذي يطلق عليه علم النفس اليوم : الانتباه الشديد هي حالة تصيب الكثير من الناس إزاء ما يلقى على عواتقهم من مشكلات . كأن تبحث عن القلم وهو في يديك ! وقد كان مما علق في ذهني من أيام المرحلة الدراسية الإعدادية أنه في بدايات النهضة الأوروبية كان أحد الفلاسفة وقد استغرق في التفكير حول مسألة ما يحاسب على كوب القهوة الذي طلبه ظناً منه أن قد شربه !

وفي الأدب نادراً ما نجد تركيزا عال تستحوذ فيه التجربة على كيان المنشئ وتملأ عليه فضاء فكره فلا تسمح قواه النفسية بمرور فكرة مكررة أو بصورة فنية مكررة .

ومما وقعت نفسي عليه من الشعر العربي أبيات قلائل لأبي نواس عرفت : بالمغتسلة كلها بمجموعها تشكل أيقونة للفتنة والجمال . تناسق معنوي بين الألفاظ . ترابط عضوي ميتن بين الأفكار . كاميرا تصويرية عالية الجودة . مزاج شعري صاف . عاطفة ملتهبة . روح عبقري . لو كان لدى الغرب مثلها لكان أبو نواس وغيره من شعرائنا العرب عرَّاب الأدب الإنجليزي .

نَضَتْ عنها القميصَ لصبِّ ماءٍ .. فورَّد وجهَها فرطُ الحياءِ

ومدَّت راحةً للماء منها .. إلى ماءٍ معدٍّ في إناءِ

وقابلت النسيمَ وقد تعرَّتْ .. بمعتدلٍ أرقَّ من الهواءِ

إلى آخر القصيدة التي قد يستغرق الوقوف عند دلالاتها وقتاً طويلاً . ولك أن تدرك بالحس والخيال وهو يفتتح أبياته بقوله عن الفتاة التي دخلت المغتسل : نضتْ . ولم يقل خلعت ملابسها ولا نزعت ولا تخلصت من ملابسها ! وكأنها كائن ضوئيّ يتناول الأشياء بالضوء لا باليد . ثم والماء من خصائصه البياض والصفاء والحياة كما قال الله تعالى : ( وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي ) يصف يدها التي امتدت إلى الماء بأنها في رونقها وبشرتها اللطيفة تشبه الماء نعومة ورقة . وتشبه الماء في بعثه الحياة فكأنها في لمستها تبعث موات القلوب.

وما إن تنزلق عنها ملابسها إلى أقدامها حتى تستقبل بقوامها النسيم . ليترك الشاعر في ذهن القارئ صورة لقوام رقراق لفتاة تتمتع بأجمل قوام في الدنيا . مثل هذا لم يرد في ديوان الشعر الإنساني أبداً على حد علمي .

شاطئ لأجل عينك

تحضرني أغنية للمغنية الكندية الشهيرة Celine Dion بعنوان : I am alive أنا على قيد الحياة . إنها على قيد الحياة لأنها أحبت . تقول :

إنك عندما تناديني

عندما أسمع أنفاسك

تصبح لدي أجنحة فأطير

أنا أشعر بذلك

أنا على قيد الحياة

when you call on me

when I hear you breathe

I get wings to fly

I feel that I am alive

 

هل يمكن للحب أن يفعل في الإنسان ما تفعله الخمرة في الرأس مثلا ؟ بمعنى هل يمكن للحب أن يكون خمراً يذهب بالعقل ، فلا يحس صاحبه ألما ولا يبالي بلومة لائم ولا بعادات ولا أي من كل ذلك ؟ هل يمكن للحب بين حبيبين أن يلغي الفوارق والأسماء والخصوصيات أن يلغي جغرافيا الجسد فيصير الحبيبان فراشة تطير أو زهرة تنام في أحضان السحاب أو يتجسد الحبيبان نغمة لا غير .

أعتقد أن أسئلة كهذه هي منتهى الغاية في السخف .

ديوان العشق على مر العصور يفيض صبابة ومرارة بعشاق أفقدهم الحب عقولهم وسلبهم لذائذ الحياة فعاشوا على هامشها رسوما لا روح فيها .

آهِ كم أسعد هذا الكائن من أناس وكم أشقى من أناس !!

نعم . إن الحب يفعل ذلك . يصبح السهر لذيذا ولطلوع القمر والنجوم معنى آخر ، والأحاسيس تتحول إلى شفاه تهذي بالقصائد والأغنيات ، إن نيرانها لا تخبو أبدا إلا عند اللقاء .

تماما كما تقول أم كلثوم في سيرة الحب : نشتكي منّه .. لكنْ بِنحِبْ .

لقد فعل الحب الإلهي بالحلّاج الأفاعيل وسيطرت فكرة التجرد لله من كل نعيم الدنيا الزائف على لبه وقلبه نجد ذلك في قوله :

ولا شربتُ زلالَ الماء من ظمأٍ .. إلا رأيتُ خيالاً منك في الكاسِ

حالة من الوجد عجيبة وبديعة !

مما جعله لا يبالي بتقطيع جسده ولا بصلبه على أيدي الجلادين ، بل كان وهو تحت السيف والنار والدماء تنهمر على جسده يردد مبتسماً : أنا الحق.

وأبو الأحرار الشهيد الزبيريّ تهيمن على كيانه وإشراقات روحه فكرة الوطن ، ولا أصدق شهادة ولا أدل على حقيقة ما تنطوي عليه القلوب من معتقدات ، وما دأب عليه المرء عمره من سلوك وعمل من ساعة الاحتضار إذ يتبين عندها من بكى ممن تباكى ، يقبض الزبيري حفنة من تراب وطنه وهو ملقى على الأرض يجود بأنفاسه:

بحثتُ عن هِبةٍ أحبوك يا وطني .. فلم أجد لك إلا قلبيَ الدَّامي

 

الفضول في أغنية لاجْل عينك يبلغ من النضج العاطفي ودقة التصوير مبلغا حد الغواية وهذه الأغنية وأغنية مكانني ظمآن وأغنية أذكرك من عيون الشعر الغنائي اليمني الخالد بلغ فيهما الفضول القمة من الجمال الأدبي والإشراق الروحي . معانيها وصورها بلغية فصيحة عميقة كثيفة الشعور رغم أنها باللهجة العامية الصافية . كأن مزاج الشاعر قد أخذ أماناً من الأكدار والأحزان فوافته الطبيعة الشعرية بما يحب ويرضى . لقد تغلغلت خمرة الشاعرية في أحشاءه وهيمنت على مداركه، حتى كأن انفصالاً وقع بين الروح والمادة ، بين الوجود الطبيعي والوجود المجازي ، بين العقل والروح ، فانتقل بحسه وخياله إلى سماء غير هذه السماء ، وتلبَّس روحاً غير هذه الروح ، فأخذ يمتح من مياه الجمال أعذبها ، ويقطف من أغصان الفن ألذها وأطيبها ؟! فجاءنا بما لا تقدر مشاعرنا على تصوره ، ولا لغتنا على رسمه وتلوينه ؟! آية من آيات الفن زينمها أيوب بصوتٍ خُلق ليدهش الحس ويخلب العقل ، وبلحنٍ يدر الدمعة من العين لا حزنا ولا فرحاً ! ولكن حنيناً لشيءٍ ما !

إلا أن أغنية مكانني ظمآن أفخم هيبة بصورها الفنية وعذابها الإنساني وغموضها المخيف .

الفضول والمدرسة الرومانسية 

ينتمي روح الفضول إلى المدرسة الرومانسية والتي من خصائصها : التوحد بالطبيعة والفزع إلى أحضانها هروبا من شقاء السياسة .

موضوع الأغنية عاطفي تبرز فيها لوعة المحب وتفانيه وانصهاره مع محبوبه في كيان واحد .

لعب الشاعر على تقنية التشخيص والتجسيم في استنطاق الجماد وإضفاء صفة إنسانية على الأحياء غير العاقلة .

 

إذا تبسَّمتُ أخفي من شجون الهوى / واسْمع دموع القلب يتناطفينْ !

لماذا يخفي شجون الهوى ؟ وما أثر ذلك عليه ؟

إنه الحب العفيف النقي المشوب بخجل وحياء وإلا فإن المتهتك لايهمه شيء في أن يصرح بما يريد دون حسيب ولا خوف من رقيب ، لكن المحب الحقيقي يخاف على سمعة محبوبه أن يكتشف أمره الناس ، فيسلقونه بألسنة حداد أشحة على الحب . ولذلك يخفي الشاعر المحب هواه لكن قلبه لا يحتمل . فهو يصور لنا القلب إنسانا له عين تتساقط منها الدموع . لكنه بهذه الصورة الفنية يخيل إلينا أن القلب قابع في الظلمات بعيد الغور إذا سقطت منه دمعة كان لها وقع كبير وصدى يعم أرجاء البدن . وما أشجى كلمة : يتناطفين ! تشعر أن بهما كمية شجن تشع منهما لا تفهم إلا بالشعور . أنا على يقين أن الكثير يتفق معي أن اللغة الفصيحة لا تستطيع أن تنقل إلينا ما نقلته هذه الكلمة العامية .

أصف وردي وأزهاري / واغطي على ناري / وهِنْ من حرَّها يحرقين

يخرج الشاعر العاشق إلى الناس صباحاً مبتسما بشوشا يتكلم في شؤون الحياة صارفا ظنون الناس عن هواه لكن سرعان ما يحترق هذا الابتسام والتصنع بالبشاشة فتبدو غلالة من الكآبة على جبين الشاعر .

واشوفْ أن ابتساماتي يجيئين من روحي / وهِن من حزنها يستحين

أي لواعج شوق هذه التي تعتلج في صدر الشاعر حتى لا تكاد تجدي معها حيلة ولا ينفع معها دواء  ! هل هذا عاشق كالبشر أم أنه مجنون ؟

إنه يشخص صورة الابتسامة على هيئة فتيات خفرات عفيفات يغمرهن الأدب والصدق والخجل . فهن يخجلن من الظهور حتى على الحزن ! يؤثرن العيش في الأعماق . هناك حيث محل العفة والتقوى .. حيث لا يعلم السر إلا الله . فالشاعر راضٍ بحزنه عزيز لا يريد شفقة من أحد . كل هذا برَّاً بمحبوبه وبرهاناً لحبه وإخلاصه لهواه .

كم ياقلوب أعطت لأشواقنا حنانها / كم ذا علينا بكين

دموعهن قد رافقين دمعنا / يجرين ولكن .. دمعنا يُعرفين

إذا بقين في العين / ضاقين بالفرقهْ / وإن سالين يتعانقين !

إن الحالة الإبداعية حين تستحوذ على الشاعر وتملأ كل تلك الفراغات والمسافات الفكرية والروحية في نفسه، فلا تترك له فرجة لغير التجربة التي يمر بها ، يكون النص الشعري عندها مائزاً ومتجاوزا يصعب أن نستغني فيه عن حرف أو حركة فضلا عن كلمة أو قافية . هذا المعمار الشعري أبلغ أثرا في نفس المتلقي يقربه من روح النص ويكسبه صداقة حميمة مع الشاعر وينمي ذائقته ووجدانه ويساعده على نقل التجربة . وهذه الصورة تذكرنا بصورة سمعية أخرى ولكنها للسياب من قصيدة إلى جميلة بو حيرد:

( أطرافك الدامية

يقطرن في قلبي ويبكين فيه ) .

لكنها لدى الفضول أسرع حركة وتأثيرا في الشعور وإشباعا للفكرة . فبينما الدموع ترتسم على الوجه يسيلان ويعتنقان إذا بنا نسمع وقع قطراتها في القلب ! أشرك بذلك حاسة السمع والبصر إنه وهج الشعري نابع من صميم الفن والطهر .

 استطاع الفضول بهذه القصيدة أن يجعل كل عنصر من عناصر الصورة الفنية حمولاً وواسطة لفكرته التي يهيم بها خياله ووجدانه . لاشك أن هناك إتقانا في رسم هذه الصورة الشعرية اللافتة : إذا بقين في العين / ضاقين بالفرقهْ / وإن سالين يتعانقين !

حتى ليخيل إلينا أننا ننظر إلى لوحة لطفل باك تنحدر الدموع من عينيه وتلتقي أسفل ذقنه فتشتبك وتعتنق . لكن الصورة على افتننانها وسحرها إلا أن الفضول يحمِّلها رسالةً أضافية أخرى ! فهو هنا يُحمِّل صورة الدموع المتعانقة معنى لا يخفى على متأمل ألا وهي الرغبة باللقاء وإطفاء حرقة الأشواق بالعناق . كأنه يقول : أيتها الحبيبة كفانا غيابا وانقطاعاً .

إن استخدام الأفعال المضارع في الصورة (يحرقين . يستحين . يتخاوصين . يرجفين . يتناطفين) على امتداد جغرافيا القصيدة أعطت زخما شعوريا وحالة من الديمومة والحيوية تكسر الرتابة وتضع القارئ في قلب الحدث وتظل الصورة حية متحركة تنبض بلا توقف ما استمر نبض الموسيقى والحياة . وهذا هو سرّ استمرار الدفق الشعوري ساريا كتيار كهربائي في شرايين الصورة الشعرية على طول القصيدة بموضوعية الفكرة وسائر عناصرها من خيال وعاطفة وخواطر .

وهكذا ظل الفضول يسترسل في وصف مشاعره ويمتح من قاموس ( التوحد العاطفي ) أملاً بتجديد اللقاء في نسق بديع .

خلاصة 

إنَّ تسليط الضوء على تجربة شاعر ٍمَّا يُعدُّ من الأهمية بمكان.إذ تسهم دراسة التجربة الشعرية في رصف طريق الإبداع للناشئ وشادي الأدب وللصانع نفسه ، كما تساعد في تنشيط الحياة الأدبية في المجتمعات ،كما أنها تعدُّ بمثابة الحافز المعنوي للشاعر ولمجتمع المبدعين من حوله ، وحثه من ثم وحثهم على المزيد من النشاط الخلاق، يتجلى ذلك في الكشف عن أبعاد موهبته وأدواته الفنية والوقوف به على مواطن القوة والضعف وإطلاعه على المستجدات في الحقل النقدي ، والإفادة منها فلا يظل منغلقاً على نفسه بعيداً عن التحولات والمتغيرات في عالم الشعر ، ليستكمل مسيرته نحو الكمال .

وهذا ما درج عليه هذا الاستعراض من صفحات الأدب الغنائي . شواطئ الصورة لدى الفضول نموذجاً.

*باحث في مجال الصورة الشعرية 

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور مصطفى الصبري

الدكتوراة في الإعلام للباحث مصطفى عبدالرحيم الصبري من جامعة AMU في الهند

الدكتوراة في الإعلام للباحث مصطفى عبدالرحيم الصبري من جامعة AMU في الهند

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × خمسة =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com