توفيق الحميدي
توفيق الحميدي

 الطبقة السياسية وغياب فكرة الدولة

شاركها:

 

 الطبقة السياسية وغياب فكرة الدولة

 

توفيق الحميدي

 

منذ نشوء الدولة اليمنية بعد نهاية عصري الإمامة والاحتلال لم يكن هناك تفريق بين مفهومي الحكومة، والدولة، لا من الناحية القانونية ولا من الناحية السياسية، ولم تكن الدولة اليمنية للأسف سوى مفهوماً ضبابياً، غير واضح من الناحية السياسية والدستورية، وشكلت في المخيل الاجتماعي نوع من الفيد المادي يفوز به الأقوى، ” ومن تزوج أمنا كان عمنا “، حيث لا آليات سياسية واضحة للتداول السلمي للسلطة، ولا قواعد دستورية واضحة، وقد عبر الرئيس الغشمي بذلك عندما سألوه كيف وصلت إلى الحكم؟ فكان رده ” بصلاة الفجر ودعاء الوالدين“.

 

بينما كان على صالح يري أن الدولة مجرد تفاصيل تابعة لإرادته الشخصية، وقد عبر عن ذلك في أحد لقاءاته ” أنا القانون ” هذا المفهوم المعوج لمفهوم الدولة لدى الطبقة الحاكمة أضعف من قدسية الدولة في نظر المواطن، وحتى لدي الطبقة السياسية نفسها.

 

كما أن مفهوم  العمل السياسي  لدى الدولة  اليمنية كما تراه الطبقة السياسية – ربما باستثناء فترة الحمدي والتي رغم ثرائها لم تتحول إلى قواعد دستورية، ربما لأسباب متعلقة بالفترة الزمنية التي قضاها- بأنه خدمة لدى الحاكم، والوظيفة العليا منحة منه، فيتحول الوزير أو النائب إلى مجرد خادم مطيع ينفذ رغبات وأوامر الرئيس الذي عينة وتفضل بترشيحه، فلم ينشأ الولاء الوطني للدولة، بل للحاكم الذي ولاه. وما صور الفساد التي نشأت في اليمن إلا تحت مقولة “كل وأكل” هكذا هي الوظيفة الحكومية عبارة عن مصدر للفيد والغنيمة، وهذه الطبقة السياسية مستعدة أن تدور في فلك أي شخص يمنحها فضل في إدارة الشأن العام، سواء كان حاكم محلي أو نظام خارجي، مادام هو صاحب الفضل والمن، وهي هذه الطبقة السياسية التي تمارس اليوم الخيانة بحق الوطن لصاحب الفضل والمنه في طهران أو الرياض وأبو ظبي.

 

فكرة الدستور وبناء توازن  بين الحقوق والواجبات، تحت إشراف الرقابة التنفيذية والبرلمانية والقضائية، لم تكن فكرة مكتملة، فالبرلمان لم يكن سلطة مستقلة، قادرة على رسم السياسات العامة، والقيام بدور الرقابة الفاعلة، في النهاية أعضائه هم ممثلين لصاحب الفضل في اختيارهم مرشحين لهذا المنصب، فهو من دعمهم وساهم في انتزاع الكرسي لهم، فدور المجلس لدى الحاكم مظهر من مظاهر الديمقراطية يقدمها للخارج،  وذراع من أذرع الهيمنة والسيطرة في الداخل، كان للمجلس دور في سن التشريعات العامة والرقابة الشكلية، لكن يتوقف دوره تماماً في القضايا المفصلية المتعلقة بالدستور والقواعد الناظمة للدولة، فهذه من اختصاص الحاكم المالك الأوحد للسلطة.  

 

عندما نشأت الأحزاب لم يكن في فكرها أن تصل إلى الحكم، كان كل طموحها المشاركة في البرلمان والحصول على حقيبة وزارية يمن بها الحاكم، وهذا الرجاء السياسي كان على حساب الموقف الذي  يجب أن تقوم به المعارضة كجزء من دورها الوظيفي، في الرقابة على الحاكم، وتعزيز مفهوم  الدولة، وكسر احتكار السلطة، لم تخلق المعارضة اليمنية قيادات سياسية، تمتلك طموح سياسي، وديناميكية في النقاش، بل اتباع يتباهون بالقرب من رئيس الحزب ومعرفته، كما يتباهى المسؤولين لدى الحاكم، تحولت مقرات الأحزاب إلى  غزر لتعاطي القات -القات السياسي- غرف مكتظة بالأتباع السامعين الطائعين، فالقيادات السياسية للمعارضة هي نتاج مناخ مسموم وخريجي مدرسة يهيمن عليها الحاكم الذي فرض أساليبه وطرقة في الفوضى السياسة على الأحزاب.  ولذا استمر الحاكم في السلطة كل هذه المدة33 سنة، وهي فترة شكلت نوع من الأمان للمعارضة وللجوار على حد سواء. فالمعارضة للأسف لم تر في الدولة تلك الروح التي يرتبط بها الماضي الحاضر والمستقبل، أو قل نبي الأرض الذي لا استقرار ولا تنمية بدونه، رأتها ورقة من أوراق المكايدة والمساومة، وهذا انعكس في قصور مفهوم الدولة لدي الجميع في مؤتمر الحوار.

 

شكلت ثورة فبراير صدمة سياسية ونفسية للطبقة السياسية اليمنية برمتها، وأعادت خلط الأوراق، حيث لأول مرة يفتح نقاش جاد حول  مفهوم الدولة ومستقبلها، حاولت هذه الطبقة بشقيها السياسي والعسكري أن تلحق بالثورة، لكنها عجزت تماماً، حيث المفاهيم العميقة للثورة، وحفرياتها في جدار المقدس السياسي لم تستوعبه  هذه الطبقة، وهذا العجز نتاج غياب هذه المفاهيم الحديثة للدولة في القاموس  السياسي لهذه الطبقة، فحولت الصراع على الدولة إلى صراع شخصي، جلب أسوأ  جماعة مسلحة من كهوفها، للانتقام  من الآخر، فتحولت الدولة من العم القديم الجديد بنظر المجتمع، وتحولت الطبقة التي كانت ترقص في صنعاء إلى راقصة في الرياض أبوظبي  وغيرها من المدن والعواصم .

 سبع سنوات من الحرب لم تكن الدولة أحد مقدساتها، حيث توزعت كغنيمة لمن يمتلك القوة، لقد مُنح صاحب المال والقوة الخارجية الحق- بنظر هذه الطبقة السياسية- في السيطرة على الأرض والحق في قصف الجيش اليمني بالطائرات، منح كل ذلك مادام هو صاحب المال والقوة، أي الراعي للنعمة والوظيفة كما كان الحاكم السابق، فهم لا يفرقون كما قلنا بين حاكم يمني محلي و حاكم أجنبي مادام يمنحهم المال فيمنحونه  الطاعة وحق السلطة وأصبحوا هم قوته على الأرض .

 

اقرأ للكاتب أيضاً

اليمن حزبنا

طريق الخلاص اليمني

مجلس القصر الملكي لحكم اليمن

شاركها:

شاهد أيضاً

توفيق الحميدي

اليمن حزبنا

 اليمن حزبنا   توفيق الحميدي   ما معنى اليمن حزبنا الكبير؟ انطلقت بالأمس حملة الكترونية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com