الطير إلى الله بأجنحة الشوق طيافة في كتاب ” فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء” للشيخ محمد الغزالي. قراءة / مجيب الحميدي

شاركها:

الطير إلى الله بأجنحة الشوق طيافة في كتاب ” فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء” للشيخ محمد الغزالي.
قراءة / مجيب الحميدي
” كنت بقلبي مع موسى في مدين، وهو يحس لذع الوحشة والحاجة ويقول: “رب إني لما أنزلت إلي من خيرفقير”. وكنت مع عيسى وهو يواجه مساءلة دقيقة ويدفع عن نفسه دعوى الألوهية: “ماقلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد”. وكنت مع إبراهيم وهو بوادي مكة المجدب يسلم ابنه للقدر المرهوب، ويسأل الله الأنيس لأهله: “ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون”. غير أني انبهرت وتاهت مني نفسي وأنا بين يدي النبي الخاتم محمد بن عبد الله وهو يدعو ويدعو. لقد شعرت بأني أمام فن في الدعا ء ذاهب في الطول والعرض لم يؤثر مثله عن المصطفين الأخيار على امتداد الأدهار”.
بهذه الكلمات المشتعلة يفتتح الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كتابه الموسوم ب” فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء” ويؤكد الغزالي أنه ليس في مقام مفاضلة بين أحد من النبيين ، ولكنه في سياق تسجيل حقيقة علمية رأى إثباتها في صفحات قلائل.
ويصف الغزالي حالته الشعورية وهو يتتبع معالم فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء فيقول:”عندما يذكر محمد ربه راغبا أو راهبا يشتد النبض في الكلمات المنسابة، وتحتد العاطفة في المشاعر الحارة فلا يملك قارئ أو سامع إلا أن يخشع ويستكين لله رب العالمين. ويؤكد الغزالي أن العالم من أزله إلى أبده لا يعر ف إنسانا استغرق في التأمل العالي ومشى على الأرض وقلبه في السماء كما يعرف في سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. إنه خير من حقق في نفسه وفي الذين حوله حياة الإنسان الكامل: الإنسان الرباني المستخلف في ملكوت الله، لينقل إليه أطرافا من حقيقة هذه الخلافة الكبيرة.

قوة العاطفة ودفق المناجاة
يدعونا الغزالي في أحد فصول كتابه إلى تأمل قوة العاطفة ودفقها في هذه المناجاة الحارة: روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر صلاته: `اللهم ربنا ورب كل شيء`. `أنا شهيد أنك الرب وحدك. لا شريك لك `. `اللهم ربنا ورب كل شيء ،أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك `. ` اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلها أخوة`اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصا لك وأهلي، في كل ساعة من الدنيا والآخرة` .
يا ذا الجلال والإكرام،اسمع واستجب . الله الأكبر الأكبر ،نور السموات والأرض”
الله الأكبر الأكبر،حسبي الله ونعم الوكيل `. `الله الأكبر الأكبر`. ويشير الغزالي إلى عجز ألفاظ اللغة عن ملاحقة هذا الجيشان المنساب في كل دعوة تجعل الرسول المنيب المتعبد يلجأ إلى التكرار في العبارة الواحدة لينفس عما استكن في صدره من روعة ومحبة وإجلال. إنه في ظاهره ترداد للفظ واحد، وهو في باطنه تعبير عن معان متجددة من الولاء والهيام .
ويستوقفنا في هذا الدعاء أن تتوسط شهادة النبي لشخصه بالرسالة،بين توحيد الله، والإقرار بأن العباد كلهم أخوة. يتساءل الغزالي:ما معنى أن يقول محمدٌ لربه: أشهد أن محمدا عبد ك ورسولك، ويؤكد أن ذلك ضرب من الإصرار على تحمل الأمانة وإبلاغ الرسالة للناس كافة مهما كذبو ا بها، وتنكروا لصاحبها

الحياة لله
ويخلص الغزالي إلى أن الغنى بالله لا تدنيه مشاعر الرغبة والرهبة ، والقوي بالله لا تقلقه أعداد القلة والكثرة، والمراقب لله تستوي عنده الخلوة والجلوة ، وطالب الآخرة لا تستخفه مآرب الحياة الدنيا. وقد كان محمد عليه الصلاة والسلام عامر القلب بربه، عميق الحس بعظمته، وكان ذلك أساس علاقته بالعباد ورب العباد. واسمع إليه في هذا الدعاء الجامع :”اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك علي الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب. وأسألك القصد في الفقر والغنى. وأسألك نعيما لا ينفد،وأسألك قرة عين لا تنقطع. وأسألك الرضا بعد القضاء. وأسألك برد العيش بعد الموت. وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة”
في هذه المناجاة يلفت الغزالي أنظارنا إلى تجليات الإلوهية الكاملة والعبودية الكاملة. فبين يدي بديع السموات والأرض يجثو عابد ملهم ويهمس في ركوعه وسجوده بكلمات تصور ما ينبغي أن ينطق به كل فم تحية لذي الأسماء الحسنى!
ويؤكد الغزالي أن المسلم الأول وهذا ترتيب محمد بين النبيين والصديقين والشهداء والصالحين له فن في الذكر والشكر والإنابة والدعا ء لم يحفظ مثله لبشر وقد خصص الغزال هذا الكتاب لتدويين بعض هذه الآثار الجليلة.
ويقول الغزالي أنه بحث في كتب مقدسة لأديان أخرى، فوجدها كلها دون ما حوى القرآ ن الكريم من إعظام لله، وتفصيل لأمجاده ومحامده ؛ لقد ذكر القرآن أسماء الله الحسنى مئات المرات في تضاعيف قصصه وتشريعه ووصفه لمشاهد الكون،ومشاهد البعث، ورفض أ ن يكون الثناء على الله نظريا لا يتحرك به فؤاد ولا يرقى به سلوك، ثم ترجم النبي العابد محمد عليه الصلاة والسلام هذا المنهج في نواحي حياته كلها فصار إنسانا ربانيا ترنو بصيرته إلى الله ويباشر كل شيء في الدنيا باسمه، كأنه منه على مرأى ومسمع.

الطير إلى الله بأجنحة الشوق
والعبودية الكاملة إنما يحظى بها من أشرق يقينه وطار إلى ربه بجناح من الشوق والحب. وفي طباع الناس حب لأنفسهم ربما سيطر على مسالكهم كلها، وهؤلاء محجوبون عن الله أبدا كما يؤكد الغزالي وليس يرقى إلى درجة العبودية إلا امرؤ أحب الله وأحب فيه واكترث بشؤون غيره وهش لمصالح الخلق وضاق بآلامهم.

ذكر متواصل
ويرسم لنا الغزالي صورة يوم واحد من حياة نبي الإسلام. لقد صحا من نومه قبل الفجر بيقين، وظلمة الليل لا تزال مخيمة على كل شيء إنه يتحرك مع طلائع الصبح المقبل قائلا : `الحمد لله الذي رد إلي روحي، وعافاني في جسدي،وأذن لي بذكره `. انظر كيف يستقبل الحياة بترحاب وتفاؤل: `الحمد لله الذي رد إلي روحي`. إن العمر الذي ملكناه نعمة نحمد الله عليها، وينبغي أن نحسن استغلالها. إن الحياة فرصة النجاح لمن أراد النجاح ، ولذلك امتن الله بالشروق والغروب على عباده: “ا لله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون”. وعظمة الحياة في العافية. ما أجمل أن يكون المرء سليم البدن تنهض أجهزته وعضلاته بوظائفها كلها دون إعياء أو ملال. إن المسلم عندئذ ينطلق في كل أفق ليؤدي واجباته باقتدار ورغبة. وذلك سر حمد الله على العافية المتاحة.

المحجبون بالغفلة
إن الناس يعيشون داخل كهف معتم من همومهم الحقيقية أوالمتخيلة.وإنه لمحزن أن عقولا ذكية لا ترى أبعد من جدران هذا الكهف وأن قلوبا فياضة بالأسى لا تحس إلا ظلمته وضيقه. إن الرسول العارف بربه يستنكر هذا الانقطاع المخزي فيقول: `ما من صباح يصبح العباد إلا مناد ينادي: سبحان الملك القدوس وفي رواية إلا صرخ صارخ: أيها الخلائق سبحوا الملك القدوس. يقول الغزالي :” أكاد أقول: إن فؤاد محمد وحده وهو الذي أصاخ إلى صو ت الصارخ المهيب بالبشر أن يمزقوا حجب الغفلة وأن يتوبوا إلى الملك القدوس. وافتنانه صلى الله عليه وسلم في التذكير هو أثر استغراقه في الذكر ورؤيته لذي الجلال.

علاج القلوب المعتلة
ومع أن جمهورالفقهاء لا يلزم الأمة بترديد الأذكار والأدعية التي نقلها الغزالي في هذا الكتاب ويرون إن ترديدها مستحب وحسب ولكن الغزالي يرى أن طول التأمل في هذه الأذكار والضراعات لا بد منه حين يعتل القلب وتضعف بالله علاقته فإن أثرها قوي في تعريف المرء بربه وتبصيره بمعاني الأسماء الحسنى. إن الإيمان الغامض قليل الجدوى والإيمان الفاتر أعجز أن يهيمن على السلوك أو يكبح الهوى. ويرى الغزالي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتلو ا في الإيمان مكان القمة ولم يغيروا التاريخ الإنساني ويقيموا حكما مكان حكم، وأخلاقا مكان أخلاق، إلا لقربهم من حياة الرسول، واقتباسهم من سناه، وسريان الإخلاص من قلبه إلى قلوبهم، وحب الله من فؤاده إلى أفئدتهم. هذه طباع الناس ربما هاج أشواقهم الهامدة شوق حار،على ما قيل:
وذو الشوق القديم وإن تسلى
مشوق حين يلقى العاشقينا
وير ى الغزالي أن الاستماع إلى النبي وهو يدعو، واستبطان عواطفه وهو يناجي يشعل البصائر المنطفئة، ويدفعها دفعا إلى الإقبال على الله.

مجالس النبوة
قد يحتاج المرء إلى العزلة كي يحتفظ بقلبه مشرقا وفكره ثاقبا وعلما ءالنفس يقولون: إن مستوى التفكير العالي يهبط عندما يخالط الإنسان الجموع. يرى الغزالي أن هذا صحيح بالنسبة إلى عظماء البشر العاديين، أما رسل الله فإنهم يرتفعون بالجماهير، ولا تهبط بهم الجماهير. وقد كان من الأصحاب من يشكو أن يقظته العقلية في مجلس الرسول تخبو عندما يعود إلى بيته. لقد كان محمد عليه الصلاة والسلام لفرط شهوده وقوة علاقته بربه يحول الأرض سماء والبشر ملائكة فأصحابه من حوله يذكرون الله ويوفرونه ويتواصون بعبادته وأداء حقوقه. وكان رسول الله يمقت مجالس الغافلين ويشمئز من كل تجمع خلا من ذكر الله وفي ذلك يقول: `ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا
قاموا عن مثل جيفة حمار. وكان لهم حسرة`. إن المجالس التي ينسى فيها الله وتنفض عن لغط طويل حول مطالب العيش وشهوات الخلق هي مجالس نتنة وماذا فيها يستحق الخلود ما يستحق الخلود إلا ما اتصل بالباقي تبارك اسمه. وإذا ضم الناس مجلس يخلط بين الدنيا والآخرة فينبغي أن يستبقى خيره في مجلس و يستبعد شره بهذا الاستغفار. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك “.

الدعاء وهموم الناس
يقول الغزالي إن محمداً ليس كاهنا يقول للمذنبين: تعالوا إلي معترفين أغفر لكم تعالوا إلي مثقلين مرهقين أخفف عنكم وارحكم.. كلا إنه يقول: ادعوا الله معي ادعوا الله لأنفسكم أنا وأنتم ومن في السموات أصفار إن لم يشأ هو أن يجعلنا شيئا. إنه يجير ولا يجار عليه، ويحكم لا معقب لحكمه “وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير وهو عندما يجأر بأسماء الله الحسنى يعلم الألوف المؤلفة أن هذا هو الطريق فاسلكوه، هذا هو الأمل فانشدوه “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون”
فإذا عظم الخطب اشتد إلى الله فزعه ، وطالت ضراعته . فعن ثوبان أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا راعه شيء قال: `هو الله، الله ربي لا شريك له `. وكان يعلم أصحابه عند الفزع هذه الكلمات “أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين ، وأن يحضرون .
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: شكوت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أرقا أصابني فقال: `قل: اللهم غارت النجوم ، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة و لا نوم. يا حى يا قيوم أهدى ليلي وأنم عيني `. فقلتها،فأذهب الله عز وجل عني ما كنت أجد.
وويبدو أن المعاناة التي ظهرت في حياة النبي الخاتم جعلته دقيق الإحسا س بآلام الناس، فهو يحزن لها، ويسارع إلى تجفيفها، أو تخفيفها،
وراء ذلك التقي النقي تقف جماهير هائلة من القانتين، وقلب كل منهم يؤمن على دعائه وهو يهتف بربه “اللهم اجعلني لك ذكارا لك شكارا ….

شاركها:

شاهد أيضاً

مارب.. تعويذة اليمنيون الأبدية

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم   نجيب جعفر    من العجب أن اليمنيين تتفجر فيهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − 9 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com