المشروع الإسلامي والمشروع العلماني.. جدلية الخلاف الفكري في اليمن

المشروع الإسلامي والمشروع العلماني.. جدلية الخلاف الفكري في اليمن
*صدام عبيد
كوالالمبور 2018
منذ نشأة الفلسفة العلمانية وتطورها عن طريق الفلاسفة اليونانيين إلا أنها لم تكن أبدا مثار جدل آيدولوجي إلا في نهاية القرن التاسع عشر عندما حاول بعض المفكرين الأحرار في بريطانيا التميز عن الإلحاد مثل جورج هيلوك وغيره. انطلق هيلوك من فكرة أن هناك دين واحد مشترك لكل البشر والذي تشترك فيه القيم الإنسانية الجامعة ويرتكز في داخله وجوهره وحدانية الإله والذي يمثله وحدة العقل البشري .
إن لفظ (علمانية) والذي هوأساساً ترجمة للكلمة الإنجليزية (Secularism) كان مثار جدل كبير بين علماء الدين والسياسة على مدار السنوات السابقة، فمنهم من اعتبرها تعبيرا جديدا للإلحاد، ومنهم من اتجه إلى ربطها بكلمة العلم خصوصا العلمانيين العرب لإظهار مدى ثقافتهم ومواكبتهم للتحديث، لكن الترجمة الصحيحة لهذه الكلمة التي اعتمدها جمال الدين الأفغاني (بالرغم من اعتباره للعلمانية وجه آخر للإلحاد) في كتابه الرد على الدهريين وبعض علماء العلاقات الدولية المعاصرين أمثال عزمي بشارة وكذلك دائرة المعارف البريطانية تعزو اشتقاق الكلمة إلى كلمة عالَم (بفتح اللام) أي من عالم كبير أي الدهر الدنيوي الحالي حتى مجيء اليوم الآخر. وقد نصت عليها دائرة المعارف البريطانية على أنها (حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها) وبمعنى آخر أن من يحكم الدولة هو العقل وحده وليست العقائد الدينية. وكإثبات على صحة هذا القول استشهد كثير من العلماء على أن هذا اللفظ لم يستخدم في حقبة التنوير الأوروربي والتي تشمل الثورة العلمية وغيرها حتى يقال أنها رديفة للعلم والتحديث في القرن السابع عشر.
لا يمكننا أن نتعامل مع الفكرة العلمانية كوحدة واحدة فيتم قبولها بمجملها أو رفضها بمجملها أيضا، حيث مرت العلمانية بمراحل تطوير وتحديث مختلفة أنتجت ثلاث أنواع رئيسية من العلمانية. فوفقا لعزمي بشارة انقسمت العلمانية إلى العلمانية الصلبة والتي تحولت فعليا من إبعاد الحياة السياسية عن التعاليم الدينية إلى تقنين الدكتاتورية السياسية ضد الدين بل وتبنت العنصرية التي يمكن تسميتها باللا إنسانية ضد الشريحة المتدينة في المجتمع. أي إخضاع الدين للدولة الوطنية الأمر الذي قد ينتج إلى حروب طائفية داخلية. أما النوع الثاني من العلمانية فتسمى بالعلمانية المحايدة وهي تجنب الصراع مع الدين في المجال العام كونه ظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة فردية مع تحييد الدولة في الشئون الدينية مثل النموذج البريطاني. النوع الثالث العلمانية المحايدة (النموذج الأمريكي) هذا النوع تجنب الصراع مع الدين في المجال العام بل ومؤخرا سمح ترامب بمشاركة رجال الدين في الحياة السياسية وتتميز هذه النوعية بأن معظم معتنقيها مؤمنون بوجود الإله وكثير منهم منتظمون في كنائس الأمر الذي يؤثر في علاقة العلمانية بالدين.
*هل العلمانية سببا وحيدا لتقدم الدول؟*
إن شريحة كبيرة من المجتمع اليمني خصوصا الشريحة غير النخبوية اليمنية بدأت تقتنع بفكرة تحويل النظام اليمني إلى نظام علماني صرف، وهذه القناعة أتت بعد انتشار كثير من المهاجرين والنازحين اليمنيين في كثير من الدول التي تتبنى جزء من العلمانية كنظام لحكمها مثل ماليزيا أو تتبنى النهج العلماني كنظام أساسي للدولة مثل كوريا الجنوبية وتركيا وغيرها. غير أن هذه المطالبات المجردة ووجود هذه النماذج تضع سؤال كبير هل العلمانية أساسا سببا لتقدم الدول كما يروج له حالياً، وفي المقابل هل النظام الإسلامي (المجرد) أيضا هو الأساس الوحيد لتقدم الدولة؟
لا يمكن القول بأن العلمانية (بمطلق اللفظ) هي أساس تقدم الدول وتطورها مطلقاً وهذا له شواهد تاريخية كثيرة جداً، ففي الوقت الذي كانت فيه تركيا تتخبط في سياستها الداخلية والخارجية وتكاثر الديون على عاتقها وانخفاض الدخل القومي لأفرادها وتدهور عملتها في فترة العلمانية الصلبة منذ أتاتورك وحتى فترة حكم العدالة والتنمية، تطورت تركيا تطورا كبيرا في ظل الحكم العلماني في فترة تركيا أردوغان واستلامه لمقاليد الحكم فيها، ولذلك لا يمكن القول بأنه بسبب علمانية تركيا تقدمت تقدماً كبيراً كما لا يمكن القول أن بسبب علمانية تركيا تخبطت الدولة في سياساتها السابقة وضعف اقتصادها.
الدولة الإسلامية أيضا لا يمكن إطلاق اللفظ بأن المشروع الإسلامي هو الحل الوحيد لتطور الدول ففي تبني النظام الإسلامي في دول كثير مثل السعودية وغيرها لم يوجد تطور كبير في هذه الدول، فالنظام الإسلامي (بعموم اللفظ وغياب الإجراءات الصحيحة لتحقيق التنمية) لم يحقق تنمية فيها رغم وجود النفظ المحرك الرئيسي للإقتصاد السعودي ولا يمكن القول أن النظام الإسلامي وحده هو السبب الرئيس لقوة الدولة الإسلامية في العصور الراشدة وغيرها. فيمكن القول أنها هناك عدة اسباب إذا وجدت حققت التقدم والتطور. كما أن الدين الإسلامي لم يعارض ولن يعارض هذا التقدم الدنيوي مادام هذا التحديث لم يمس دائرة القيم الإنسانية والأخلاق العامة.
*استخدام الدين لتحقيق الأغراض السياسية*
إن من القضايا المثيرة للتساؤل هو ارتفاع مقولة استغلال الدين لدى القوى الإسلامية لتحقيق الأغراض السياسية. هذه المقولة تجعلنا نتسائل هل أيضا العلمانية استخدمت الدين لأغراض سياسية أم أنها حيدته فقط؟
في واقع الأمر يوجد الكثير من الأحداث استخدمت فيها العلمانية الدين لتحقيق أغراض سياسية بحته. ففي عهد ايزنهاور الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة تم تغيير العبارة الشهيرة خلف الدولار من عبارة “من الكثرة ينتج الواحد” في إشارة إلى وحدة الوطن ينتج التعددية إلى عبارة (In God We Trust) “في الإله نحن نثق” كإحدى مظاهر الحرب بين الشيوعية التي ترفض الدين مطلقا وبين العلمانية الأمريكية التي تستخدم حتى الدين ضد خصومها. لذلك لا يمكن إلقاء اللوم فقط على القوى الإسلامية لاستخدام الدين (إن صح ذلك) وإنما أيضا حتى على القوى العلمانية لنفس السبب.
*لماذا ظهرت هذه المطالبات الآن؟*
تفاجئ كثير من المتابعين لأحداث اليمن الحالية عن ارتفاع المطالبات بتطبيق النظام العلماني (بدون تفصيل) وظهور النقاشات الحادة مابين رافض ومطالب بتطبيقها دون توفير مبررات أو حتى أدلة مقنعة من الطرفين، وقد يكون لارتفاع هذه المطالبات بسبب تحول مسار الحرب في اليمن من مسار سياسي إلى طائفي مما ولد نوع من عدم الثقة وخلق فجوة كبيرة مابين النخبة الدينية وبقية المكونات الثقافية للشعب، ومن لديه قليل تقدير للطبقة الدينية طالب بإبعاد رجال الدين (لا الدين) عن الدولة وهذا أيضا يجعل الدولة تنحو منحى الإستضعاف والعنصرية الإثنية والدينية لطبقة كبيرة جدا في المجتمع والتي جعلت كثير من علماء ودعاة الطبقة الدينية تؤيد بقوة أحداث 2011م انطلاقا من مبدأ أخف الضررين أو مقولة (نظام ديموقراطي مدني عادل خير من نظام دكتاتوري). كما قد يفسر ارتفاع هذه المطالبات أيضا بقرب وجود حل للأزمة اليمنية عن طريق تبني النظام العلماني في اليمن وإبعاد القوى الإسلامية منه، ووفقا لذلك سيكون من الذكاء إنقسام الأحزاب الدينية وخروج نخب منها لتكوين أحزاب وقوى جديدة تدعي العلمانية وتدين بالولاء لهذه القوى الإسلامية على غرار ما حدث في تركيا أردوغان.
*ثمّ ماذا بعد؟*
وفقا لما سبق فإن المطالبة بتطبيق العلمانية كنظام حكم في اليمن يعتبر مفهوم فضفاض وواسع جداً، ففي غياب الوعي الكافي لدى بعض النخبة العربية قد يجعل من العلمانية غطاء لعودة الحكم الديكتاتوري في كثير من الدول، فتركيا العلمانية في عهد أتاتورك غير تركيا العلمانية في عهد أردوغان، وأمريكا العلمانية في عهد أوباما تختلفت كثيرا عن أمريكا العلمانية في ظل ظاهرة ترامب السياسية. فأي نوع من العلمانية مطلوب لتطبيقه كنظام حكم؟!
أما المشروع الإسلامي (بمطلق هذا اللفظ) أيضا يعتبر من المطالبات الفضفاضة جداً خصوصا في ظل وجود جماعات إسلامية مختلفة وكلها تتبنى مشروعات (قد تكون توصيفا فقط) وتنسبها إلى المشروع الإسلامي ابتداء من تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية وانتهاء بظاهرة القاعدة.
اليمن والتي صرح دستورها السابق بأن الشريعة الإسلامية مصدر كل التشريعات لم تشفع لها هذه المادة فتجاذبتها القوى الإسلامية مثل القاعدة والحوثيين والإخوان والسلفيين والصوفية وغيرهم، وكل القوى تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية كنظام حكم في اليمن وهذا يطرح سؤال واضح لجميع هذه الفرق (وفقا لأي من هذه المشاريع والآراء الفقهية يجب اعتمادها كنظام حكم إسلامي؟).
وعليه وفي تقديري الشخصي أننا سنظل في هذه المعجنة الكبيرة مابين دعاة العلمانية مع جهلهم الشديد بتفاصيلها وأنواعها والمشاريع الإسلامية التي تفتقد الإجراءات الصحيحة لتحقيق النهضة والتنمية الشاملة مع كثرة أنواعها وقوة أتباعها مالم يتم الاتفاق بين جميع الفرق في إيجاد صيغة واضحة لطريقة الحكم في اليمن ويحترم من قبل الجميع.

شاهد أيضاً

بلال الصعفاني

استغلال عقلية المجتمع اليمني (خداع الجماهير) – قراءة سوسيولوجية.

– بلال الصعفاني    “من الأسهل خداع الناس بدلا من إقناعهم بأنهم خُدعوا.” – مارك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 2 =