الدراما اليمنية وتكريس الصورة النمطية السيئة 

بريد العيد

شاركها:

بريد العيد

علي الويناني

كان العيد يمر علينا ونحن في اشد السعادة وقمة الصبر لانتظاره. لا زلت اتذكر ان عندما كنت صغيرا كيف كانت استعدادتنا للعيد تبدا من قبله ب ٦ الى سبعة ايام.

عندما كان ابي العزيز ياخذنا لشراء الملابس للعيد. كانت تلك الايام تختلف عن ايامنا هذه فحينها كنا نملك بدلة واحدة للسنة كامل وكنا فقط نملك عدد من الاثواب التى نغيرها مع نفس الكوت والعسيب ( الجنبية ) والشال او الغتره. كنا فقط نشتري الملابس في الاعياد كنت انا واحد من سته ابناء ذكور لم يكون لدينا اخت في البيت. كان نصيب كلا منا بدلة رسمية كاملة ( بنطلون وكوت وشميز وكرفتة وجزمة ) وايضا يتم تفصيل ثوب لكل واحد منا. وتنتهي بهذا مراسيم شراء ملابس العيد التى كنا نقوم بتجريب البدلات بشكل يومي لنتأكد انه لم يتغير مقاسها. كان الاجمل من ذلك هي القناعة وهي ان نقوم بلبس البدلة ليوم عيد الفطر ونعيدها الى والدتي لتخبئتها لعيد الاضحى. لم نكن نحضى بما يحضى به الاطفال في هذا الزمن كون دولايب ملابسهم تكتض بالملابس واكاد اجزم ان معظم هذه الملابس لم تلتبس الا مرة واحدة فقط والاباء هذه الايام يستطيعون نفي هذا الشيء او اثباته

لنعود الى حديثنا عن استعدادتنا للعيد وندخل في التفاصيل اكثر. انتهينا من مرحلة الملابس التى تكون عادة مرهقة كون الاب هو من يتكفل بها فأمهاتنا لم يكن يحضرن معنا هذه المراسيم الجميلة والممتعة . كنا من العلائات التى تنقلت بين المحافظات بسبب تغير وظيفة الاب من محافظة الى اخرى. فوالدي الذي كان يعمل مع شركة يدكو للادوية قد انتقل لمحافظة المحويت لكي يكون مدير فرع هناك. قبل ان يستقل عن الشركة ويأسس عمله الخاص. نحن عائلة ذمارية من حمير انس. كنا نزور قريتنا ثلاث مرات في السنة مرة في عيد الاضحى ومرة عيد الفطر ومرة في الاجازة الصيفية وكانت الاجازة الصيفية هي اطول زياراتنا حيث كنا نقضي ما يقارب الشهرين في قريتنا وينان التي وصفها احد اساتذتي في ماليزيا انها عبارة عن قرص في ظهر التنور. مصطلح يمني اعتقد ان الكثير يستطيع ان يفسره وهي كناية عن ان قريتنا التى كانت تسمى سابقا الهجرة مغروسة في منتصف الجبل والطريق اليها صعبة.

لذلك نقرر في كل عيد ان نذهب لقضاء العيد في قريتنا . يبدا استعدادنا لهذه الرحلة الطويلة والمرهقة قبل العيد بثلاثة ايام كون ابي لايستطيع ان يترك عمله باكرا. وتقوم امي بتحهيز ملابسنا للسفر ونستعد ونبدا في عملية بحث عن شخص لكي يهتم ببيتنا في اثناء غيابنا في القرية.
كانت رحلتنا تتم على مرحلتين المرحلة الاولى هي الى صنعاء ونقضي فيها ليلة في بيت عمي محمد الاخ الاصغر والوحيد للوالدي حفظه الله. وفي نفس اليوم الذي نقضيه في صنعاء يذهب ابي بنا الى سوق الملح ليشتري مستلزمات العيد من الزبيب واللوز وحب العزيز والحلاوى . وايضا لشراء بعض النواقص من باب اليمن للاستعاد لرحلة الغد الى القرية. ننهى ليلتنا نتسامر ونضحك والبيت ملى بنا وابناء عمي ولفيف من ابناء الحى.
يأتي الصباح لليوم الموعود كنا نسافر معا نحن وعمى واولاد عمي وزوجتة وايضا بعض من اولاد عماتي وكلنا في سيارة واحدة وكانت هذه السيارة تستطيع ان تحملنا جميعا ما يقارب ١٥ شخص مع ملابسنا ومستلزمات العيد والكثير من الاشياء. تبدا الرحلة الثانية على مرحلتين المرحلة الاولى الى ضوران من صنعاء والرحلة الثانية هي الارهق في سفرنا وهي من ضوران الى قرية وينان. عندما كنا نصل الى ضوران كنا نزور عائلة عاش ابي عندهم فترة في شبابه عائلة محمد رصاصة في مدينة ضوران . فعندما يصل يذهب ابي الى سوق المدينة ليشتري بعض الاشياء ايضا كالخضار والفواكة والقمح والسكر وغيرها من الاحتياجات بكميات كبيرة حتي ناخذها معنا الى قريتنا. نتناول غدائنا في بيت اصدقاء والدي ونبدا السفر الى القرية

ما زالت قريتنا تعيش العصور الوسطى لا كهرباء ولا ماء ولا مدارس ولا مستوصفات ولا حتي شبكة خط الهاتف النقال. حياة صعبة ما زال يعيشها الناس هناك حتي يومنا هذا بالرغم اني لم ازرها الا مره واحدة منذ عشر سنوات بسبب تواجدي في ماليزيا كل هذه الفترة ولكني لا اعتقد ان شيء تغير خلال هذه الفترة. الطريق ليس معبدا بعد ولا كل السيارات تستطيع الوصول الى قريتنا فقط سيارات الدفع الرباعي الشاص والصوالين والسيارات الكبيرة والمرتفعة. الخطوط حتي ليست صالحة للسير عليها وخطيرة ومع هذا ليس امامنا طريق غيرها للوصول الى قريتنا في عزلة انس.

عند وصولنا نسلم على عائلتنا جدتي رحمة الله عليها وعماتي واخوالي وكل اصدقائنا وننتظر الاعلان للعيد لكي نبدا بالاحتفال من ليلة العيد. مراسم العيد في القرية تختلف كثيرا عما يحدث في المدن . ففي ليلة العيد تشعل النار في كل سطوح المنازل مستخدمين الرماد مخلوط بالقاز ونبدا باشعال الالعاب النارية والقريح المختلفة واطلاق الرصاص في الجوء احتفالا بالعيد واعلانه وكنا اغلب الاحيان نستعجل بالليل قبل اعلان العيد ونقوم بهذه المراسيم ونكتشف ان رمضان مازال هناك يوم مكمل له. وهنا كانت تدخل قوة جدتي لفرض احتفال اخر كون ابي يصر على عدم الاحتفال لاننا لم ننتظر الاعلان واستعجلنا ولكن كنا نتودد لجدتي رحمها الله وهي تاخذ حقنا

في يوم العيد نصحى باكرا لاستحمام ولبس ملابس العيد والافطار والانطلاق الى مسجد القرية لصلاة العيد. نصلي العيد والكل سعيد بملابسهم النظيفة والجديدة والاطفال خارج المسجد يشعلون الالعاب النارية وعند انتهاء الصلاة نتبادل السلام والتهنئات برحابة. لم يكن هناك واتس او فيس بوك او احد هذه البرامج التى جعلتنا نرسل تهاني باردة بعيدا عن الشعور بقيمتها وحرارتها واصبح العيد العيد عبارة عن تهنئة ترسل بالفيس او احد الوسائل المتاحة. بعدها ننطلق الى زيارة عماتنا للمعاودة. تعودنا عندما يزور الاخ اخته ان يعاودها بفلوس معينه كثقافة وصلة رحم استمرت معنا منذ القدم. ولكن لا يعطون الاطفال فلوس فقط ما كنا نحصل عليه هو مكسرات العيد تضع في جيب الكوت الذى تلبسه ومن بيت الى اخر وهكذا.

كان من نصيبي انا الابن الاكبر ان ازور عماتي في القرى المجاورة فاعود الى البيت لاحمل هدايا العواده وانطلق بعد الصلاة حتي اعود باكرا قبل صلاة الظهر لانه لابد ان اتغداء في البيت لانه يوم عيد. ابي يعود الى البيت ويشرف على ذبح ذبيحة العيد . كنا نجتمع كل عائلتنا في بيت جدي الكبير ونحن نعتبر ضيوف واصحاب بيت في نفس الوقت فيأتي الجميع لزيارتنا وايضا لمشاركتنا فرحتنا. كان العيد له طعم اخر ويستمر الاحتفال هكذا حتي اليوم الخامس الذي نقرر فيه ان نعود الى المحويت لمتابعة دراستنا وعمل والدي وتعود الحياة مجددا كما كانت

هكذا كان يمر العيد معي . بالنسبة لك هل تتذكر كيف كان يمر العيد معك ؟

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة عشر − 12 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com