بيت خالتي

بيت خالتي.. عن قصة عاشق غير الكل

شاركها:

قراءة في رواية بيت خالتي لأحمد خيري العمري

بيت خالتي.. عن قصة عاشق غير الكل

 

عاهد الزبادي

 

بيت خالتي

نزار قباني وأصالة نصري، فرويد وكونان، هتلر والأسد، هولوكست وقيصر، أوشفيتز وبيت الخالة، أم زكي وسطيف، وطن وغربة، برلين ودمشق، حُب وحرب، شك وإيمان، سياسية وعلم نفس…
ماالذي يبوح به العُمَري في هذه الرواية؟ أو بالأحرى، ماالذي لم يبح به؟!

الرواية لاتنتمي إلى أدب السجون لكنك ستشهد تفاصيل مرعبة في بعض معتقلات النظام..
الرواية ليست عاطفية أو رومانسية لكنك ستشهد إحدى أجمل وأنبل قصص الحب..
الرواية لا تمت للروايات النفسية بصلة لكنك ستجد فيها وجبة دسمة في الطب النفسي..
الرواية ليست تاريخية ولا سياسية لكنك ستجد معلومات قيمة في التاريخ والسياسة..
الرواية لوحة فنية مُزجَت فيها الوان كثيرة جدًا، الأمر الذي يجعلك تستغرب هذا المزيج بادئ الأمر، لكن سرعان ما تتكشف أمامك لوحة فنية ساحرة كلما تقدمت بالقراءة.

هذه الرواية صعبة التصنيف لكنها من الروايات التي أصنفها على أنها من نوع “اتحداك تتركني”، فعلى الرغم من بشاعة ماقد يمر بك من مشاهد التعذيب الجسدي والنفسي مرورًا بحفلات الإغتصاب الجماعي وطرق التعذيب الممنهجة، وعلى الرغم من قدرة العمري الكبيرة في تصوير تلك المشاهد بأسلوب يجعلك تراها أمامك كأنها فلم سينمائي، إلا أنك لن تتمكن من التوقف عن القراءة.. ستبكي كثيرا..ستنهج..ستشعر بألم يعتصر قلبك، ستحاول أن تداري الدمع، لكن لا يمكنك التوقف عن القراءة.
أعتقد أن آخر كتاب جعلني أشعر بغصة حين قرأته كان كتاب “العبرات” للمنفلوطي، لكن بعد قراءتي ل”بيت خالتي” وجدت أن “العبرات” نكات طريفة تُلقى في لمَّات الاصدقاء، وقصص لطيفة تُحكى في ليالي السمر!!

البديع في “بيت خالتي” أنّها ليست روايةً فحسب؛ بل هي أيضًا وثيقةٌ تاريخيّةٌ بالغة الأهميّة توثّقُ بشهادات حقيقية أحداث من أقسى ما يمكن أن تعرفه البشريّة بشاعةً ودمويّة، ومن خلالها ستتعرف على امتداد الحبل السُّرِّيّ بين النّازيّة ونظام الأسد وبين “أوشفيتز” و”بيت خالتي” التي هي خالة السوريّين جميعًا وبيتها بيت كلّ السوريين.

إن ما يشدُّكَ لإكمال الرواية هو أنك لن تظل طوال وقت قرائتك في حزن وحسرة؛ ففي كل مرة تجد نفسك غارقًا في دموعك، تجد يد العمري تأتي لتنقذك بأسلوب ذكي جدًا مخففًا عنك هول ماشاهدت عن طريق علاقة “يزن” الطريفة بأمه التي ستجعلك تبتسم دون شعور منك، كذلك توازي أحداث الرواية مع قصة حب جميلة ونببلة للغاية..حب…؟
…هل هناك حب في مثل هكذا ظروف؟ من المحتمل أن يثور هذا السؤال في رأسك وأنت تقرأ، لكن الرواية ستقدم لك ماهو أعمق، إذ أنها ستثير تساؤلات حول الحب، ماهو؟ ولِمَ يحدث… وكيف؟ وماالتفسير العلمي له؟ وماسبب حدوث حب من أول نظرة؟
كل هذه التساؤلات سيجيب عنها “يزن” مستنداً على تخصصه الجامعي كطبيب نفسي، لكنه هذه المرة الطبيب والمصاب في آن واحد!

ستتحدث لك الرواية عن عادات وتقاليد السوريين، بشكل مفصل، ستجد العمري يصف لك سوريا ومدنها وحارتها وقراها ولهجتها وأكلاتها ومساجدها وعائلاتها بشكل يثير الدهشة كون ذلك صادرًا من قبل كاتب عراقي، لكن يبدو أن ثقافة العمري في هذا الشأن كانت واسعة، ولا شك في أن إقامته في سوريا في فترة من الفترات كان لها فضل كبير في دقة ذلك الوصف أيضًا.

كل هذه الاشياء ستخفف من فضاعة مشاهد التعذيب إضافة لشيء آخر مهم جداً وهو: صوت أصالة نصري…
بشكل عام فإن علاقة الرواية العربية بالموسيقى نادرة جداً فلا تكاد تجد أي إشارة للموسيقى في الروايات، اللهم الا من اشارات عابرة أحيانا لأغاني “أم كلثوم” أو “فيروز” وبشكل سطحي للغاية، لكن أن تكون الموسيقى هي محور الرواية التي تدور حوله وبشكل متناسق فهذا شيء رهيب حقا..
أصالة لا تحضر بشخصها هنا، لكنك ستجدها في كل ركن من أركان الرواية: دخولها إلى الرواية يكون من خلال “أنس”-إحدى الشخصيات- الذي يكون مهووسا بأغانيها . وُجِد “أنس” مشنوقا في شقته ببرلين وصوت أصالة يصدح بجواره بأغنية من كلمات نزار قباني:
“أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي ..
لسال منه عناقيد وتفاحُ
ولو فتحتم شراييني بمديتكم..
سمعتم في دمي اصوات من راحوا”

يبحث رجال الشرطة عما اذا كان أنس قد كتب رسالة قبل انتحاره ، لتكمل أصالة :
“وكيف نكتب والأقفال في فمنا…
وكل ثانية يأتيك سفاحُ”

ومن هنا تدخل اصالة وصوتها للرواية، ومن ابتداء هذه الحادثة تبدأ الأحداث..
وهناك على مقربة من أنس المُعلق في سَقفِ الغرفة، تقف “نور”: تلك الفتاة البسيطة في مظهرها، القوية في ظاهرها، المعبأة همّا وألمًا على وطنها!!
انتحر أنس قبل أن يخرج فلمه الوثائقي عن المعتقلين للنور لتكمله بعده نور التي كانت نورًا على نور، شعلة متقدة، فتاة تحمل جبل قاسيون في روحها حباً وكرهاً في آن واحد.
ومن السؤال البديهي الذي سيخطر في بالك” لماذا انتحر أنس؟!”، سيظهر دور “كونان” في الرواية، لتبدأ جولة من التحريات والتخمينات والتوقعات وبحبكة غاية في الروعة..
ومن التساؤلات التي ستثور في خلد البعض، لماذا ينتحر من يشاهد المآسي بينما يتمسك بالحياة من يعيشها؟ لِمَ هذه المآسي تحدث أصلاً؟ لِمَ خُلِقَ الشر في الكون؟ لِمَ لا يتدخل الله ليوقفها؟ هل الله موجود اصلاً؟ هل تخلى عنَّا؟، وفي خضم هذه الموجة من التساؤلات سيقدم لك العمري جرعة إيمانية بطريقة عقلانية وبإسلوب يشبه أسلوبه في كتاب”ليطمئن عقلي” ، إضافة إلى ذلك، فسوف تمر بتدبر شيق لبعض آيات القرآن بطريقة مغايرة عن المعتاد وبأسلوب يشبه أسلوب العمري في كتابه “القرآن نسخة شخصية” حيث أنه دائماً ماينظر للأشياء من زاوية أخرى مختلفة عما اعتدنا عليه.

كل ذلك يحدث في تناسق وانسجام تام وبالتوازي مع أحداث قصة أصدقاء، مثلهم مثل أي اصدقاء في العالم، لكن رواية القدر كانت قد رتبت لهم نهاية لم تجعل منهم مثل أي أصدقاء ..يزن ..أنس..نور… ..معاذ..كنان..إيهاب، جميعهم قد اصيبوا بعدوى الثورة باستثناء يزن الذي كان “رمادي” أو محايد…
“انتهى الأمر بهذه الرفقة نهاية سيئة. أُعتقل كنان بعد تخرجه بأشهر، وكان قد تزوج قبل شهر فقط من اعتقاله، ثم حُكم عليه بالسجن المؤبد، وعثر على معاذ مقتولا في السنة نفسها، ثم ها هو أنس ينتحر في برلين… تباً للثورة، هل كان الأمر يستحق كل هذا؟…. لا أعرف إن كانوا قد غُرر بهم أم خُدعوا أم كانوا على حق، لكنهم كانوا أول من دفع الثمن باهضًا. وجعلونا جميعا ندفع أيضا!!”
رحل كل اؤلئك الرفاق، ولم يتبق منهم سوى يزن “الرمادي” ونور “الثورية” “

من إيجابيات هذه الرواية أنها ستنقلك مع “يزن” من المنطقة الرمادية الى منطقة مساندة الثورة، إذ أنك ستجد نفسك مع يزن تنتقلان من جماعة “كنا عايشين…والله يطفيها بنورة” ومن أصحاب “النظام سيحرق البلد..ومن تزوح أمنا هو عمنا” إلى خانة “الله..سوريا..حرية وبس” لأنك ،وبشكل تدريجي، ستبدأ بالشعور بالنقص في انسانيتك إن بقيت على حياديتك…
ستنتقل مع يزن من مربع “نفسي نفسي” إلى مربع نفسي مع الانسان حيثما وُجِد…يزن الذي كان”رمادي” سيكتب بحث عن وسائل التعذيب في معتقلات النظام وآثارها النفسية على الضحايا وسيساهم في إيصال قضية وظلم شعبه للعالم…نور ستكمل مابدأ به أنس وتخرج الفلم الوثائقي للعالم..أصاله ستكون معهم أيضاً من خلال صوتها في الفلم بعدة أغاني…

أنس خزنجي، يزن الغانم، نور نجار، كنان، إيهاب، معاذ… أسماء ستنتهي حكايتها بمجرد أن تنهي الرواية، لكنها ستظل محفورة في ذاكرتك، كذلك صوت أصالة الذي ستسمعه بطريقة مختلفة بعد اليوم..

المشهد الختامي من الفلم:
صوت أصالة يهمس:
“صندوق صغير بردان…مخبى بدروة صُوّان
وفي ورقة غفيت بين الفِل…مقدَّر إلها النسيان
مكتوب فيها أيام…واخبار من الأحلام
عن قصة عاشق غير الكِل…نطقت هي الكلام”

…ثم تظهر عبارة أخيرة:
هذا الفلم مُهدى ( إلى الذين لانعرف أسماءهم)

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − 11 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com