الدكتور فيصل علي
يمنيون، الثورة اليمنية، مركز يمنيون، اليمنيون

بين التاريخ والأدب الروائي

شاركها:

بين التاريخ والأدب الروائي

 

فيصل علي

 

(قبل البدء أحلم بيمن للجميع ينتمي فيه الكل لليمن، لا الزيدية ولا للشافعية، ولا للسنة، ولا للشيعة، فلا انتماء أهم وأعظم عندي من هذا الانتماء).

 

دراسات ومقالات كثيرة تناولت العلاقة بين التاريخ والأدب الروائي، وميزت كل منهما عن الأخر،  لسنا بصدد مراجعتها، ما يهمنا هو الجدل الدائر في اليمن اليوم الذي فتح الشهية للجميع لمثل هذا النقاش، لقد فرضت الهاشمية السياسية نظرتها الطائفية وذهب البعض خلفها متوشحاً التاريخ تارة وتارة الدين ومروياته، بمعنى أن الحوثي نجح في جرنا لمعركته بعيداً عن واقعنا، هناك من يرى أنه من الضروري المواجهة بالمثل، ونرى أن اسقاط الحوثي لا يتطلب فقط العودة للتاريخ الماضي بل لقردعي حر، ولشوكاني فقيه، ولهمداني مؤرخ، ولنشوان أديب أريب ومجادل ويسقط الحجة بالحجة، بحاجة إلى أساليب المظفر الرسولي في تحويل الولاية إلى هلام متلاشي أمام استعماله العصى والجزرة، نحن بحاجة إلى حماية ودعم واسناد مقاومتنا الباسلة، ودعم جيشنا الوطني الموحد وعدم الزج بهما في المهاترات السياسية الفاشلة.

 

فيما يتعلق بموضوعنا عن التاريخ والرواية التاريخية نجد أنه عندما يتم تناول التاريخ من قبل ذوي الاتجاهات الأدبية أنهم يقدمون التاريخ بطريقة أقرب للوجدان، سواءً كانوا مع حدث ما أو ضده، فلديهم من القدرة ما يجعلهم يحولون التاريخ إلى مادة لها نكهة ومذاق مختلف، يستطيعون تحريك جمود الأحداث، وتقديمها بشكل فنتازي خيالي ملهم، فالعاطفة غالبة لديهم مجتمعين، وهم أبعد عن الموضوعية والتجرد والمنهجية، لأنهم ببساطة قرروا مسبقاً أنهم مع أو ضد، وهذا من حقهم بالتأكيد، وصنعتهم هذه أقرب للمدح والهجاء، فهم يعبرون عن موقف ما، ولا يستغني أي مجتمع عن نخبته الأدبية التي تتناغم مع شعوره وعاطفته وتمنحه الراحة التي يريد.

 

نجد مثلاً أن من تناولوا أحداث الفتنة في القرن الأول الهجري بأسلوب أدبي، قد غلبت عليهم العاطفة، وبالعودة إلى نصوصهم سنجد الكثير من أساليب التفضيل والمدح لمن حالفه الحظ وناله من حبهم جانب، أما من طاح حظه ووقع بأيديهم فإنهم يقربون الصراط والنار، ويقلبونه في جهنم ويشفون غليل الجماهير الغاضبة منه؛ طه حسين، وسيد قطب، والبردوني، وجبران والعقاد وصولاً إلى كاتبنا الرائع مروان الغفوري كلهم من أهل الصنعة الأدبية وليسوا مؤرخين، لكنهم تناولوا التاريخ الداخلي للأحداث كما يقول الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش، والذي خلص فيما يتعلق بهذا الأمر إلى وجود نوعين من التاريخ؛ داخلي وخارجي “براني وجواني” وهو يؤكد أن المؤرخين أخذوا بالتاريخ الخارجي للأحداث، والأدباء منحونا رؤية التفاصيل الداخلية للأحداث، ومع ذلك خلص إلى نتيجة مهمة وهي ترك التأريخ لحقبة ما ومجتمع ما للمؤرخين،  وترك الحياة بتفاصيلها لتلك الحقبة والمجتمع لأهل الصنعة الأدبية.

 

وفي الجانب الأخر  نجد أن المفكر والمؤرخ هشام جعيط في جدلية الإسلام والسياسة قام بإعادة قراءة الأحداث بغرض فهم جذور الجدل والسجال الذي لا يزال قائماً حتى اللحظة، لقد قام بهز المسلمات التي تشير إلى قدسية تلك المرحلة، والتي قادت إلى تنميط مرحلة الخلافة وكأنها جزء من الدين نفسه، فصل كمؤرخ ومفكر بين الدين وتاريخ الدين، وميز بين عالمين؛ العالم الديني، وعالم الصراع السياسي، حتى وصل إلى التفريق بين الإسلام في المخيال الجماعي للمسلمين والذي يرسم صورة مثالية لواقع المجتمع الإسلامي في حقبة الخلافة، وبين “إسلام الأصول” الذي سيحكم مستقبل المجتمعات المسلمة. قدم جعيط مقاربة تنسجم مع واقع وسياق تلك الحقبة الزمنية، ومع كيف نقرأ تلك الأحداث في واقعنا المعاصر، بأسلوب فريد من نوعه متجاوزاً المؤرخين والأدباء في تناولاتهم لنفس الحقبة. وبكل صراحة من لا يستطيع الإضافة على ما قدمه هشام جعيط فلا يحرج تاريخه ولا يتعبنا معه.

وخلاصة الحديث هنا لكلٍ مجاله، وتخصصه، وهناك متسع لقراءة الجميع، مع الأخذ بالاعتبار عما قيل من قبل أهل الاختصاص  في أن التاريخ يقوم بتحليل وفهم الأحداث التاريخية، وفقاً لمنهجية علمية، ليصل إلى حقائق ومقاربات تفيد في فهم الأحداث والوقائع في الأزمنة المختلفة، فيما الرواية تاريخ منتقى ومستنبط ومتخيل من داخل الأحداث التاريخية، وهي غير معنية بالوصول إلى الحقائق العلمية.

 

 

لقد تابعت ما كتبه العزيز الغفوري وما قال أنه ينوي تحويله إلى كتاب، فتمنيت أن يحوله إلى رواية تاريخية -على غرار الحرب والسلم لتولستوي- تبدأ من القرن الأول الهجري وصولاً إلى واقعنا اليوم، وأنا على ثقة بأنه بمشرطه وأسلوبه الأدبي سيقيم ألف خليفة، وسيسقط ألف خليفة، ويستمتع القارئ بالتأكيد، ويتخلص صاحبنا من ثقل المرويات الدينية التي أوردها في مدونته، فلربما يحيلها إلى شخوص روائية لديها القدرة على الترجيح والجرح والتعديل، بدل من أن يحملها بشخصه، وهو من خارج الصنعة الحديثية، والفنتازيا التي أورد بعضاً منها في السياق ستكبر بالرواية، وربما تتحول إلى عمل درامي أو سينمائي فائق، وسيخرج من العمل التاريخي الجاف و المضني.

 

علينا أن نتذكر جميعاً أننا نرغب في إسقاط الهاشمية السياسية لا في إسقاط بني هاشم، في إسقاط كهنوت السلالة لا في إسقاط الخليفة علي وأولاده، لا نريد تقديم خدمات مجانية للمشروع الإيراني  في المنطقة، وفي اليمن بالتحديد، وبالنهاية هذا تاريخنا العربي بحلوه ومره، وقريش كلها عربية ويمنية حتى لو تعلقت بجينات ربيعة ومضر وكنانة، وخرافة العرب المستعربة لا مفر لها ولكل العرب من اليمن فهي أصلهم وتاريخهم  وإن طاروا في الفضاء، فبحسب تاريخ الدولة في الجزيرة العربية كل جنوب الجزيرة العربية يمن، رغماً عن بريطانيا وتوزيعها الكعكة على العيل والقبل والمشيخ، ورغماً عن إيران الصفوية، والتي تحلم بعودة فارس للواجهة، ومن المهم في هذا السياق عدم إعطاء متشيعة إيران في اليمن وامتدادها الإثني منزلة فوق منزلتهم، وليتشيعوا لنا للعرب فحسين عربي وعلي عربي، وكتب الله أجرهم ما سمعوا وأطاعوا وتركوا  الانتساب للحصول على ميزة التفضيل، وهي ميزة ساقطة قديماً وحديثاً، وسنسقطها حتماً ونجرم الهاشمية السياسية والعنصريات الملتحقة بها، ولا سبيل في اليمن لغير المواطنة المتساوية، وليعتقد كل بما شاء، بعيداً عن أحلام الوصول إلى السلطة عن طريق الجينات والنسب.

اقرأ للكاتب أيضاً 

اليمن بين الإسلام والسلالة

في بداية عام هجري جديد.. الدعوة إلى هجر الهاشمية السياسية

شاركها:

شاهد أيضاً

اليمن: أراضي الشعـوب لا تـؤجر ولا تباع

قراءة في الوضع اليمني الراهن قبل فوات الأوان

قراءة في الوضع اليمني الراهن قبل فوات الأوان   السفير عبد السلام قاسم العواضي   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com