جودت سعيد
جودت سعيد

جودت سعيد يعتذر عن جائزة السلم الإماراتية

شاركها:

 جودت سعيد يعتذر عن جائزة “السلم” الإماراتية 2015

جودت سعيد
جودت سعيد

عام ٢٠١٥ أرادت دولة الإمارات تكريم جودت سعيد من خلال جائزة الحسن بن علي للسلم فاعتذر عن قبول الجائزة في رسالة علنية وجهها الى الشيخ عبدالله بن بيه، أحد المشرفين على الجائزة : 

 

 نص الرسالة 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الأخ الكريم الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه، حفظه الله،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

{الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى والآمرين بالقسط من الناس}.

لما التقيت أول مرة بالأخ وحيد الدين خان، قبل أكثر من 20 سنة، سمعت منه كلاماً لم أسمعه من غيره، قال وحسب ما أذكر: إن مسؤولية ما يعيشه الشباب المسلم من أزمات تقع على عاتق المثقفين والعلماء، وقد شكرته على رؤيته الثاقبة تلك شكراً جزيلاً. وكنت قبل نحو 7 سنوات قدمت مشاركة في مؤتمر ببلجيكا عن دور علماء الدين في بناء السلم والديمقراطية، وذكرت آنذاك، أن الأزمة تنشأ في الفكر قبل أن تنشأ في الواقع، الأزمة تنشأ عند المفكر قبل أن تتجلى عند السياسي، العالم في أزمة لأن العلماء في أزمة، وهذا يشمل كل أزمات العالم: المناخ، الغذاء، الاقتصاد، النزاعات والحروب، كل هذه الأزمات لها منشأ واحد هو أزمة الأفكار، وفي الإنجيل يقول المسيح “إذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون”.

إن المفكرين والعلماء هم منشأ الأزمة، سواء فيما كتبوه من كتب وخطبوه من خطب ونشروه من أفكار أو فيما سكتوا عنه، ولذلك أعتذر إذ أقول وبصراحة قد تكون غير لائقة، بأنه احتيال وتزوير كبير أن يجتمع العلماء المسلمون في مثل الأزمات الراهنة ويحسبوا أنفسهم منقذين. إن من الأجدر بالعلماء أن يحضروا كمتهمين، أن يحضروا للتوبة وللمراجعة الجذرية ونقد الذات وإعادة النظر. 

ذكر هربرت جورج ويلز أن تاريخ البشرية لم يكن سوى كتب داخل صناديق مقفلة بالنسبة للشخصيات التي التقت لتأسيس عصبة الأمم المتحدة قبل نحو 100 عام، لم يكونوا على علم بتاريخ الإنسان، ولم يكن ممكناً أن يأتوا بمؤسسة تستطيع أن تخدم الإنسانية وتعالج مشاكل البشرية، لأن من يجهل التاريخ لا يستفيد من عقله. إن نظرة على الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي كفيلة بأن تكشف حقيقتنا نحن أيضاً وبأننا غائبون عن العالم، ولم نتعلم بعد أبجدية المعرفة الإنسانية. إنني أعترف بالذنب وبالتقصير وبالمسؤولية، وكثيراً ما كررت أنني معلم فاشل، وأقول بأننا إن أردنا بأن يخرج شيء نافع من أي لقاء للعلماء، فعلينا أولاً أن نعترف بمسؤوليتنا، وتقصيرنا، وبأننا نكاد نكون عقبة على طريق الحل، إذ من النادر أن نسمع جملة تدعو للإعجاب من أي من فقهاء أيامنا، وهم لا يستطيعون أن يؤثروا على تلاميذهم إيجابياً ناهيك عن أن يؤثروا في الحكومات.

لطالما حرّم العلماء والفقهاء أشياء مثل ركوب السيارة للذهاب إلى الحج، أو استخدام الهاتف، ولا يزال بعضهم يحرمون على المرأة قيادة السيارة، أو ينكرون بدهيات العلم الحديث، بما يكشف غياباً عن الواقع، وأحياناً يكشف عن حالة من التواطؤ التي تدفع كثيراً من العلماء والفقهاء للصمت عن الفساد والظلم، والرضى بالامتيازات التي تقدم لهم، وعندما يستشيرهم الساسة فإنهم يقدمون لهم ما يريدون سماعه لا ما ينبغي عليهم فعله. الفقهاء يشرعون للانقلاب على الديمقراطية وعلى الشرعية وعلى رأي جمهور الناس في مكان، فيما يزعمون دعم الشرعية في بلد آخر!! إن هذا التواطؤ بحسب المفكر الفرنسي بيير بورديو هو العامل الأساس فيما نحن فيه من أوضاع.

نحن اليوم ننهل من نفس مصادر المعرفة. كل الفقه الإسلامي كُتب بعد أن فقد المسلمون الرشد وتأقلموا مع حكم الغي والطاغوت وإلى يومنا هذا، ولا فرق في ذلك بين سنة وشيعة وخوارج، أنا أزعم أن الذين يدرسون الشريعة والعلوم الشرعية ويقتصرون على ما كتب من فقه، لا يمكن أن يخرجوا من الظلام ولا أن يُخرجوا الآخرين منه، إن هذه المصادر هي من أسباب ما نحن فيه ولا يمكنها أن تنقذنا.

وها نحن العرب اليوم، وأمام أعيننا الأوربيون يتحدون، ويلغون حكم الإعدام، وهم 28 دولة و24 لغة وقوميات كثيرة، فيما البلاد العربية الذين يتكلمون لغة واحدة وكتابهم القرآن، لا يحق لأحد ان يتحدث عن الوحدة، وكل من تحدث بذلك يصير وكأنه خائن أو مجنون، لأن كل زعيم يجب أن يكون زعيم العرب، ولا يجوز أن يكون له شريك. إن السلم واللاعنف هو أعظم الجهاد، إنه ليس طريق الجبناء نحو الخنوع والسكوت والرضوخ للطاغوت، بل طريق الشهادة بالحق وعدم الطاعة في المعصية، ((كلا لا تطعه واسجد واقترب)) إنه طريق صنع الديمقراطية التي هي الرشد والشورى التي ضيعناها في وقت مبكر، إنه سبيل الأنبياء الذين قالوا ((ولنصبرن على ما آذيتمونا)) حتى يقنعوا الناس بشريعة العدل والإحسان.

إنني ورغم سروري بلفتتكم الكريمة، إلا أن الواقع يؤكد أيضاً بأنني لا أستحقها، ولا أستطيع أن أتسلمها، ولذلك فإنني اعتذر عن تسلم الجائزة، وعن عدم حضوري، وأشكركم على ثقتكم، وأتمنى أن يخرج الله من أصلابنا من يخدمون هذا الدين ويرفعون بما بعث الله به رسوله رأساً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

جودت سعيد محمد 

إسطنبول 22 نيسان، 2015

 

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور مصطفى الصبري

الدكتوراة في الإعلام للباحث مصطفى عبدالرحيم الصبري من جامعة AMU في الهند

الدكتوراة في الإعلام للباحث مصطفى عبدالرحيم الصبري من جامعة AMU في الهند

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد + اثنا عشر =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com