د. ياسين الشيباني

حديث الذكريات: مع عبدالله البردوني (فظيعٌ جهل ما يجري!!)

شاركها:

حديث الذكريات: مع عبدالله البردوني (فظيعٌ جهل ما يجري!!)

 د. ياسين الشيباني
*أستاذ القانون الدولي بجامعة صنعاء

أول قصيدة قرأتها لشاعر اليمن الأكبر عبد الله البردوني، هي قصيدته المُسماة: “في يوم العلم” التي كانت ضمن مقرر الأدب والنصوص، ربما في المرحلة الاعداية، شدّتني القصيدة التي بدت لي فريدة في مبناها ومعناها حتى قبل أن أعرف من هو عبدالله البردوني، فقد كنتُ أجهل حينها مكانته الأدبية وخلفيته السياسية.
حفظتُ القصيدة عن ظهر قلب بسهولة -ولا أزال- وهذه بعض أجمل أبياتها:
يا فتية اليمن الأشمّ و حلمه ..
ثمر النبوغ أمامكم فتقدّموا
و تقحّموا خطر الطريق إلى العُلا ..
فخطورة الشبّان أن يتقحّموا
وابنوا بكفّ العلم علياكم فما ..
تبنيه كفّ العلم لا يتهدّمُ
و تساءلوا من نحن ؟ ما تاريخنا ؟ ..
و تعلّموا منه الطموح و علّموا
……….
هذي البلاد و أنتم من قلبها ..
فِــلذٌ و أنتمُ ساعداها أنتمُ
فثبوا كما تثب الحياة قويّة ..
إنّ الشباب توثّبٌ و تقدّمُ
لا يهتدي بالعلم إلاّ نيّرٌ ..
بهِج البصيرة بالعلوم مُتيّمُ
و فتى يحسّ الشعب فيه لأنّه ..
من جسمه في كلّ جارحة دمُ
يشقى ليُسعد أمّةً ، أو عالما ..
عَطِر الرسالة حُرقة و تألّمُ
………..
فتفهّموا ما خلف كلّ تستُّرٍ ..
إنّ الحقيقة دِربةٌ و تفهّمُ
قد يلبس اللّصُّ العفافَ و يكتسي ..
ثوب النبيّ منافقٌ أو مجرمُ
ميتٌ يكفّن بالطلاء ضميرهُ ..
و يفوحُ رغم طلائه ما يكتمُ !
……….
ما أعجب الإنسان هذا ملؤه ..
خيرٌ ، و هذا الشرّ فيه مُجسّم !
لا يستوي الإنسان هذا قلبه ..
حجرٌ ، و هذا شمعهٌ تتضرّمُ
هذا فلان في حشاه بُلبـــلٌ ..
يشدو و هـذا فيــه يزأر ضَيغمُ!!
وبعد تخرجي من الجامعة وأثناء أدائي لخدمة الدفاع الوطني ( العام ٨٢ /٨٣ ) كان من حسن حظي -ربما بحكم ميولي الأدبية- أن الحقوني بوحدة “التوجيه المعنوي للقوات المسلحة” التي كانت تصدر عنها -ولا تزال- صحيفة 26 سبتمبر ومجلة الجيش. وكان معي في نفس الدفعة زميلي من أيام دراستنا في مصر وصديقي عبده بورجي (عبده علي عبد الرحمن بورجي) الذي أصبح فيما بعد سكرتيراً خاصاً لرئيس الجمهورية، وكذا الإخوة الزملاء: إسكندر الأصبحي، وعباس غالب، وغازي الأغبري (الذي أصبح فيما بعد وزيرا للعدل) وعلي الشرعبي (الذي أصبح فيما بعد سكرتيراً صحفياً لرئيس مجلس الوزراء) وآخرون.
وكان الأستاذ عبدالله البردوني هو الذي يُحرّر الصفحة الثقافية لصحيفة 26 سبتمبر وكان العميد علي الشاطر -المدير الحازم لادارة التوجيه المعنوي- يُولي الأستاذ عبدالله البردوني إهتماماً كبيراً  ويُولي صفحته في الجريدة عناية خاصة، فأوكل اليّ تصحيحها ومراجعتها بعد طباعتها وطلب مني أن أكون دقيقاً الي أبعد حد، لأن الأستاذ عبدالله -كما قال- لا يتسامح أبداً مع أي أخطاء في صفحته، ولمّح لي إلى أن أي خطأ معناه أن أقضي ليلة أو أكثر في ضيافة “الفولفو” (والفولفو هذا هو ضابط الجزاءات في التوجيه المعنوي، وقد اضطررنا جميعاً الي مصادقته ومجاملته خوفاً من أن ننزل يوما في ضيافته)!!
وخلال السنة التي قضيتها في التوجيه المعنوي أتيح لي أن أقابل الأستاذ البردوني مرات عديدة وأن أحصل منه على كل دوايينه ، ولم تكن قد طبعت بعد في جزئين كبيرين، وقد قرأتها وتأثرت بما فيها من نزعة انسانية عميقة وروح ثورية وثّابة لا يُخفف منها سوى حكمة الشاعر ونفاذ بصيرته التي تُطالع القارىء في كل قصيدة بل في كل بيت.
وعندما جاء البردوني الي مصر  في منتصف الثمانينات بدعوة من كلية الآداب بجامعة المنيا، وكنتُ أحضر للدراسات العليا بجامعة القاهرة، كانت فرصة لأن أقضي معه عدة أيام وأتعرف عليه عن قُرب، وعرضت عليه مرافقته الي (المِنيا) فرحب بذلك وكان بصحبته كاتبه محمد اليازلي، وفي اليوم المحدد ركبنا قطار الصعيد في المساء، وكان قطارا ليليا يسمونه (قطار النوم) لأن المقصورات فيه تحوي علي مقاعد خاصة يمكن استخدامها كأسرة للنوم بسبب طول الرحلة من القاهرة الى أقصى الصعيد التي تستغرق حوالي 12 ساعة مع توقف متكرر في المحطات، ومنها ” المنيا ” التي كانت ضمن محطات القطار الذي يُنهي رحلته في أسوان.
كانت رحلتنا الليلية طويلة، ومع ذلك لم أشعر بها، فرفقة البردوني رفقة ممتعة، وهو لم يتخلّ عن مرحه قط، وكان كثير الدعابة وأكثر دعاباته هي اللّعب بالمفردات اللغوية وتحويرها عن معانيها أو الاشتقاق منها اشتقاقات طريفة، وعندما طالت الرحلة أكثر مما يجب سألني ضاحكاً إن كان هذا القطار سيأخذنا إلى “المِنيا” أم الي “المَنيّة”؟
وفي اليوم التالي عندما دخلنا الي القاعة الكبرى بجامعة المنيا أذهلني الحشد. كانت القاعة تغص بالطلاب واعضاء هيئة التدريس وبالناس العاديين، ولم أكن أعرف أن له مثل هذه الشعبية في مصر. وقد أخبرني الدكتور محمد رحومة، عميد الكلية أن معظم الجمهور في القاعة قد حضر من أسيوط ومن الأقصر وأسوان، وقال إن البردوني هو الشاعر العربي الأول المفضل لدى أهل الصعيد في مصر، الذين يعدّون أنفسهم من أصول يمنية.
ألقى الأستاذ البردوني مجموعة من قصائده التي اختارها بعناية، ومع كل بيت تقريباً كان الجمهور يقاطعه بالهتاف والتصفيق ويطلب منه الإعادة المرة تلو الأخرى. فلما ألقي آخر قصائده وكانت “الغزو من الداخل”، هاجت القاعة ودوت بتصفيقٍ كالرّعد، عندما ارتفع صوت البردوني:
“فظيع ٌ جهلُ ما يجري ..
وأفظـعُ منه أن تـدري
وهل تدرين يا صــنعاء ..
من المُستعمر السّري ؟
غُــــزاةٌ لا أشــــاهدهم ..
وسيف الغزو في صدري “
إلي آخر القصيدة الشهيرة…
…………
رحم الله شاعر اليمن الأكبر عبدالله البردوني وغفر له، فقد كان لسان حال شعبه وأُمّته.
شاركها:

شاهد أيضاً

علي حفظ الله

التناص الاستعاري في لغة التواصل

التناص الاستعاري في لغة التواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

18 − 1 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com