محمد فتاح السامعي
محمد فتاح السامعي

خمسةَ عشرَ يوماً من العزلة

شاركها:

خمسةَ عشرَ يوماً من العزلة

محمد فتاح السامعي

صباح الخير، عشت ولمدة 15 يوماً تجربة العزلة عن مواقع التواصل الإجتماعي، إلى جانب العزلة الإجتماعية المفروضة بسبب الجغرافيا، والعزلة الشعورية لأسباب أخرى. قمت بتعطيل حسابي في الفيسبوك، وحذفت تطبيقات الاسناب شات، والانستجرام، والتيك توك,وتويتر، وكيورا، وغادرت كل المجموعات في الواتس التي يوجد فيها تفاعل دائم، وامتنعت عن قراءة الأخبار ومتابعتها. ولأول مرة منذ عشر سنوات لم أعرف مثلا (ماذا يحصل في شوارع تعز). لقد قتل حسن زيد ولم أعيره اهتماما فقد ساهم بموت الكثير، واحتفل الناس على غير العادة بمولد النبي وهذا مؤشر على تمكن السلالة من بث أفكارها الخرافية في أوساط اليمنيين، فإذا كنت أنا لا أعرف تاريخ ميلادي الحقيقي فكيف بالنبي الذي ولد في قبيلة جاهلية لا تجيد القراءة والكتابة أن يكون تاريخ ميلاده معلوم، ثم أن الاحتفاء ضلالة من الضلالات الكثيرة، ولم أشارك في معركة الدفاع عن النبي ضد الإساءة الفرنسية، لأن النبي أولا لا يحتاج لذلك، ولأن ما يحدث في فرنسا وغيرها من الدول الغربية هو شأن يخص تلك الدول ويؤثر بشكل مباشر على سلامها المجتمعي، والرسومات المسيئة هي أقل خطرا من خطاب ماكرون عن الإسلام والمسلمين باعتباره يخل بالعقد الإجتماعي الذي يفرض عليه حماية السلم الإجتماعي والأهلي لمختلف مكونات مجتمعه الفرنسي المتعدد.

هذه العزلة عن الضجيج ومصادر التشتت والازعاج أعطتني نوعا من السلام الداخلي والاطمئنان، والهدوء، وبدأت استعيد تركيزي، ومعه بدأت تعود لي ذاكرتي وذكرياتي القديمة، وتحسنت قدرتي على الحفظ والاستذكار والتحليل دون انفعال، وأصبحت أعيش يومي بتهديف أكثر دون تفكير بالماضي ولا قلق من المستقبل، أي أن القلق كان أكثر مهيج له هي هذه الفوضى الإلكترونية، وسيل الأخبار والأحداث التي يتعرض لها الذهن في الدقيقة الواحدة.

أعدت طرح كل المسلمات والأفكار الفطرية والمكتسبة للمساءلة والتحقيق، بروح الباحث عن الحقيقة والمعرفة من مصادرها الحقيقية، التجربة والتأمل. معيدا للإرادة دورها في تحديد قراراتي، وقناعاتي، وأهدافي الخاصة، متحديا، ومتجاوزا كل النزعات، والشهوات التي تقلل من قوة الإرادة، وتقع عائقا أمام تحقيق الإنسان لذاته المتفوقة على ذاته السابقة. تذكرت وندمت على أوقاتي التي قضيتها في هذا الفضاء المشتت للانتباه والمخادع للوعي، واكتشفت بحكم التجربة الكثير من السلبيات التي صنعها بي أو بالآخرين أولها سطحية الوعي، ووهم الإنتاج الثقافي الذي يجعل الشخص يستحضر كل قدراته الذهنية كما يستحضر مشاهد مغرية ليقذف بمنشورا على الفيسبوك ثم ينتظر بتلهف تعليقات الآخرين وتفاعلهم. وهكذا يتكرر هذا الوهم بالإنتاج على مدار اليوم، فتضيع السنين دون إنتاج فكري حقيقي، فضلا عن وعي حقيقي. فهذا الفضاء مناسب جدا لصناعة البهلوانات المتعددة بدءا من اليوتيوبرز وانتهاءا بالمحللين السياسيين.

لقد عدت هنا لأقوم بواجبي الأخلاقي في كتابة ما وجدته من فائدة عظيمة في الاعتزال، ولو لفترة محددة كل فترة من الزمن عن هذه الفضاءات المثيرة للقلق والمسببة للفوضى الذهنية، والشعورية، لمن يعاني من التشتت الذهني في يومياته.

أتمنى لكم حياة مفيدة.

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

13 − 13 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com