مغالطات الخُمُس

ذوي القربى

شاركها:

ذوي القربى

د. عبدالله القيسي

من المقصود بــ “ذي القربى” في آيتي الغنائم والفيء؟

يقول تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنفال:41].

ويقول تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الحشر:7].

 

يقول المفسرون إن المقصود بذي القربي هم أقرباء النبي، ثم اختلفوا في مصير ذلك السهم بعد وفاة النبي: فأبو حنيفة ومالك قالا ينصرف إلى مصالح المسلمين، والشافعي قال ينصرف إلى ذرية بني هاشم.

ولكن المتأمل للآيتين يجد أن هذا المعنى ليس الأقرب لسياق الآية، لأنها جاءت بلفظ عام، وليس فيها ضمير عائد على النبي، وهذا يعني أنها ليست قطعية فيما ذهبوا إليه، وأن هناك معنى آخر قصدته الآية هو الأقرب، وهذا المعنى يؤكده سياق الآية والسياق العام للفظ ذي القربى في القرآن، وتؤكده أيضاً الشواهد العقلية والتاريخية.

 

في رأيي أن (ذي القربى) في هاتين الآيتين هم أقرباء المقاتلين جميعاً لا أقرباء النبي، للقرائن والشواهد التالية:

 

أولاً: الخطاب في بداية الآية توجه إليهم فهم المخاطبون في أول الآية ” اعلموا أنما غنمتم “، أي اعلموا أيها المقاتلون أنما غنمتم من شيء… وأولى أن يعود لفظ ذي القربى إلى أولئك المقاتلين جميعاً.

 

ثانياً: سياق “ذي القربى” في القرآن كله جاء خطاباً للمؤمنين جميعاً، ومن قال بأنهم أقرباء النبي فقد خالف السياق العام في القرآن للفظ (ذي القربى) فقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثمان مرات سوى هذين الموضعين، وكلها -عدا موضعا واحداً كان في سياق بني إسرائيل- كانت خطاباً لجميع المؤمنين تقرر فيه الآيات الإحسان لأقربائهم وإعطائهم حقهم من المال، فكيف نستثني هذين الموضعين من هذا العموم ونجعله خاصاً بأقرباء النبي فقط دون قرينة واضحة.

فأقارب المسلمين لهم حق في أموال من يقربهم ذكرها الله تعالى ﴿وآت ذا القربى حقه﴾، فهؤلاء يرون الغنائم تقسم أمامهم ولا يصلهم شيء منها لعدم مشاركتهم في المعركة لسبب من الأسباب المؤقتة أو الدائمة، وهذا قد يجعل في نفوسهم شيئا، خاصة إذا كانت الغنائم كبيرة، ولأن لفظ ذي القربى يشمل فئة كبيرة من أقارب الرجل فإن جميع أهل المدينة سيصلهم من هذا السهم.

والنبي عليه الصلاة والسلام وجميع الأنبياء قبله كان شعارهم في دعوتهم ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء:109]، علق الألوسي على الآية بقوله: ” إنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئاً ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقراباتهم، وأيضاً فيه منافاة لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[يوسف:104]”( ).

 

ثالثاً: ومن القرائن كذلك أن آية الغنائم نزلت بعد بدر في أول العهد المدني كما يشير سياق الآيات، وكان أغلب أقرباء النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت لا زالوا بمكة بعضهم مستضعف والآخر شارك مع قريش في القتال كالعباس وعقيل، فإن قلنا إن السهم يشمل جميع أقرباء النبي فقد أعطينا مكافأة لمن قاتل النبي، وإن قلنا إن السهم فقط لأقرباء النبي بالمدينة، فإن عددهم قليل جداً، وسيكون نصيبهم في الخمس كثيراً عليهم، وسنخالف مقصداً مهماً في الإسلام في تقسيم المال وهو أن لا يكتنز المال لدى فئة قليلة يقول تعالى ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾، خاصة إذا كان هؤلاء الأقارب قد شاركوا في المعركة وأخذوا نصيبهم من الأربعة الأخماس المتبقية التي للمقاتلين.

 

رابعاً: ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام مات ولم يخلف ثروة من المال، بل كانت حالته أقرب إلى الفقراء كما تروي كتب السير، كما ثبت أنه كان يصرف سهمه لصالح المسلمين، وإذا كان النبي يصرفه في مصالح المسلمين فلا بد أن يعطي أقاربه كونهم جزءا من المسلمين، وقد يعطيهم من باب صلة ذي القربى عملاً بالآيات التي تحض كل مسلم على إكرام أقاربه ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾[الإسراء:26]، فتصوروا معي إذا كان أقارب النبي سيحصلون على سهم خاص بهم إضافة إلى سهم المقاتلين منهم فوق ما يحصلون عليه من النبي، فإن معظم مال المسلمين سيذهب إلى أقارب النبي وهذا ما لم يحدث، فقد روى لنا التاريخ دون مخالف أن معظم أقاربه مات فقيراً، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب الملقب لفقره بأبي تراب، رغم كثرة الغنائم التي غنمها النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين وغيرها، مما يعني أنه لم يكن هناك سهم خاص بأقارب النبي.

 

والأحناف الذين قالوا إن هذا السهم لأقارب النبي عليه الصلاة والسلام قالوا إنه سقط بعد موته عليه الصلاة والسلام وأنه يصرف بعد ذلك في مصالح المسلمين لأن الذرية لا ينطبق عليهم أنهم ذوي قربى.

وأما من جعل هذا السهم في ذرية النبي بعد موته –كالشافعي -فقد أبعد كثيرًا عن السياق وعن اللغة، بل ووقع في إشكالات وتناقضات كثيرة منها:

أنه لم يفرق بين الذرية والأقارب رغم اختلافها لغة وشرعا. وأنه جعل السهم بين فقير قرابة النبي وغنيهم بشكل متساو، وهذا يخالف مقاصد الإسلام في توزيع المال وتقريب الهوة بين الفقراء والأغنياء، ويخالف ما قالوه من أنها بديل عن تحريم الصدقة عليهم، فإن قلنا إنها تعويض للفقير فكيف تكون للغني!! ومنها أنه جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، قياساً على الميراث، رغم الفارق بين الميراث والغنيمة، إضافة إلى مخالفة عموم النص، ولذا خالفه الآخرون لعدم صحة القياس.

#عودة_القرآن

 

صفحة الكاتب

https://www.facebook.com/100026125577775/posts/545854672962047/

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور فيصل علي

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × اثنان =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com