رواية ” الارض الطيبة”ورحلة  إلى قصيعر  4

رواية ” الارض الطيبة”ورحلة  إلى قصيعر  4

د. ياسين سعيد نعمان 

كانت المشكلة التي واجهت الزراعة بهجرة الشباب الى قطاعات أخرى قد واجهت أيضا قطاع الأسماك ، وأحدثت أثراً سلبياً بالغاً على الانتاج فيه . ففي كل تجمعات الصيادين كان الجميع يشتكي من عزوف الشباب عن الإنخراط في مهنة آبائهم ، وإن كان الصيادون ، على عكس المزارعين ، أقل إقبالاً على التعليم وعلى الاغتراب في نفس الوقت .. إلا أن ارتباطهم بالبحر كان كبيراً ، وهو ما يدفعهم الى العمل على سفن الصيد الكبيرة سواء مع المؤسسات الوطنية أو الشركات الكبيرة ، وكثيرون تركوا صيد الاسماك ومشاقه وذهبوا للعمل في مجالات اخرى ولكنها قريبة من البحر .

وكانت انتفاضات الصيادين لتأسيس الملكية الجماعية تحت مسمى التعاونيات الانتاجية قد أسفرت عن تذمر كبير ، فالصياد الذي كان لديه صنبوق أو هوري أو قارب ظل يرفض أن يقاسمه ملكية الصنبوق أو القارب الصيادون الذين كانوا يعملون معه بأجر ، وحدثت مشاكل كثيرة هجر على إثرها كثير من الصيادين التعاونيات ، وكان لا بد من أن تتدخل الدولة لحل هذه الإشكال بتوفير قوارب صيد تعطى للتعاونية كتعويض للصيادين الذين كانوا يعملون بأجر . لكن صاحب الصنبوق القديم ظل يشعر بحنين الى ملكيته لصنبوقه .

في قيصعر ، وهي من مراكز الانتاج السمكي الرئيسية في حضرموت ، كان الصيادون قد قاوموا لفترة طويلة اسلوب الانتفاضات التي تمت في أماكن اخرى ، وتمسكوا بالعمل التعاوني التقليدي بكل ما فيه من مشاكل ، وحتى لا يؤثر هذا الموقف الرافض للانتفاضات على التوجهات الاصلاحية لتجميع ملكية وسائل الانتاج لمواجهة هروب الصيادين الشباب من مهنة الصيد الى مجالات عمل أخرى ، قرر سالمين أن يزور قصيعر ذات مساء بعد أن استمع الى تقرير الدائرة الاقتصادية في محافظة حضرموت بحضور الاخوة محافظ حضرموت على سالم البيض وسكرتير التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية آنذاك عبد الله البار عن أوضاع القطاع السمكي .

غادرنا المكلى بعد المغرب شرقاً نحو قصيعر، وبعد العشاء كنا في قاعة مبنى التعاونية المطلة على البحر حيث تجمع الصيادون في أول لقاء مع سالمين ، وقد حضروا أنفسهم للحديث معه وهم مدركون أن مكاشفته عن مخاوفهم من تجميع ملكية وسائل الانتاج ستفضي إلى نتيجة لن تكون بعيدة عن توقعاتهم لثقتهم في أنه لن يكون الا الى جاتبهم.

بدأ سالمين حديثه والى جانبه الاخوين على سالم البيض المحافظ وعبد الله البار المسئول الحزبي ، وقال انقل اليكم تحيات الرفيق الامين العام عبد الفتاح اسماعيل واعضاء المكتب السياسي ورئيس الحكومة الرفيق علي ناصر محمد واعضاء الحكومة ،( ملحوظة : لم يتوقع أحد أن يبدأ كلمته بنقل تحية الامانة العامة والحكومة ، لكن سالمين أراد أن يقول إن ما ينوي الحديث عنه من مواضيع متفق عليها في القيادة بعد إقرار الاصلاحات الاقتصادية ) ، ثم شرح الخطوات الاصلاحية التي اخذت طريقها نحو التطبيق ، فقد كان استكمال بناء مؤسسات الدولة وتحديد العلاقة مع مؤسسات “الحزب”، التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية ، في تلك الظروف الصعبة ، هي المهمة الاساسية التي اخذ سالمين على عاتقه مهمة توضيحها لهذه الفئات الاجتماعية التي كانت تبادله الثقة وخاصة بعد التشوش الذي أحدثته أحداث الايام السبع والانتفاضات الفلاحية والسمكية والمساكن وغيرها مما اعتبر صورة من صور الرومانسية الثورية .

كان تشخيص خصائص مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ، بكل ما رافقها من تعقيدات ، مهمة في غاية الاهمية ، ولم يكن التشخيص مسألة ذات قيمة دون تفكيك معانيها بأمثلة من واقع ما تلعبه هذه الفئات المنتجة من دور في الاضطلاع بإنجاز هذه المهام . وفي حين اضطلع الامين العام عبد الفتاح اسماعيل بالجانب النظري فقد اخذ سالمين على عاتقه المهمة الأكثر تعقيداً وهي نقلها الى المنتجين .

صفحة الكاتب 

شاهد أيضاً

بلال الصعفاني

استغلال عقلية المجتمع اليمني (خداع الجماهير) – قراءة سوسيولوجية.

– بلال الصعفاني    “من الأسهل خداع الناس بدلا من إقناعهم بأنهم خُدعوا.” – مارك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + أربعة =