مرايا الروح

زيارة ملك !

شاركها:

زيارة ملك !

طارق السكري 

 

بعد حبسة دامت خمسة أشهر . وقفنا أخيراً بقلوبنا قبل أقدامنا على ساحل البحر !. كأنا لقينا فيه أوطاننا التي نهبت وأحلامنا التي ضاعت . 

البحر أبو اليتامى . موائد السحاب وربيع الشاعرية ومنتجع الفاتنات وملاعب قوارب الأطفال الصغيرة. يهب النسيم رطبا نديا متوشحاً بأصداء الراحلين ومواويل الملاحين .

ما الذي ينتاب مرهف الحس .. صقيل الحشا .. ظاعن في السفر .. طاعن في السهر.. عندما يطل بقامته على هذه السموات الممتدة على سطح الماء؟ كل شيء مخضلٌّ بالزرقة .

الزرقة في نغمات الطيور المحلقة .. الزرقة في نظرات العيون المحدقة 

الزرقة كتاب سماويّ في يد النهارْ .. في تجاويف الأحاسيس وتضاعيف الأفكار 

البحر وهو يغمغم كأنه زئير تنين أسطوري قديم .. مكتنز بالأهوال والغموض .. يزأر زأراً فإذا الذي في وجدانات قلوبنا يسري إلى أقدامنا ، فإذا هي على الصخور ثابتة لا تريم .

أيها الملك الجبار ! 

يامن تستأذن الله كل يوم أن تهيج على الطغاة فتثل عروشهم وتبتلع ظلماتهم . فيقول الله لك : لعل تائبا يقبل أو مسرفا ينتهي .

اِيذن لهذا الغريب أن يرتمي على أعتابك فيبثك صلواته ونجاويه . 

 

أيُّها البحرُ “يابو اليتامى” أجبني 

وقد ألهبتك رياحُ الحنينْ

 

كلَّ يومٍ على صفحاتك كان السَّحابُ

 يُدوِّنُ شعراً حزين

 

يتراءى على صخر روحي صهيل الحروفِ 

ولكنها لا تبين

 

لستُ أدري ! تناهيدُنا تلك عادتْ

إلينا هديراً بمرِّ السنين؟

 

كيف رحتَ تُرتِّلُ حزنَ البرايا

صراخاً .. وَلَمَّا تضق بالأنين ؟!

 

كان البحر مزدحماً بالبشر ككل مرة . لكنه بعد أيام الحظر المضنية .. كان مختلفاً .. لقد قابلنا البحر ببحر أعمق وجعاً وأبعد احتراقاً . ربما رأيت في وجوه الناس ما يُرى بوجهي من تلاويح الغربة وتباريح السنين فظننت أن الناس مثلي بلا وطن !

من يدري بماذا تومض هواجس الشعراء الغرباء وشطحات خيالاتهم ؟ 

إن البحر كالخيل يعرف صاحبه . شدَّ ما وصف الشعراء الخيل وافتتنوا بجماله وتفننوا بأوصافه . لكن المتنبي أشار بفطنة إلى أن أفكاراً وطباعاً ومشاعر لا يدركها أحدٌ حيال الخيل إلا من كان خيّالاً فارساً .. نشأت بينه وبين الخيل على طول الصحبة شجنة وداد ، وعهد وفاء .

 

ويومٍ كليل العاشقين كَمَنتُهُ

أراقب فيه الشمس أيان تغربُ

 

وعيني إلى أذنَيْ أَغَرَّ كأنهُ

من الليل باقٍ بين عينيه كوكبُ

 

له فضلةٌ عن جسمه في إهابه

تجيء على صدر رحيب وتذهبُ

 

شققتُ به الظلماء أُدني عنانهُ

فيطغى وأرخيه مرارا فيلعبُ

 

وأصرع أيَّ الوحش قفَّيتهُ به

وأنزل عنه مثله حين أركبُ

 

وما الخيل الا كالصديق قليلة

وان كثرت في عين من لا يجربُ

 

إذا لم تشاهد غير حسن شِيَاتها

وأعضائها فالحسن عنك مغيبُ

 

لقد أطلت في سرد الأبيات وإن كان الشاهد من هذا كله هو البيت الذي يقول فيه : وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ .. وإن كثرت في عين من لا يجرّبُ . ولكن إشارة المتنبي إلى أخلاق الخيل وتجاوزه بالقارئ قصداً شكل الخيل ومظهره إلى طبائعها النبيلة أخذ مني ما رأيتم .

 

وإني قد صحبت البحر سنين طويلة . البحر الأحمر والخليج العربي عندما زرت مدينة جدة وانتقلت إلى مدينة الجبيل الصناعية .. وعلى جزيرة ” جوا ” جنوب شرق الهند .. المطلة على المحيط الهادي والآن في ماليزيا .. في ولاية سيلانجور على ذات الفضاء الأزرق .

إنه نوع من القلق الدائم . قلق الأدباء الفطري . الأدباء قلقون ما في ذلك شك كما يقول الدكتور / طه حسين وهو يتحدث في كتابه خصوم ونقد عن مشكلات أدبنا الحديث .

 

وكما قال المتنبي رحمة الله عليه من قبل :

وكذا تطلع البدورُ علينا

وكذا تقلق البحور العظامُ

 

 وما إن أقف على أطراف البحر حتى يصيخ البحر لأنغام قلبي الدامية وينسى كل من حوله من البشر وينصب وجهه لوجهي ويوحي لي وما هي إلا لحظات حتى تخب الرياح اللينة على رماله الزرقاء كأنها نابعة من خواطري وإذا بغلائل من أمواج تصعد من أعماق البحر كأنها زفرة مصدور بين جنبي قتلته صبراً وشعرا . فإذا الأمواج تتثنى وتتكسر كأنها حسان المتنبي العزيزات برزن من بيوتهن :

حسانُ التثنِّي ينقشُ الوَشْيُ مثلَه

إذا مِسْنَ في أجسامهنَّ النواعمِ

 

أحلم ذاهن الفؤاد .. يقظ العين .. يخبط بي البحر خبط عشواء .. فتتسع الرؤى وتضيق العبارة

وتذوب حدود الأشياء .. وكسهمٍ من ضوء .. يطير بيَ البحر إلى بلادي .. فأنزل على قريتي وأجثو دامعا أمام كوخ أمي أطلب منها الصفح عن غياباتي الطويلة . وهي تملأ البيت بالصراخ : لقد عاد ولدي .. عاد ولدي . 

أنا حزين حتى نهاية العالم يا أمي ! 

احتلوا الأرض .. فلا حكومة ولا تعليم .

خانت الأحزاب وسقطت جميع الأقنعة .. ماذا سأفعل إن عدت اليمن ؟  

وإن كنت لأشعر أن البحر يود لو يتحول إلى راحة يد فيلطم بها وجوه المترفين الذين جاؤا إلى الشاطئ عصراً للمباهاة بالأفخاذ العارية ، والأجساد الناعمة ، فيذودهم عن هذا اليماني البائس كي يأخذ راحته بالبكاء ،لأن البكاء على الملأ لون من ألوان الكذب . قريب من هذا المعنى قول أبي ذؤيب الهذلي يوم مني بفقد أبناءه الستة في يوم واحد .. قيل أنهم شربوا من وعاء شربت منه حيّة سامّة . فزفر فؤاده بقصيدة هي من الألم الإنساني الأيقونة .. تحيل الصخر رماداً وتحيل الرماد أطيافاً تصرخ في البوادي والتي يقول في مطلعها :

أمن المنون وريبها تتوجّعُ ؟

والدهر ليس بمعتبٍ من يجزعُ

أتتوجع من طعنات الموت وتحسب أن الدهر سيرثي لحالك ؟ والدهر هنا الأيام والناس وأوضاعهم .

إلى أن يقول :

وتجلُّدي للشَّامتين أريهمُ

أني لريب الدهر لا أتضعضعُ

 

نعم . كنت أتلهف لخلوة بالبحر لكن .. هيهات . امتلأ الشاطئ بالناس . 

حدقت في عينيه فقال بصوته الأجش : هات . فقلت :

يا أبا اليُتمِ والليلِ “والإغترابْ” 

هل أصابك من زوْرتي ما أصاب ؟

 

ما أتيتُ لألقي عليك همومي 

فكيفَ ملأتَ صِماخي عتابْ ؟

 

هل شَكَتْكَ رمالُ الخطى قبْلَ آتِي ارْتِحَالي 

وزلزلتي في العذاب ؟

 

كم حرثتُ الخطى تلك بالصبر صبراً 

وأسقيتها من جبين الهضاب

 

لست أدري وقد مرَّ قبلي أناسٌ 

أما زال في الرّملِ وشمُ الغياب؟!

 

هززت قامتي تجاه الحديقة .. ومشيت ولا تزال أصوات الأمواج تطارني .

 

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × اثنان =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com