نبيل البكيري
نبيل البكيري

سؤال الدولة في الفكر الإسلامي

شاركها:

سؤال الدولة في الفكر الإسلامي

 

نبيل البكيري

 

 مسألة الدَّولة في الفكر الإسلامي من أكثر المسائل تعقيدًا وغموضًا وإثارة للجدل, والالتباس الحاصل حولها فيما يتعلق بوجود هذه الدولة وهويتها ومرجعيتها وفلسفتها, وهل هي دولة مدنية أم دولة دينية، وما حدود الدِّيني والسِّياسي فيها؟ وهل فكرة الخلافة كشكلٍ للدولة هي تجربة بشرية في حدود لحظتها تلك أم نصٌّ دينيٌّ لا مكانَ للاجتهادِ معه؟

 

بل هل “الإمامة” أي ولاية أمر النَّاس وسياساتهم، هي من أصولِ الدِّين وأركانه, أم هي من فروعِ المسائل الفقهية المتروكة للنَّاس تقريرها والنَّظر فيها بحسب مصالحهم في الزَّمان والمكان؟ وكيف تحوَّلت هذه المسألة السِّياسية من مصلحةٍ بشرية وضرورة اجتماعية إلى أصلٍ من أصول الدِّين وأركانه كما هو الحال لدى الشِّيعة، ومن تأثر بفكرهم في هذا المسألة، وما موقف إجماع المدارس الإسلامية فيها ورؤيتهم للدولة وسياستها كمسألةٍ دينية أو مدنية.

 

كل هذه التساؤلات، تتطلب اليوم إجاباتٍ علمية واضحة وجريئة، في ظلِّ حالة الفقر في الدِّارسات العلمية الجادة في هذا السِّياق، ومن جانبٍ أخر، محاولة تجاوز سطوة ثقافة المسكوت عنه في المحاولات العلمية لدراسة سؤال الدولة وإشكالياتها في الفكر السِّياسي الإسلامي، والتي ما تزال تلقي بظلالها وتداعياتها الكبيرة على حياةِ المسلمين ومعاشهم واستقرارهم وتقدمهم حتى هذه اللحظة.

 

وكل هذا يضعنا اليوم أمام حقيقة واضحة من “أنَّ الكثير من المشكلات والصعوبات التي يعانيها الفكر السِّياسي الإسلامي المعاصر ناتجة بالأساس عن الفهمِ المغلوط لماضيه وفي صلبه الوعي بالنَّشأة وظروفها من جهة، والشكل الذي اتخذته العبارة السياسية في البدء من جهة ثانية” كما ذهب لذلك أمحمد جبرون في كتابه “نشأة الفكر السياسي الإسلامي” صـ٩، مما يعني أيضًا أنَّ هذا الفهم المغلوط لتجربة النشأة السياسية الأولى لفكرة الدولة وظروف نشأتها ألقى بظلاله على تصوراتنا وتعاطينا اليوم كمسلمين مع فكرة ومفهوم الدولة في الفكر السِّياسي المعاصر.

 

 

وهذا ما يتطلب الكثير من البحث والإضاءة لجوانب هذه التجربة بعيدًا عن القراءة التَّاريخية المجردة، تلك القراءة التي يتلبسها نوع من التهيب أو القداسة التي تنعكس في سطحية التَّناول, ومن ثمَّ التماهي التَّام مع السَّائد من المفاهيم والمسلمات والتصورات الذهنية و التاريخية المعتادة عن دولة الإسلام، والتي تعيق كثيرًا إعادة اكتشافنا للتجربة الأولى للفكرة السياسية في تاريخ الإسلام وما قدمته من مقاربة سياسية لمفهوم دولة ذلك العصر، وما أضفاه الإسلام عليها من قيمٍ عليا لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل، وهي قيم الحرية والعدالة والمساواة والشورى في الأمر. 

 

 

 

وانطلاقًا من كل ذلك، ثمة إشكالية والتباس كبير في مفهوم الدولة في الفكر السِّياسي الإسلامي، وأنَّ هذه الإشكالية وإن تمَّ تجاوزها تاريخيًا وعمليًا لكنها ما تزال مأزقًا ومعضلة فكرية تاريخية لم يحسم الجدل حولها حتى اللحظة، وما الانقسامات الطائفية والمذهبية والعقائدية في تاريخ الإسلام وحاضرهم، إلا نتيجة طبيعية لإشكالية مفهوم الدولة وطبيعتها في الفكر الإسلامي.

 

فالتباسات فكرة الدولة بطغيان صورتها التاريخية على فلسفتها في الإسلام، تشكل اليوم عائقًا كبيرًا في فكفكة عُقدة التَّخلف والاستبداد المستدامة في العالم الإسلامي اليوم، تلك الأزمة التي حاول مقاربتها في بداية هذا القرن عدد من مفكري الإسلام وفقهائه كعلي عبد الرازق ١٨٨٨-١٩٦٧م في كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، وخالد محمد خالد ١٩٢٠- ١٩٩٦م، في كتابه “من هنا نبدأ” الذي أتبعه بكتابٍ آخر عن الديمقراطية، لمواجهة الحملة التي شنَّت ضده بسبب مقاربته تلك، أما علي عبد الرازق فقد حُوكمَ من قبل الأزهر على أفكاره تلك وسحبت شهادته العالية من الأزهر، وشُنِّعَ عليه كثيرًا. ومع ذلك، تستمر تداعيات هذه الإشكالية حتى يومنا ، ممثلةً بحالة عدم الاستقرار السياسي للدولة العربية المعاصرة، بفعل حالة الجدل حولها وموقف التيارات الدينية منها، تلك التيارات والجماعات التي ربطت شرعية وجودها باستعادة الدولة الإسلامية بصورتها التاريخية ممثلة بالخلافة الإسلامية، منطلقة من إيمانها أنَّ الدولة الإسلامية هي دولة دينية لا مدنية، مرجعيتها السَّماء، وليس الأرض، وبالتالي استعادة تلك الصورة التاريخية والذهنية لدولة الخلافة.

 

وانطلاقًا من هذا التَّصور، نشأت معظم أفكار وتصرفات جماعة العنف والإرهاب، قديمًا وحديثًا، كالقاعدة وداعش، التي ترفع شعار استعادة دولة الخلافة الإسلامية، وبغض النَّظر عن بعض الدَّوافع التي قد تقف خلف هذه الجماعات، إلا أنَّ ضبابية فكرة الدولة في الفكر الإسلامي والتباساتها واحدة من الأسباب الرئيسية، التي ترتكز عليها أيديولوجية هذه الجماعات.إنَّ هذه الإشكالية في فهم وتصور طبيعة الدولة في الفكر الإسلامي راجعة بشكلٍ أو بأخر لأسباب عدة تاريخية كامنة في التَّداخل بين السلطتين الدينية والزمنية للمؤسس الأول لهذه الدولة ممثلًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ناهيك عن تجربة خلفائه من بعده والتي غلب عليها الاجتهاد البشري الدنيوي على التوظيف اللاحق للنَّص الديني في عصر ما بعد التدوين.

 

عدا عن ذلك، فإن الارتداد عن أهمِّ مبادئ الإسلام المتعلق بالشأن السِّياسي العام، وهو مبدأ الشورى, الأمر الذي أحدثته دولة بني أمية ومن بعدها دولة بني العباس، والذي يُعدُّ انقلابًا سياسيًّا، على شورى المسلمين ودولتهم، هذا الانقلاب الذي أسَّس لكل صنوف الاستبداد السياسي والديني في تاريخ المسلمين، والذي شرعنه فقهاء الأحكام السُّلطانية وأعاق كثيرًا مسيرة الأمة والدولة والحضارة الإسلامية ككل.وفي الطَّرف المقابل له، نشأت فرق وجماعات المظلومية التاريخية، التي انبثقت منها فكرة “الحق الإلهي” في الحكم لدى كل الجماعات الشيعية وفرقها المختلفة، التي ترى أنَّ الحكم أُغتصب من آل البيت، وأن عليهم واجب استعادة هذا الحق الإلهي المقدَّس، وهذه الفكرة التي أسست بدورها للنَّص الشيعي الذي يعتبر الدولة أصل من أصول الدين، ولا يقوم الدِّين إلا بها، مما جعل هذه الجماعات في حالةِ صراعٍ دائم مع مجتمعاتها، مهددةً لاستقراره السياسي.

 

 

 

ولهذا فإنَّ تجربة الدولة في الإسلام، منذ النشأة والتأسيس الأول لها في الواقع الإسلامي، اعتراها الكثير من الضبابية وخاصة بعد حادثة مقتل الخليفة عثمان بن عفان، من قبل من أُطلق عليهم بالخارجين، وانقسام المجتمع سياسيًا حينها بين معارض ومؤيد للخارجين وما ترتب على ذلك الحدث من معارك وانقسامات واقتتال بين الصحابة أنفسهم، كل ذلك تم تجاوزه دون قراءته قراءةً اجتماعية وسياسية دقيقة للبحث عن جذور تلك الأزمة، التي ظلت كامنة ومادة خامة للانقسام والصِّراع حتى يوم النَّاس هذا.

 

مشكلة أخرى أيضًا، فيما يتعلق بالصِّراع الفكري الحاد بين فريقي وجهتي نظر متناقضتين ومتعارضتين، القائلة بأنَّ الدولة في الإسلام دولة دينية صميمية منصوص عليها ، وأصحاب القول إنَّ الإسلام لا علاقة له بالدولة وأنَّ الدولة تجربة بشرية لا علاقة للنَّص الديني المباشر بها، هاتين المقولتين اللتين ما تزالان تشكلان لحظة جدل مستمر ودائم حتى اللحظة بين الطرفين.

 

الطرف الأول والذي تقف على رأسه الحركات والجماعات الدينية، أو ما يطلق عليها غربيا، بحركات الإسلام السياسي، والطرف الثاني، وهي التيارات العلمانية المختلفة يسارية أو قومية، وكلا الطرفين في العالمين العربي والإسلامي، يخوضان صراعا سياسيا صفريا عقيما بين وجهتي النظر هاتين، وهو ما سبب دوامة من الصراع الذي يفضي دائما إلى إقصاء متبادل ونفي كل طرف للأخر، مما أثر على استقرار هذه المجتمعات وأعاق مسارها الديمقراطي والتنموي.

 

وبين هاذين التيارين، يتشكَّل تيار ثالث اليوم، يرى أنَّ الدولة في الإسلام، هي بنت مجتمعها زمانًا ومكانًا، كضرورة اجتماعية بشرية، وأنَّ الإسلام لم يضع لها قالبًا معينًا وإطارًا محددًا وإنما وضع لها مبادئ عامة حاكمة وعلى النَّاس تنزيلها في واقعهم عدلًا وحرية وكرامة ومساواة، بغض النَّظر عن شكل الدولة وإطارها، وهذا التيار ربما الأقرب في رؤيته من تلك الرؤية التي تشكَّلت في مدونات الفقه السُّني قديمًا باعتبار الدولة فرعًا من فروع الفقه لا أصلًا من أصولِ الدِّين كما هو الحال لدى الشيعة.

 

وختامًا، كيف يمكن الإجابة عن كل هذه التساؤلات ومقاربتها منهجيًا وعلميًا، لمحاولة الخروج بمقاربةٍ علمية دقيقة لمفهوم الدولة في الفكر السِّياسي الإسلامي، تؤطر كل هذا النِّقاش، وتفكِّك حالة الغموض والالتباس التَّاريخي الحاصل حولها، وتقدم تصورا ورؤية للدولة في الفكر الإسلامي، أكثر وضوحًا وعملية، باعتبارها الرؤية المحكومة بالقيم والمبادئ الحاكمة التي وضعها الإسلام – في ضوء تجربته الأولى- كمحددات لتحقيق مصالح الناس وصون حقوقهم وحفظ كراماتهم مهما اختلفت الطرق والوسائل المؤدية إليها.لنقترب بذلكَ من التَّعرف والتَّصور المقاصدي، الذي وضعه ابن عقيل الحنبلي (٤٣١-٥١٥هـ) في تعريفه لمصطلحِ السِّياسة الشَّرعية السَّائدة حينها وهو التعريف المتقدِّم زمانًا ومكانًا بقوله أنها أي السياسة الشرعية: “ما كان من الأفعال، بحيث يكون النَّاس أقرب إلى الصلاح و أبعد عن الفساد، ما لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي” إعلام الموقعين (4/283(, فمثل هذا التَّعريف، المتقدِّم في نظرته للشَّأن السِّياسي، يعتبر مؤشر واضح على أنَّ الدولة هي شأنٌ بشريٌّ لتصريف أمور النَّاس وإدارة شؤونهم بما يحقِّق مصالحهم ويخدمها وإن لم يرد في ذلك نصوص، لأنَّ المصلحة شيء متعين بالفطرة البشرية المجردة، “وإيما تكون مصلحة النَّاس فثمَّ شرع الله” كما تقول القاعدة الأصولية المعروفة.

 

مصدر النص

إقرأ للكاتب أيضاً سؤال العلمانية في السياق الطائفي

شاركها:

شاهد أيضاً

بيان يمنيون حول انقلاب 7 أبريل 2022 على دستور الجمهورية اليمنية

يمنيون يصف إنهاء ما تبقى من الشرعية بالانقلاب ودعا جماهير الشعب اليمني إلى رفضه  

يمنيون يصف إنهاء ما تبقى من الشرعية بالانقلاب ودعا جماهير الشعب اليمني إلى رفضه  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد + ثمانية عشر =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com