توفيق الحميدي
توفيق الحميدي

طريق الخلاص اليمني

شاركها:

 طريق الخلاص اليمني

 

توفيق الحميدي

 

عندما ناقش مالك بن نبي ميلاد مجتمع تطرق إلى كاسترو، وسر بقائه في بزته العسكرية، وسيارتة العسكرية، برغم إنتهاء الحرب، وبدء معركة البناء، كان كاسترو رجلا ثورياً وأراد أن يبقي كذلك، ويقدم رسالة لشعب كوبا، مفادها أن تحرير البلاد يستوجب البقاء في حالة استعداد دائم، والتخلي عن مباهج الثروة وفسادها، بغض النظر عن تقيمنا عن فترة حكم كاسترو، لكن فترته الثورية مع رفيق دربة جيفارا كانت جادة ومصدر الهام.

 

في اليمن لدينا كتلة حرجة لثورة تغيرية قادمة، تتوفر فيها صفات ومواصفات أقوى وأكبر وأشد تاثيراً من تلك القوى التي خرجت في ثورة 11فبراير، ولكن للأسف الشديد لم تتوفر القيادة الثورية بعد لهذه الكتلة، وهي تحدى كبير في اليمن، حيث من يعول عليهم نظرياً قيادة المرحلة لا تتوفر فيهم مواصفات كاسترو على الأقل، أما لماضيهم التعيس والفاسد، أو لخلعهم بدلة الثوار، واستبدالها ببدلة رجال الأعمال، وفرق كبير بين من يهب نفسة للثورة ويفكر بأهدافها، ويرسم مسارها، وبين من يفكر بتنمية الأموال وتوسيع العقارات وفتح مزيد من الفروع، حيث يستبدل الجبهات بالأعمال الاجتماعية.

 

مشكلة اليمن خلال السنوات السبع فسدت السياسة بالتبعية، وخلقت الأنظمة غير الديمقراطية حالة سامة من السياسة المحروسة بحراب بالمليشيات، واستبدلت الصندوق بالرصاص، والشعب بالمليشيات المدججة، و الأيديولوجية والولاء المطلق بديلاً عن البرامج الواقعية، وأصبح عنوان السياسة في اليمن المال والتوحش، حتى المعارضة تحولت إلى فرقة رقص كبيرة تعرض خدماتها لأصحاب الكبريهات بمقابل هبات مالية هائلة، كل ذلك خلق طبقة نفعية، استبدلت الوشاح، والإزار-المعوز- اليمني والجنبية والثوب، بالكرفته والبدلات الصادرة من أرقى بيوت الأزياء العالمية، وبدل من متابعه الأحداث من الميدان ومن وسط البيوت اليمنية، استبدلتها بمكاتب في الأبراج والفلل المخططة على غرار الحياة الأوربية، تتشابه النخب للأسف في اسفافها، وارتزاقها، وإجادة الخداع، وحشد بعض الأنقياء حولها، وتذُر القليل من الأموال المقبوضة تحت لافتات العمل الاجتماعي، مستغلة حاجة الناس.

 

ففي بلداننا نبادر بالشكر بغض النظر عن مصدر المال ووظيفته، وفي الغرب يبادر الشعب إلى سؤال من أين لك هذا؟ ثقافة الفهلوه والشطارة، توصيفها إرتزاق أي جريمة تستوجب المسائلة.

 

التغيير ثقافة وقيم، من المستحيل الاعتماد على أشخاص في قيادة عملية تغيير، فالمثقف أو الشخص الذي تكون في بيئة فاسدة في أغلب الأحيان يكون أوثق الصلة بثقافة وفكر هذه البيئة، فهو ينظر للمستقبل ومعاني الثورة من منظور مضطرب منظور البيئة الفاسدة التي يدعي الثورة عليها، والتي يميل إليها، ومنظور ثوري لا ينتمي إليه نفسياً ولا ثقافياً، فدائماً يرهنون الفعل التغييري بمقايس مادية، يربطون مصيره بالممول، فالتحرك يكون موسمي، بلا أهداف محدده.

 

إن الخروج إلى ميدان التغيير وإعلان تفضيل خيار الثورة، لا يكفي مالم يتم معادرة مربع السياسة المسمومة وتنقية الدم من كل آثارها بحيث تكون غير قابلة للتراجع، أو الحنين لفسادها وتحالفاتها.

 

 

إن معركة التغيير منوطة بالتخلص من الإرث السلبي، القائم على الدوران حول المصلحة الشخصية، وتقديس الفكر والأشخاص، والمال باسم وطني، أو ديني، أو جهوي، وهذا يتطلب معركة داخلية داخل الكتلة الحرجة للتغيير، وباعتقادي أننا في اليمن قطعنا شوطاً كبيراً في هذا الإتجاه، ولذا من الخطأ، تسليم هذا الإنجاز لقيادة ملوثه بقيم وسلوكيات وثقافة ساهمت في إسقاط الوطن، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكونوا في اصطفاف مع أعداء الثورة، فقط يكفي عدم قدرتهم على استيعاب قيم الثورة ووهجها والمتاجرة بإسمها.

 

إن الاخفاق الذي عانيناه خلال الفترة السابقة سياسياً وعسكرياً هو انعكاس لأزمة ثقافية، وأخلاقية وسياسية، حيث تتكرر نفس الأخطاء، بنفس لغة الخطاب، وعدم مراعاة لدماء الصادقين، يكشف عن سذاجة مخيفة تشكل عائق لهولاء في العودة إلى الحياة السياسية والثورية. أن يعاد قصف الحيش في شبوة بعد عدن، دون اتعاظ بما حدث في عدن، وأخذ التدابير اللازمة، وابتكار أساليب سياسية وعسكرية يؤكد أننا لسنا أمناء على مصير الثورة، وكيف يمكن التصرف في حال زادت الأمور تعقيداً، أو توقفت أو تغيرت معطيات داخلية وخارجية. فأزمة الشعور بالمرحلة مفقودة، وتعكس حالة انسحاق فكري، بل سذاجة.

 

باعتقادي الدينامكية التي تتوفر للشباب تدفعهم لتصدر المشهد، الفعل الثوري ليس بندقية وكفى، بل هو موقف، قادر على لفت الأنظار، وخفي الأوراق، فالرصاص أصبح فعل من الماضي، وأقصد هنا الجميع يجيد استخدامة وتوجيهه، لكن القيليل جداً من هو قادر على كسب معركة بلا رصاص، أو حوض معركة.

 

يعد نموذج فبراير نموذج حي قبل أن يسرق، ويتحول إلى غنيمة منصب لدى الساسة الذي لم يكونوا يوماً ينتمون للتغير، يبدو أن الكثير من أصحاب بنادق التعليم التي كانت تنتشر في ميدان التحرير لكسب الرزق، قد سعوا إلى تحويل الثورة وفكرها إلى بنادق قنص ونصع بالبلدي.

 

لا مخرج إلا بمشروع واضح الأهداف، محدد المعالم، ينتمي إلى التغيير، ويعبر عن الشارع- بدون بقايا النظام السابق، ولا أقصد به شخص أو أشخاصاً بعينهم ، وإنما منظومة فكرية كاملة – يسعي إلى العودة إلى المسار الشعبي الديمقراطي، ويتحسس مسار التاريخ الحضاري اليمني بمختلف مستوياته ومراحلة التي أكدت على الهوية اليمنية، ويتبني المسار التصالحي مع القيم الاجتماعية، ويري في الجغرافيا اليمنية مصدر قوة يجب النهوض بها.

 

رجال هذا المشروع يتجردون لأجل اليمن، ويقدمون التطوع بالجهد على الجهد بالمال، للوصول بهذا المشروع إلى مستوي الحدث والذي من الصعب تجاوزه داخلياً وخارجياً، قد لا نملك السلاح والمال، لكن للفضاء قوته، وهناك ميادين أخرى نحن قادرون على العمل بها، والأمر بحاجة إلى ثقة وإخلاص وتجرد.

 

إقرأ للكاتب أيضاً

مجلس القصر الملكي لحكم اليمن

 

شاركها:

شاهد أيضاً

توفيق الحميدي

 الطبقة السياسية وغياب فكرة الدولة

 الطبقة السياسية وغياب فكرة الدولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com