على شواطئ الأمير ..تأمَّلاً وحلماً

شاركها:

‏على شواطئ الأمير ..تأمَّلاً وحلماً

 

طارق السكري

 

لأحمد شوقي رحمه الله قصيدة طويلة في مدح النبي محمد عليه الصلاة والسلام . ارتأيت ونحن في يوم جمعة . أن أعرّج على ديوانه فأقتطف أبياتاً أربع نتأمل في جمالياتها ونحلق في فضاءاتها ، كي تكون باقة صلاة وسلام . فإن للشعراء طرائقهم الخاصة في الدخول على محمد بالتحية والثناء .

يقول الأمير :

 

وأسدتْ للبريةِ بنتُ وهبٍ

يداً بيضاءَ طوّقت الرقابا  

 

لقَدْ وَضَعَتْهُ وَهَّاجًا مُنِيرًا

كَمَا تَلِدُ السَّمَاواتُ الشَّهَابَأ

 

فقَامَ على سَمَاءِ البيْتِ نُورًا 

يُضِيئُ جِبَالَ مَكَّةَ والنِقَابَا

 

وَضَاعَتْ يَثْرِبُ الفَيْحَاءُ مِسْكًا 

 وَفَاحَ القَاعُ أرْجَاءً وَطَابَا 

 

يتحدث الشاعر الأمير في هذه الرّباعية الشعرية إلى مقام النبوة .. فنراه يحشد كل ما في طاقته اللغوية والبلاغية علَّهُ يصعد إلى مقام البلاغة والفصاحة النبوية . فإنه لكل مقام مقال ، ومقام النبوة المحمدية المنتهى في الجمال الأدبي فهو أفصح العرب صلى الله عليه وسلم . ولقد ألمح شوقي إلى ذلك بطرفٍ خفيّ فقال :

أبَا الزهْرَاءِ قدْ جَاوَزْتُ قَدْرِي

بِمَدْحِكَ بَيْدَ أنَّ لَيَ انْتَسَابَا

فَمَا عَرَفَ البلاغَةَ ذُو بَيَانٍ

إذا لمْ يَتَّخِذْكَ لَهُ كِتَابَا 

كما يتحدث الشاعر الأميرعن مقام النبوة أيضاً . فلئن كانت العظمة الخلقية والعبقرية الفكرية

صفتان رفيعتان تشرأبُّ إليهما أعناقُ الأفاضل من الناس في كل جيل وأمةٍ مِن همّة عالية ونفس سامية وفكر مترفّع عن الدنايا وسفاسف الأمور إلى ما فيه صلاح المجتمعات ، فإنه صلى الله عليه وسلم قد تجاوز مرتبة العظمة والعبقرية إلى مرتبة هي أشرف وأعظم من كل مراتب الدنيا الأدبية والفكرية ألا وهي مرتبة النبوة . 

يقول شوقي رحمه الله متحدثاً على سبيل الحكاية عن آمنة بنت وهب : 

وأسدتْ للبريةِ بنتُ وهبٍ

يداً بيضاءَ طوّقت الرقابا  

اللغة : وأسدت والإسداء في اللغة الإحسان . 

الصورة البلاغية : يلجأ الشاعر لإبراز أفكاره المجردة .. الغامضة في داخله ، إلى قالب حسي فني وتشكيل لغوي جميل يخاطب في القارئ / المتلقي مداركه الحسية فتستثير تلك الأقاويل الشعرية خيالات المتلقي وتستفز خواطره وتحرك مشاعره سلباً أو إيجاباً . وشوقي هنا كما نلاحظ أبرز فكرة “جوده” صلى الله عليه وسلم وكرمه في صورة حسية ترى بالعين وتحس بالجوارح ، وهي اليد البيضاء . واليد البيضاء كناية عن السحابة البيضاء التي تهل على الربوع بالغيث فيعمّ الخصب وتزهو الأرض . فجود السحاب المطر وجود نبينا صلى الله عليه وسلم الهداية والمعرفة والخلق العظيم . وقد جرت عادة الشعراء منذ القديم أن يشبهوا عطاء الرجل الكريم بما تجود به السحاب . فاليد البيضاء إذن صورة كنائية . وسرّ قوة الصورة الكنائية يكمن في تقوية المعنى وترسيخه عن طريق التلميح لا التصريح . 

وأما قوله آخر عجز البيت : ” طوّقت الرقابا ” فمن المقرر أن النفس تنكسر لمن أحسن إليها فكأن الأمم كلها قائمة في هذا البيت ماثلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متطامنة .. متواضعة .. تغمرها ظلال الخجل . في مشهد خيالي مهيب . 

فمعنى البيت : لقد أحسنت السيدة آمنة بنت وهب بأن أنجبت محمدا نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام . رحمة تتجاوز المحلية والقومية إلى العالمية والكونية . ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) آية الأنبياء . ولقد صدق شوقي . فإن لرسولنا الكريم مِنَّة في أعناقنا لا يعدلها أو يوفيها منَّا عمل حسن ولا قول جميل .  

 

 

لقَدْ وَضَعَتْهُ وَهَّاجًا مُنِيرًا

كَمَا تَلِدُ السَّمَاواتُ الشَّهَابَأ

 

ثم يأخذنا الشاعر الأمير وقد استهوته ذكرى المولد ، إلى أجواء السيرة العطرة ، لحظة عبدالمطلب وراء الباب ينتظر الخبر السعيد ، والبيت يموج بالحركة أجل : لقَدْ وَضَعَتْهُ وَهَّاجًا مُنِيرًا . إنه فلقة من القمر . تنفَّستْ وقت السّحرْ . إنه النسمة المباركة . 

ثم يتماهى شاعرنا مع اللحظة الجميلة تلك . فينشط الخيال ويتجاوز جغرافيا المكان متجهاً إلى الفضاءات النورانية ، فيقول على سبيل التشبيه . كَمَا تَلِدُ السَّمَاواتُ الشَّهَابَأ

وهنا يتناص شوقي مع قول الله تعالى في سورة الأحزاب في وصف نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام : ( وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) . 

الصورة البلاغية هنا : تشبيه . فالمشبه : آمنة بنت وهب .

المشبه به : السموات 

أداة التشبيه : كما

وجه الشبه : الإشتراك في صفة ولادة النور . فالسماوات تلد نجوما لامعة وآمنة تلد محمدا عليه الصلاة والسلام أزهى وأنور . 

وسر جمال التشبيه هنا : يكمن في تقوية المعنى وتوضيحه وجعله في المشبه ( آمنة ) أقوى منه في المشبه به ( السموات ) .

ولقد صدق شوقي . فكيف كانت مكة قبل مولده عليه الصلاة والسلام ؟ كانت مرتعاً للظلمات ومستنقعاً للغياهب .

 

ثم يستطرد خيال الشاعر ، وقد أخذته قدسية التجربة : 

فقَامَ على سَمَاءِ البيْتِ نُورًا 

يُضِيئُ جِبَالَ مَكَّةَ والنِقَابَا

والشاعر في هذا البيت يتناص مع ما ورد في السيرة النبوية يوم ولادة نبينا الكريم وما اعترى والدته من شعور بالرضى . فذكروا أن نورا خرج من رحمها حتى بلغ السماء . والشاعر هنا في هذا البيت يكمل وصف لحظة ولادته الشريفة التي شرع في ذكرها من قبل .  

أي فكان وجود محمد عليه الصلاة والسلام قمراً أهل على شعاب مكة وجبالها وبطحائها بالنور السعيد . 

 

وَضَاعَتْ يَثْرِبُ الفَيْحَاءُ مِسْكًا ** وَفَاحَ القَاعُ أرْجَاءً وَطَابَا 

اللغة : الضوع هو نشر رائحة الطيب .

الصورة البلاغية : لشدة ما تملك حب النبي صلى الله عليه وسلم واستولى على مشاعر وخيالات الشاعر فامتلأ به . رأى في ذيوع العطر ونشر المسك الطيب وعرف الأزهار والورود شبها كبيراً بينه وبين محمد عليه الصلاة والسلام . فنبينا في حكمته التي هي مضرب المثل وحلمه الذي تجاوز وفاق قدرات البشر وفصاحته التي أعجزت الشعراء وبزّت البلغاء إنما تشبه في ذيوعها ونشرها روائح النسائم التي تضوع بروائح الطيب والغمام . ولايخفى على المتأمل ما يشيعه ذكر لفظة ” المسك ” من راحة نفسية وشعور يجلب الطمأنينة . لقد كانت المدينة بشرا وحجرا وتربة يسكنها هذا الشعور الغامر بالأنس يدل على ذلك قول الشاعر : ( وَفَاحَ القَاعُ أرْجَاءً وَطَابَا ) .

إذن ! وعلى هذا النحو لاحظنا أن تلك الأبيات عبّرت تعبيرًا فنيًّا صادقًا في وصف لحظة ولادة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وما أعقب ولادته من خير ونصر وفتح . في لغة جزلة يحاكي بها طريقة القدماء في الكلام ، وفي صور شعرية قوية ومترابطة كأنها لوحة فنية مترابطة الأجزاء . زاهية الألوان . كانت العاطفة جياشة عرفنا ذلك من خلال تداعي الخيال وقوة الصلة بين الأبيات .

شاركها:

شاهد أيضاً

مارب.. تعويذة اليمنيون الأبدية

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم   نجيب جعفر    من العجب أن اليمنيين تتفجر فيهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − 14 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com