مرايا الروح

عليك السلام ياهرمان !

شاركها:

عليك السلام ياهرمان !

 

طارق السكري 

يفخر الكثير من القرّاء بأنهم ديدان كتب ! فما من رواية في قديم أو حديث إلا وقد التهمتها عيونهم التهاماً . وليس في هذا من بأس ، وليس من أجل هذا كتبت . ولا أفرض ذوقي على أحد ، ولكن عليّ أن أعترف أني قرأت أيضا الكثير من الروايات ولكني لست ” دودة روايات ” إن الغرض من الرواية وأساليبها الفنية وأحداثها المختلفة .. الحقيقة الإنسانية!
فعندما أقف على فلسفة كفلسفة الحياة والموت أو كفلسفة الجمال في رواية كرواية ” أحلام الناي ” فهي في الحقيقة ليست مجرد أسلوب أو لغة أو خيال جميل تنتهي بانتهاء القراءة ، وإنما هي حقائق تتعلق بالوجود . يستمر العقل في مناقشتها ومراجعتها والتربية عليها حتى آخر العمر .
فتاة تشكو قسوة أخيها .. فقامت بعمل رواية ! هذا شأن عائلي خاص فلماذا أقرأ روايتها ؟
بعض المفكرين أو التربويين لهم موقف من قراءة الروايات ولا يعدونها بابا من أبواب العلم أو المعرفة ويعتبرونها مضيعة للوقت، ولذلك فهم لا ينصحون القراء بها .
ولست ولله الحمد من هذا الفريق ولا أعد نفسي مفكرا ولا هم يحزنون . وعالم الكتابة الإبداعية مفتوح ولايوجد في الأدب موانع وحواجز .
قرأت رواية أحلام الناي في صغري .. وقرأتها في الثلاثين من عمري .. وها أنا في منتصف الأربعين أعود لقرائتها ثانية ! وفي كل مرة يعاودني الشعور بالرغبة في البكاء .
سألت نفسي لماذا ؟ هلا تسائلتم معي ؟ لماذا تدفعنا أعماقنا لقراءة قصيدة أو قصة أو كتاب ما .. كنا قد قرأناه من قبل ؟
أهي الحاجة للفن ؟
ولكن الجديد من المعارف والروايات لم ينته!
أهي الحاجة إلى المراجعة ؟
قد يكون ذلك أحد الأسباب . لكنه بالطبع ليس بالسبب الأهم .
بعد أن فرغت من قراءة رواية ” أحلام الناي ” وجدت أن عليّ أن لا أترك هذا الوهج الإنساني الذي تلبَّسني يمضي بسلام .

تبدأ ” أحلام الناي ” بـ :”قال أبي” .. يتحدث الغلام .. أن أباه أعطاه ناياً خشبيا صغيرا وأمره أن يذهب في جولة للعالم متخذا من تلك الآلة الموسيقية وسيلة للمعرفة والكشف وزرع الابتسامة ونشر الأمل . ثم يشرع في وصف الطريق بين الغابات من بيته إلى النهر الذي سيسافر عبره إلى العالم . يبتسم الغلام وتغمره السعادة عندما بدأ يشعر أن نحلة حطت على معطفه. قال في نفسه : ” الحمدلله سأجد رفيقا معي من البيت ” وهو في الطريق يجد فتاة في مثل سنه تحمل سلة طعام .. يتعرف عليها ويدور بينهما حوار طفولي .. ثم تطلب منه الغناء .. فيغني عن الطيور والنحلة التي وقعت على معطفه ثم ما لبثت تلك النحلة أن طارت في خط مستقيم عائدةً إلى البيت ، وعن فتاة صغيرة تحمل سلة طعام واسمها ” بريجريت ” . فتضحك الفتاة .. وتطلب منه وقد جلسا تحت شجرة كبيرة أن يغني لها عن الحب فيغني لها .. ثم تغلق عينيها وتطبق شفتيه بقبلة .. ثم تودعه بعد أن تركت في قلبه أثرا جميلا . حتى إذا وصل النهر وجد قارباً في انتظاره .. أخذته الدهشة ! وجد على القارب عجوزا .. فلم يستوحش أحد من الآخر .. ركب الغلام القارب دون أي حديث .. وانطلق القارب دون أي سؤال !! وبينما النهر يترنح بالقارب يدور بينهما حوار عن الغناء وعن العالم ، طلب العجوز من الغلام أن يغني فغنى الغلام عن النهر والظلال والغابات والجبال .. لكن العجوز لم يتأثر بما سمع ! أشار العجوز إلى الناي ، فأعطى الغلام الناي للعجوز ، وإذا بالناي يتحول على يد العجوز إلى ذلك البوح الإنساني الشفاف .. بوح أليم وعذب في آن . وإذا بالغابات والجبال والظلال تتبع أثرهما.. تسمّر الغلامُ مكانه ! وتيقن أن أغانيه الماضية كانت كلها عبارة عن أغان طفولية ، وأن الحياة طويلة وقاسية ! وإلا فما سر هذا الغموض والعمق الذيْن انبعثا من الناي على يد العجوز تلك الساعة ؟
أعاد العجوز الناي ..
… ثم يأخذ المؤلف في وصف تلك المشاعر الجياشة وصفاً شعريا رومانسيا أخاذاً .. فإذا بك ترى شخوص الطبيعة وسحرها ماثلة أمامك تنبض بالحياة .
وعندما أدركهما الظلام .. سأل الغلام : إلى أين الوجهة ؟ فقام العجوز من مكانه قائلا بعزم : هذا سؤال سخيف ! ولكن عليك الآن أن تجلس مكاني فتتولى القيادة . أخذ العجوز المصباح واتجه ناحية الغلام ، وقام الغلام متجها إلى الدفة ، وبينما العجوز يناول الغلام المصباح أخذ يتفرس وجه الغلام .. ثم جلس ! وعندما تهيأ الغلام ليستلم زمام الأمور ، ألقى نظرة خاطفة خلف القارب .. فحدث ما لم يكن بالحسبان !! لقد اختفى العجوز !
ورغم ما في ذلك الموقف من وحشة وخوف إلا إنه لم يستغرب ! كان يقول : “كنت أتوقع ذلك”! ! ويقرر أن يمضي وحده . وبينا هو يقود القارب .. مال برأسه على صفحة النهر قليلا والمصباح في يده ، فرأى في تلك المياه السوداء وجهاً قد أنهكته السنين .. متجعداً .. كثيف اللحية ! رمادي العينين .. فعلم ساعتها أن بيته والنحلة التي حطت على معطفه من قبل والفتاة الصغيرة “برجريت” .. لم يكن كل ذلك سوى أحلام انقضت وأنه لا يزال على النهر ذاهباً آيباً .. راحلا أبدا !

خاتمة فيها من الشجن ما فيها .. تنم عن مدى ألم الفنان في هذه الحياة العريضة وما يكابده من معاناة .. بحكم أن آلة الناي تمثل الجانب الروحاني في الإنسان .. الدعوة إلى الطهر والفضيلة والنقاء .. في عالم مادي .. قاس .. يتواضع للحيوان وينتهك حرمة الإنسان .. عالم يسوسه روحٌ شرير .. يتَّجِر بالحروب وبالنساء ويدعو إلى القبح والرذيلة .. مضلِّلاً الناس بشعارات زائفة باسم الديمقراطية والمدنية .. عالم ظالم .. لا يرحم .

قلت في نفسي : طالما والكاتب يريد من وراء هذه الأحداث أن يفلسف معنى الحياة والموت ..وهو يملك هذا البيان والجمال اللغوي والذهن الصافي الناصع .. فلماذا لم يعرض تلك الأفكار والآراء في مقالة أدبية أو صحفية ؟ لماذا لجأ للتعبير عن تلك الأفكار إلى الفن ؟
لأن للفن من الخصائص الجمالية والظلال النفسية ما لا يقدر عليه الأسلوب العلمي أو الأكاديمي .. استعان بالفن وجعله وسيطا لتلك الأفكار .
ولكن الكثير من الفنانين أو الشعراء أو الروائيين يملكون القدرة على التعبير بما يملكونه من مخزون لغوي وشعري .. فلماذا لا نجد في أنفسنا ذلك الأثر الجميل الذي يلح علينا ويصرخ بنا بين حين لآخر بالمعاودة والقراءة مرة أخرى ؟
ما السر ؟
اقرأ واحفظ دواوين من الشعر وكتبا من البلاغة ومجاميع من النحو والمعاجم .. فهل ستملك من خلال كل تلك الموسوعات .. ذلك السحر الشفاف الخفي الذي ينطفي ؟
إن الموضوع لأبعد من ذلك .. على ما للمعرفة من أهمية إلا إنها تظل وسائل لاتبلغ من النفوس الغاية المنشودة والأثر العميق الذي يشكل وعي الإنسان ولا وعيه .. إلا روحاً نظيفة اصطفاها الله للإنسانية المعذبة كما يصطفي الله أنبياءه الخلّص فيوحي إليهم ويجعلهم منارات فضيلة . وحي رسالة إلهية تختص بالأنبياء والرسل ووحي إلهام وإرشاد لأهل الأدب والفن .
إذن .. ليس الفن الغاية . وليس ” الفن للفن ” بالمذهب الصحيح .. بل السعي بالإنسان نحو الكمال هو الغاية .

• ” أحلام الناي ” مجموعة مختارة للروائي والكاتب الألماني/ هرمان هيسه الذي ابتدأ حياته شاعراً ثم تحول للفلسفة والرواية .. حاز على جائزة نوبل .

 

شاركها:

شاهد أيضاً

الذكرى 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

الذكري 32 لإعلان الجمهورية اليمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × واحد =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com