مجيب الحميدي
مجيب الحميدي

عن العلمانية وحقوق اﻹنسان والدولة المدنية

شاركها:

عن العلمانية وحقوق اﻹنسان والدولة المدنية

مجيب الحميدي

هناك تساؤلات مهمة في سياق الحديث عن مصطلح العلمانية والخلط بينها وبين قوانين تنظيم التعايش و تطور مبادئ وتطبيقات حقوق اﻹنسان في التجربة الغربية مقارنة بالتجربة الشرقية ومن هذه التساؤلات: كيف طورت التجربة الغربية سياجات قوية وحصينة للحقوق والحريات ولماذا فشلت التجربة الشرقية ؟ هل جاءت هذه العقود والقوانين مع العلمانية أو بعدها بعشرات السنين ؟ هل يعود ذلك إلى كون اﻹنسان الغربي أكثر خيرية من الإنسان الإفريقي الآسيوي أو غيره؟ يؤكد بعض علماء الاجتماع ان التجربة الغربية طورت سياجات قوية للتعايش ﻷنها شهدت أقبح وأشنع انواع الصراعات التي قبرت الملايين في الصحاري واحرقت الملايين في حروب النازية و الفاشية والشيوعية والاستعمار وأبادت السكان الاصليين في بعض الدول “وزرعت دولة عنصرية في قلب الوطن العربي على حساب تشريد الملايين من السكان الاصليين” ووصلت في توحشها بعد اكتشاف أسلحة الدمار الشامل و استخدامها؛ إلى مرحلة لم تعد تملك فيها أي خيارات غير الحفاظ على بقائها بتنظيمات صارمة للمواطنة والحقوق والحريات والتعايش بعقود اجتماعية جديدة، أو السير في طريق الدمار الشامل. وعلى كل حال فقد حدثت كل تلك الصراعات المريرة و التي انتهت بالحروب العالمية الكبرى في رحاب الدولة العلمانية الغربية قبل الاعلانات العالمية عن حقوق اﻹنسان والعقود والمواثيق الداخلية والخارجية . وفي المقابل كانت أحوال الشرق مختلفة إلى درجة كبيرة ويرى عالم الاجتماع “ماكس فيبر” أن الإنسان الشرقي كان أكثر عاطفية وروحانية و لا ينطوي على عقلية الإنسان الذئب ولم يتأثر بالأخلاق البروتستانتية التي ساهمت في تشكيل روح الرأسمالية الغربية، وأن الديانات الروحية في الشرق بما في ذلك المسيحية الكاثولوكية الشرقية تتسم بالزهد الروحي وتلتزم بحدود أخلاقية، لا يتجاوزها الإنسان الشرقي في صراعاته. وبناء على ما سبق أعتقد أنه عندما يتجاوز العقل الشرقي هذه الحدود ويصل إلى القاع الذي يستحيل معه البقاء سيطور وسائل تنظيم قواعد التعايش من واقع تجاربه وواقع احتياجاته واعتقد هنا أن تجربتي جنوب أفريقيا و الهند افرزتا تطورا ايجابيا ربما بصورة أكثر إنسانية ضمن سياقات صراعاتهما الخاصة . ومن واقع هذا التفسير الإجتماعي تتضح سطحية النظرات الوردية للتجربة الغربية عند بعض الحالمين الذين يتجاهلون السياقات التاريخية وينظرون إلى التجربة الغربية في تجلياتها الراهنة دون التأمل في الظروف التي أنتجتها وملابساتها الخاصة . ونتوقع أن تطورات تجاربنا في الصراع ستفرز آليات حل هذه الصراعات وفق نماذج ستفرضها حاجاتنا الطبيعية وتنسجم مع مرجعياتنا الثقافية ومن هذه النماذج نموذج الدولة المدنية ونؤكد هنا أن مصطلح الدولة المدنية نحت عربي ابداعي تفاعلي ولد من رحم الربيع العربي بروحه التوافقية الجميلة والانقلاب على المصطلح او ربطه بمصطلحات صراعية؛ انقلاب على روح الربيع العربي .
ومن غرائب غياب الكفاءة المعرفية في النقد والتتبع التاريخي المنهجي تصنيف بعض الأكاديميين في بعض الجامعات الاسلامية لمؤلفات في نقد وتتبع جذور مصطلح الدولة المدنية في الثقافة الغربية بطريقة تعسفية تقوم على إقحام تاريخ الدولة العلمانية بالدولة المدنية مع أن مصطلح الدولة المدنية معرفيا واكاديميا لا وجود له مطلقا في قواميس علم الاجتماع السياسي الغربي فهو اشتقاق عربي اصيل جاء في سياق الجهود التوفيقة، وبناء أرضية للتعايش بين التيارين اﻹسلامي والعلماني ولا معنى للانقلاب على هذه الروح التوافقية وإثارة مصطلحات صراعية إلا إعاقة جهود التطوير ومسيرة التغيير ولن يستفيد من ذلك إلا أعداء التغيير .
وبالعودة إلى الحديث عن التفسير الاجتماعي السابق لتطور التجربة الحقوقية الغربية؛ نؤكد أن الاعتراض النقدي بأن هذا التفسير لا يٌعد التفسير الوحيد للظاهرة اعتراضٌ له وجاهته العلمية فلا يصح الاكتفاء بتفسير اجتماعي واحد للتجربة الغربية في تطويرها لمنظومة حقوق الإنسان ولا ينبغي مثلا تجاهل تأثير الصراع الماركسي الرأسمالي في الضغط على التجربة الليبرالية لإنتاج قيم وقائية لحماية الحرية الاقتصادية وامتصاص غضب العمال و الطبقات الفقيرة كما لا يصح إغفال اﻹشارة الى تأثير الثورة الصناعية وضغط الرأسمالية لتأمين حريات الاسواق واحتواء الصراعات الداخلية. و ثمة عوامل متداخلة كثيرة ليست مرتبطة بسياق موضوع هذه التناولة .

إقرأ أيضاً

الحاجة إلى التأمل في الأحلام المجهضة للتجارب العربية في التحول الديمقراطي

 

أزمة الدولة الوطنية العربية كما يشخِّصها هشام جعيط

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور مصطفى الصبري

الدكتوراة في الإعلام للباحث مصطفى عبدالرحيم الصبري من جامعة AMU في الهند

الدكتوراة في الإعلام للباحث مصطفى عبدالرحيم الصبري من جامعة AMU في الهند

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة عشر + 12 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com