الدكتور فيصل علي
الدكتور فيصل علي

في الذكرى 4 للانقلاب الفاشل في تركيا.. أنا ضد الانقلابات

شاركها:

في الذكرى 4 للانقلاب الفاشل في تركيا.. أنا ضد الانقلابات

 

فيصل علي

 

كان ظهور الرئيس التركي أردوغان عبر تطبيق الفيس تايم عشية انقلاب “بنسلفانيا” – المدعوم من بعض قادة الجيش التركي وبعض الأنظمة الاقليمية المتربصة بالشعب التركي وبتجربته في التحول الديمقراطي منذ بزوغ نجم حزب العدالة والتنمية في 2002- إيذاناً بتحول عالمي في مفهوم الانقلابات، السيطرة على بعض وحدات الجيش بما فيها القوات الجوية والبرية والسيطرة على القناة الرسمية للإعلام التركي لم تكن كافية لمواجهة ظهور الرئيس عبر الفيس تايم، فمجتمع الشبكات بات في هذا العصر يمتلك من القوة ما يفوق قوة جنرالات الجيش وطائراتهم ودباباتهم، فالانقلاب في عصر العولمة، عصر ما بعد الحداثة يختلف عن الانقلابات في العصور السابقة، فلم تعد الأمور بتلك السهولة. مثال ذلك في تركيا نفذ الجيش أربعة انقلابات بدأت في العام 1960 وانتهت رسمياً بالانقلاب الخامس الذي انتهى بالفشل والخزي الذي رأيناه. الرئيس الذي بدا عليه القلق في تلك اللحظات العصيبة قام بخطاب الشعب الذي فوضه بقيادة البلد، وفوض حزبه في إدارة الحكومة عن طريق الانتخابات الحرة.

 

فبمجرد حدوث انقلاب والمس بالدولة وسلطاتها وشرعيتها تعود الشرعية لصاحب الحكم والأمر والنهي وهو الشعب وحده لا شريك له، حينها قال الشعب التركي كلمته وخرج للشارع استجابة للرئيس، وقياماً بالواجب المنوط به كشعب حرص على أن يحافظ على مؤسسات دولته. لذا استند الرئيس في خطابه على الشعب التركي الواعي، كما أستند إلى كل المخلصين للدولة التركية في مختلف مؤسسات البلد من رئيس قيادة أركان الجيش التركي وضباط البحرية التركية وأجهزة الأمن والاستخبارات التي تعتمد الدستور والقانون التركي أساساً مرجعياً لها. كما أن الخطاب وظهور الرئيس وعودته إلى إسطنبول اليوم التالي للانقلاب حرك المياه الراكدة ولامس النخبة التركية التي رفضت الانقلاب، الأحزاب السياسية قالت كلمتها علناً على لسان زعيم حزب الشعب الجمهوري (كليجدار أوغلو) والذي قال ” تركيا عانت من الانقلابات وسندافع عن الديمقراطية”، المعارضة أثبتت ولائها للدولة فالانقلاب في عصر العولمة ليس محلي الصنع والتمويل والتخطيط!، أدركت النخبة أن الدولة في خطر فقامت بعمل اللازم ولم تسلم قدر تركيا “لبنسلفانيا”.

 

لماذا أنا شخصياً ضد الانقلاب كمبدأ سواء كان الانقلاب في بلدي أو في أي بلد أخر؟ هذا لا يدل على أفضليتي على غيري فكثير من الناس يتفقون معي على أهمية الاستقرار للبلد، وهذا لن يكون بدون وجود دولة، أو في ظل اختلال وظائف الدولة بفعل الانقلاب، مما يساعد على انهيار النظام القائم وتعريض البلد للفوضى، أنا شخص أؤمن بحتمية وجود الدولة ومؤسساتها. كما أنه من المسلمات لديَّ أن عملية التغيير قد تتطلب عملاً جباراًً كالثورة إذا ما تم إيقاف عملية التغيير والتطوير والبناء وبانت في الأفق نُذر انهيار الدولة فالثورة هي المُنقذ الحقيقي للدولة في هذه الحالة، إن الإيمان بالدولة لا يأتي من فراغ بل من إدراك كل مواطن لمسؤوليته تجاه وطنه، فمن أين سينعم الشعب بالمواطنة الكاملة عندما تسقط الدولة بناء على رغبة نفر من الناس الضعاف الذين لا يدركون العواقب؟! سلموا أنفسهم ومستقبل الشعب لبعض الذين يرون في بلدنا مجرد ربح إضافي سيعود بالفائدة عليهم وعلى شركاتهم وعوائلهم

 

لذا فالإيمان بالدولة والمواطنة سيقودنا باتجاه واحد لا ثاني له، سيقودنا نحو الإيمان بإرادة الشعب وحقه في تقرير مصيره عن طريق التغيير السلمي الديمقراطي، وهذا يحتاج إلى وضع قواعد لميدان الصراع السياسي تحت سقف الدولة وتطلعات الشعب، بحيث يأتي التغيير الديمقراطي بالخير والنفع على الشعب وينقل الدولة ومؤسساتها من وضع إلى أخر يتناسب مع المرحلة. من يؤمنون بالانقلابات يتجاوزون كل المراحل ويقفزون على كل الأسقف ليذهبوا نحو نشر الفوضى العدمية، لقد شاهدنا انقلاب مصر وماذا تجنى على دولة كان يفترض بها أن تكون دولة مركز في الشرق الأوسط وحولها لتكون مجرد لاعب سيئ الحظ “يبحث عن رز خليجي”، وعشنا في اليمن انقلاب ميليشاوي سيء الذكر يريد إعادة صناعة الكهنوت الخشبي في العصر الرقمي، لقد أعاد الناس إلى ما قبل مرحلة الوعي وإلى مراحل بدائية منحطة حيث يؤمن الناس بجيناتهم أكثر من الإيمان بالهوية والأمة والدولة والوطن. العلمية الانقلاب في اليمن نسفت جهود ستين عاماً من التحديث والتطوير والعمل المدني والحزبي.

 

عندما شاهدتُ محاولة انقلاب في تركيا وأنا مواطن مشرد من بلدي أدركت أن هناك من يريد تشريد شعب أخر نتشارك معه في الجغرافيا والأخوة والتاريخ، وبالإمكان أن نتشارك معه يوماً ما في الاقتصاد والعمل الذي يخدم الشعبين بغض النظر عن الأحزاب الحاكمة، بكل وضوح شاركتُ من خلال مجتمع الشبكات السيبرانية في رفض هذا الانقلاب في تركيا. سجلت ملاحظات على صفحتي في الفيسبوك وعلى شكل تغريدات في تويتر، وصورت منشورات وتغريدات لصحف خليجية إماراتية وسعودية تم حذفها بعد فشل الانقلاب، من كل قلبي كنت سعيداً لأجل الشعب التركي، ومارستُ حقي يومها في الشماتة من عشاق الانقلابات. العالم صار قرية كما يقول (ماكلوهان) ليس من المقبول وقوع انقلابات تزيد من عذابات الشعوب، ومالا نقبله لأنفسنا في اليمن لا نقبله لغيرنا في العالم. سيذكر العالم في المستقبل تشاركنا نحن النشطاء بالتمسك بالدولة والقيم، وسيسخر من الأنظمة التي كانت تفتش ذواكر تلفونات النشطاء التي تحوي علامات رفض الانقلابات كرمز رابعة الذي ابتدعه الرئيس أردوغان.

شاركها:

شاهد أيضاً

مارب.. تعويذة اليمنيون الأبدية

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم   نجيب جعفر    من العجب أن اليمنيين تتفجر فيهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + أربعة =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com