خالد بريه

قلق النهايات

شاركها:

قلقُ النهايات!

بقلم: خالد بريه

خالد بريه

يحدثُ أن تتمنىٰ في لحظةِ شعور مزدحمٍ بالإنفعالات، مشاركة الكاتبَ في ترتيبِ النِّهاية التي توشكُ أن تصلَ إليها!
طالما غضبنا من الروائي الذي خالفَ توقعاتنا، أو بمعنى آخر، خالفَ رغباتنا في النهاية التي نتمناها لمن يمثلنا في بطنِ الرواية!
وحده الكاتب، يخلقُ الأبطالَ والمكانَ والزَّمان، ويختار النِّهاية التي تروقُ له، بحسب الحالة الشعورية التي يمرُّ بها، بإمكانه اختصار المسافات، وتحدي المستحيل، والجمع بينَ المتناقضات، لا لومَ عليه، لأنه يحتمي بحصنِ الإبداع، بإمكانه أن يعيدَ الغائبَ المنتظَر، وينهي فجيعة الموت، وبؤس الفراق، كما إنه يستطيعُ أن يتركَ الأبواب مواربة للتكهناتِ والتخيلات، ورسم النِّهاية التي تروي ظمأ فضولنا!
النهاية النموذجية النَّمطية تضفي على القارئ سطوة الإنتصار المعهود في الذهن، عودة الحق، عودة البطل، انتصار الحب، انتهاء الظلم، زوال الظلام…. لكن ثمة من يصدمكَ بعنف، بنهاياتٍ غير متوقعة، مقلقة، لا تلتفتُ إلى إحساسِ المتلقي وتمنياته، تهدفُ إلى إخراجكَ من دائرةِ النهايات الشَّاعرية التي يصعبُ تكررها في كلِّ حدث، وإن اجترَّها الكاتبُ اجترارًا مراعاةً لنفسيةِ وشعور القارئ!
في رواية “كفَّارة” لـ “إيان ماك إيوان”، حدثَ أنَّ كاتب الرواية كانَ سببًا حقيقيًا في مأساةِ رجلٍ وفتاة، كان سببًا في البكاء، والألم، وليالي الشتاءِ الباهتة، وقسوة الحرب المخيفة، كان سببًا في التفريق بين روحين، بدواعي الحسد، والجشع الإنساني، والشعور بالإنتقام، وانتصارًا للنَّفس، ولو كانَ انتصارًا وهميًّا، سرعان ما أفضى إلى عذابٍ داخلي لم يتوقفُ جرَّاءَ وطأةِ الضمير!
لهذه الأسباب، لم يرد الكاتب أن يصدمَ القارئ بنهايةٍ مظلمة، محرقة، فرمى بالحقيقة والواقع، وقدَّم نهايةً شاعرية تنمُّ عن عطفه و إحسانه، ومراعاته للقارئ الذي أنهكته الأحداث منذ بدايتها، وتكفيرًا عن الأحداثِ التي كان سببًا فيها.
” يروقني أن أتخيلَ بأنني عندما أدع عاشقينِ على قيدِ الحياة، وأجمع بينهما في نهايةِ المطاف، فإنَّ ذلكَ لا يتأتى عن ضعفٍ أو مراوغة، بل إنما هو عملٌ أخير من أعمالِ الإحسان، وهو موقف ضدَّ النِّيسان واليأس”.
بهذه النهاية وهبَ الكاتب الحياةَ لهما، لينتهي بهما المطاف إلى نهايةٍ سعيدة، يقفانِ جنبًا لجنب فوق رصيف عتيق، جنوبي لندن، يتذكرانِ لحظة الخلود الأولى التي القتيا فيها!
لكنَّ الحقيقة أنَّ “روبي وسيسليا” تمنَّعَ القدر وأبى أن يجمعَ بينهما منذ افترقا في ساعةٍ متأخرة من الليل؛ بسببٍ وشايةٍ كاذبة، ليقضي “روبي” أربع سنوات من عمره في السجن، ثم انتقل للقتال في جبهات الحروبِ القائمة عوضًا عن البقاءِ خلف القضبان!
بينما بقيت “سيسليا” في انتظاره سنوات طويلة تعدُّها عدًّا، وتمني النفس على أملِ اللقاء به، وتعيش من خلال كلماته التي تصل إليها ما بين حينٍ وآخر، تحملها رسالة، وفي الوقتِ الذي كانَ من المفترض أن يلتقيا مجددًا بعد كلِّ هاتيك السِّنين، وانتهاء الحرب، يموت “روبي” نتيجة تقيحات أصيبَ بها، وهو في انتظار سفينةٍ تقله إلى “البيت الخشبي” الذي تسكنُ فيه “سيسليا”، ثم تموتُ “سيسليا” وهي في حالةِ ترقبٍ وانتظار، إثرَ انفجار قنبلة في محطة قطار القادمين من الحرب!
وعوضًا عن هذا الختام الذي يُدمي القلب، ويثير كوامن الحزن، نزَعت إلى نهايةٍ رومانسية لذيذة؛ كهبة أو عطاء مستحَق لأبطالِ الرواية، وللقارئ المتوجِّس من قلقِ النهايات!
“لقد منحتهما السَّعادة، لكن هذا لا يفي بالغرض كي أجعلهما يغغرانِ لي”. قال الكاتب.
* من صفحة الكاتب على موقع facebook
شاركها:

شاهد أيضاً

ليالي الجَحْمليةْ

ليالي الجَحْمليةْ   *فيصل علي    الجحملية: اليمن الصغرى  الجحملية: مزيج من الجرأة والمغامرة والمشاغبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − واحد =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com