قلم خفي.. نصوص أدبية خارجة عن حدود التقويم

قلم خفي.. نصوص أدبية خارجة عن حدود التقويم

شاركها:

قلم خفي.. نصوص أدبية خارجة عن حدود التقويم

 قلم خفي
قلم خفي

توفيق محمد القرشي

“قلم خفي” ، للكاتبة المبدعة نسرين حميد، والصادر عن مكتب الثقافة تعز، كتاب يحتوي على مجموعة من النصوص القصيرة الرائعة المؤثرة، والتي وضعت في طيأتها الكثير من الجروح التي تلامس الوطن اليمني الذي يعاني من صراعات ومشاكل لا حصر لها، حيث لخصت الكاتبة جانب من معاناة، فذهبت تستغل الظروف السياسية والمجتمعية والثقافية الآنية للمجتمع اليمني كي تضع أصبعها على موضع الوجع، والمعاناة الذي يتجرعها الشعب اليمني من أوجاع الحرب، والفقر والحاجة، و الضياع والجوع والألم.

لأسلوب الكاتبة نمط أخاذ مبسط يجعلك تقرأ كأنك ترى وتتامل في أفق الذات وتتفاعل مع مايحيط بها، وفق سياق متأمل مغموس بعواطف مرهفة أرخت بدفئها على بنية النص التي تمت صياغة تعابيرة وفقراتة بأسلوب أدبي متميز رغم إنه الإصدار الأول للكاتبة فالقادم ينبئ بما هو أجمل و أبدع.

في النصوص الثلاثة الأولى: “إلى إبنتي ” و “إلى أبي” و ” إليك” والتي جاءت معنونة تحت «رسائل لم يحملها البريد » ، تبدأ الكاتبة النص بجُمل تكون مُنطلقاً لتحرك جذور النص فتكتب: ” تاريخ .. خارج عن حدود التقويم ،من
شهر إضافي في سنين الحزن ”

“البداية .. لا بداية تقود إلى نهاية هنا ، ولا نهاية تُقفل عند أسوارها مشاعر الأسى ، ومع ذلك نكتب دون توقف ! نركض دون عجز !
ننهض بعد كل خيبة ! ونضحك حينما يفرض علينا البكاء .. !” .

عادة ما أعيد قراءة هكذا نصوص قصصية أو شعرية أو روائية تثيرني بحمولتها وإبداعها وتأخذني في رحلة مع الروح والعقل إلى عنان الفضاء البعيد، فأُحَلِّقُ به مع شِغاف الفؤاد وملكات العقل إلى عوالم أخرى. وحينما أقرأه وأتذوقة وأحتسية وأغوص في ثناياه بين السطور، يتنامى عشقي للكلمة المكتوبة ، فأجد نفسي عندما أقراء مثل هكذا نصوص تتوسع في أعماقي مفهوم العشق وتترنح بين أناملي الحروف ، وأغوص في ذلك العالم لأجد نفسي أحاكي ولعاً للغة وللحرف والنص ، ربما ليس من السهل أن يستطيع كاتب ما أن يشبع رغبتك في شرب النصوص وهضم مفرداته المتناثرة في السطور إلا من يملك ملكات فطرية في عالم الكتابة الإبداعية في الأدب وأغراضة ، وهذا لم يأت من فراغ بل هو عصير وزبدة زمان القراءة وعشق الكتاب ، وقد صنعته الكاتبة المبدعة نسرين حميد بصبرها وإيمانها الصادق في قدرتها الذاتية ، كي تصنع من شخصيتها تلك الكاتبة المميزة ، التي نسجت خيوط نصها القصصي بكل إحترافية ، وجعلت من نفسها تلك الكاتبة التي أعطت لنصوصها الحرية في التعبير وتقمصت فيها جميع الأدوار بشكل ممتاز لإبلاغ الرسائل الضمنية والتصريحية للقارئ بطريقة سلسلة، كما أن سردها للنصوص إعتمدت على أزمنة مختلفة من خلال العلاقة الثلاثية : الماضي ، الحاضر ، المستقبل، وهذا جعل الكاتبة تتلاعب بمفردات النص بطريقة فنية وأدبية ينم ذلك عن تنوعها الثقافي الزاخر الذي يسمح بامتزاج للثقافات والتاريخ ويرسم خيالات الإبداع ، ويحلق بالنص في سماء مخضبة بفنون إبداعية متنوعة والذي بدوره يساهم في شد إنتباه القارئ ويثير في دواخله تلك الزوبعة والشطحات الفكرية ، والتواجد الوجداني ليشاركها أحداث النص.

نصوص “قلم خفي ” تباينت بين الذاتية التي دخلت إلى مشاعر الكاتبة وعواطفها الجياشة أمام أحداث ومواقف إنسانية ضمن صور تجتمع في صفحات الكتاب حيث اعتمدت الكاتبة على الشكل الحديث في رصد المشاعر من خلال تأثرها بالطبيعة المحيطة والبيئة والنواحي الجميلة التي كونت من خلالها النصوص التي جاءت على شكل ومضات لطيفة ترسل القراءة إلى عوالم جميلة وممتعة، وما يزيد تلك النصوص جمالاً و تميزاً هي أن الكاتبة أجادت و أبدعت في إختيار مواضيع وأفكار عالجتها نصوصه .. إضافة إلى ذلك الأسلوب الفني الرائع التي إستطاعت الكاتبة أن تصيغ به أفكارها لتجعل القارئ يتابع تلك النصوص بشوق وإثارة . وما الإبداع إلا روح الدهشة .. ومن المعروف أن نجاح النص يرتكز على عدة عناصر منها: الفكرة .. أو الجوهر.. الصياغة المتقنة.. اللغة… وكثيراً ما نجد نصوصاً لبعض الكتاب تعالج أفكاراً مكررة إلا أن الكاتب المحترف والمتمكن من أدوات الكتابه هو الذي يقدمها بصيغة وأسلوب مشوق.. وبذلك يعوض تكرار الفكرة بجودة الأسلوب.. وهناك من يختارون أفكارا لم تطرق من قبل .. أو أن متناولاتها قليلة.. وبذلك يحقق الكاتب كسباً بين القراء..خاصة إذا ما البس الفكرة ثوباً فيه من الإدهاش مايظهر به جمال النص ، وأي كاتب يريد أن يتفنن ويبدع في إنتاج نص أدبي يحتاج الكاتب أن يمتلك قدرة عالية على التعبير من حيث ربط الشيء بشيء آخر ،وأن يكون شديد الملاحظه بطريقة تمكنه من تصوير المشهد المراد إيصاله مع القدرة على إنتقاء الكلمات و إختيار المفردات والعبارات التي يريد إيصالها بشكل دقيق عن مكان أو زمان أو عن شخصيات معينة أو مشاعر وعواطف وإنفعالات، فتأتي الكتابة لتنتشل جمله من التبعثرات الداخلية التي يشعر بها الكاتب وبقدر إمكانياته اللغوية يحاول إخماد نيران تلك الذكريات والخيبات التي كانت تسيطر على الواقع الخارجي، وكان القلم هو السلاح الوحيد أمامه القادر على إعمار روح أرهقها الخراب،وإعادة الأمل للنفوس التي شوهتها مآسي الحياة، ولطالما كانت الموهبة هي المسوغ الأساسي لحركة النص، فالنتيجة هي الابهار في نصوص قلم خفي والتي سكبت من خلالها الكاتبه نسرين أحاسيسها ومشاعرها بصورة إنسانية متقدة وكما هو ملاحظ في القسم الأول من الكتاب، وفي القسم الثاني جاء على شكل خواطر نثرية تلامس الوجدان والمشاعر إستخدمت من خلالها الكاتبة نسرين مفردات فيها من الجمالية والتعابير الكثيرة أدخلتنا إلى عوالم خيالية جميلة، سبحت بأفكارنا في فضاءات واسعة تطل على موانئ الأحلام.

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب،إذا قلت أنّ الكاتبة نسرين حميد – ستمثّل في المستقبل القريب على خريطة الإبداع اليمني أيقونة مهمة، وستكون لها خصوصيتها، وستكون حالة خاصة من حالات الشأن الإبداعي.

وعن حالة الساحة الأدبية والشعرية اليمنية في ظل التوترات العرقية و العصبية والدينية والسياسية و الحروب المتواصلة على بلدنا، وفي ظل واقعنا اليمني المغطى بالسواد والظروف الإجتماعية والإقتصادية والنفسية والعاطفية،والتي بدورها غيرت منهحيتنا في الكتابة وفرضت نفسها على نتاجنا الأدبي والشعري، فتجد من يكتب من أجل السيطرة على الأمور ونجد البعض من يلجأ إلى الكتابة من أجل الهروب من هذه الأوضاع، وخلق أجواء إفتراضية خاصة به يشعره بالطمأنينة، و بالسعادة والأمان، ومع هذا و ذاك يتبين أن لدينا منتج ابداعي في الساحة الأدبية مع وجود جملة من العوائق أولها “قلة الإنتاج بحد ذاته وغياب المؤسسات المعنية بذلك وعدم وجود آلية تأخذ بيد الشباب الطامحين لتقديم منتج فني و أدبي وشعري الى جانب التكلفة المادية الكبيرة للطباعة والنشر، وبعيداً عن تلك الصعوبات إلا أننا بإنتظار التعافي لبلدناوعندها ستفتح أمامنا مساحات جديدة من الإبداع”.

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور فيصل علي

بين التاريخ والأدب الروائي

بين التاريخ والأدب الروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com