كيد الحبايب

شاركها:

كيد الحبايب

علي الحسام

بعد صلاة العشاء كان لقاؤنا .. أهلا بصاحب البلاد، مرحبا بالشراعبة كلهم، أين أنت هذه الأيام؟ أخبرني أنه بعد خروجه من صنعاء المنكوبة “بعلازق” السلالة وبعفاش حليف إيران الأول في اليمن، قد ذهب للتجارة، وهو ليس الشرعبي الوحيد الذي غيرت الحرب الملعونة أقداره، صار تاجر بلح، اللهم ارزقنا من البلح ما كان “سكري وبُرحي”، واصرف عنا بلح تهامة وحضرموت المليء بالحصى والشعر والقمل، من أين تجلب البلح يا صاحب البلاد؟ من الإمارات!! الإمارات فيها بلح أول مرة أعرف هذه المعلومة، الذي أعرفه أن فيها معارض سيارات رولز رايز ورنج روفر، وعطور، لم أكن أعلم قبل اللحظة أن هناك تمر إماراتي، الله يوفقك يا صاحبي.

وحينما سألني وأنت ماذا تفعل؟ قلت له أفكر بتجارة التمر القطري! قال أعوذ بالله أنت صحفي وأظنك تريد القول أنك ستعمل مع الجزيرة، قلت له هذه فرضية لابأس بها والجزيرة أفضل قناة من حيث رواتبها، قال اتقي الله يا أخي.. اللهم أجعلني من المتقين، ما علاقة التقوى بالبلح يا صديقي؟ سألته.

بعد حديث طويل كان صديقي السلفي قد حثني على التزام العقيدة الصحيحة، قائلا أن قطر قد انحرفت من يوم أن سمعت القرضاوي، ضحكت .. وقلت اللهم اكفنا شر البلح بمختلف أنواعه، إلا السكري يا الله فعبدك يحبه جدا.

تأثرت جدا بشهادة الصديق عيدروس في فيلم كيد الأشقاء والذي انتجته الجزيرة وأعده وأخرجه الصديق جمال المليكي، لدرجة أني تذكرت قصة التمر أعلاه وكانت غائبة عن الذاكرة، دموع عيدروس عزيزة على قلبي، فهي بالنهاية دموع يمنية، الفيلم مبهر من حيث حركة الكاميرا وصوت المعلق واللقطات المتنوعة، ما ينقصه فقط هو النص المتماسك كمادة تحريرية استقصائية، نعلم جميعا أن للإمارات أعمالا قذرة في اليمن والعالم العربي، شيخ الإمارات أشبه بالشريف حسين ملك العرب الذي منحته بريطانيا ملك العرب بعد أن باع نفسه وبلاده للاستعمار تحت شعار الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية، وفي نهاية الحفلة حصل على حفنة من التراب انزوت وتوارت خلف العقبة، لا التاريخ ولا الجغرافيا ولا الديموغرافيا ستساعد الإمارات على لعب مثل هذا الدور الأكبر من الحلم، ليته يسمع ‘جارة نحنا” وهي تقول لأحدهم “قبض على حنأك يحنأ” إلا أن جارتنا لا علاقة لها بالسياسية ..

الفيلم بدأ كصندوق أسود مصنوع بعناية نجار محترف، لكن داخله شبه فارغ؛ وثلاث قصص الأولى لعيدروس القباطي، وقصته أكبر من أن يحتويها صندوق الجزيرة، وعيدروس ليس وحده في هذه القضية، هناك من يشاركونه نفس التجربة المريرة، والحديث حول هذه القضية يطول وأهلها لا يريدون الحديث عنها وعنهم ولذا لن نخوض فيها احتراما لهم فهم أصحاب الحق، كما أن إقحام قصة عيدروس في الفيلم أضعف المنتج من حيث أراد المخرج تقويته، سجون الإمارات في أراضيها قصة مختلفة تماما عن سجون الإمارات في اليمن. وكان يسع المخرج الفصل بينهما.

الصورة الثانية هي شهادة مصور العربية عبدالله صلاح ضد زميله محمد العرب بحاجة إلى تحقيق مستقل ليس محله لا الجزيرة ولا العربية، والخلافات بين الإمارات وقطر يجب أن لا تنعكس على اليمن بأي شكل من الأشكال، وعلى الزملاء اليمنيين العاملين في العربية والجزيرة وما إليهما من وسائل إعلامية وقنوات أن يتذكروا جميعا أن القضية اليمنية أهم من وظائفهم ومن هذه القنوات ومن قطر والإمارات الواقعتان على مجرى السيل، فهما معرضتان للمسح عن الخارطة ولا ماضي ولا حاضر ترتكزان عليه ولا مستقبل مضمون والهلال الشيعي العربي خارطته شبه جاهزة، وبدلا من حماية مجتمعاتهم من الجرف والتجريف القادم مهتمين باليمن وأهل اليمن وتعكير الأجواء فوق ماهي معكرة، قطر دعمت الربيع العربي والإمارات دعمت الثورة المضادة، وفي النتيجة استوردتا مشكلات عصية على الحلول.. وسائل إعلام موجهة لا تبحث عن الحقيقة، تبحث فقط عن إثارة مشكلات لمن تختلف معه، واليمن وشعبه يجنيان آثار الصراع.

فيما يتعلق بمسجد كوفل يومها أردت أن العن من بنى مسجدا في واجهة الجبهة وجمع الناس للصلاة، هذه أرض معركة وليست مدينة آمنة ليتجمع الناس في مسجدها، لكن يومها تراجعت عن الحديث في هذه القضية فهناك دماء مازالت لم تجف والناس مذهولين، ومن أنا لأتحدث عن صلاة الخوف وهناك في المعركة من هو أفقه مني وأحرص، وسواء قصفته الإمارات -وهذه فرضية جديدة- أم قصفته ميلشيات الانقلاب، فمن بناه وأذن فيه وأم وخطب مسؤولين أمام الله وأمام الشعب عن تلك الكارثة .. كارثة جمع الناس في مسجد داخل جبهة ملتهبة.

الصورة الثالثة لكيد الأشقاء كانت حول سجون الإمارات في اليمن، وشهادة أهالي المعتقلين، وقد تناولتها الأخبار والتقارير كثيرا، ولا جديد في هذه الشهادة إلا تمويه الأصوات والصور، وكثيرا ما علقت أنا وغيري على هذه السجون بغرض الضغط على الإمارات لكف يدها عن الناس، وترك القضايا الداخلية للحكومة اليمنية والسلطات المحلية في عدن وحضرموت، هناك حقائق مؤلمة، وهناك صمت مطبق من الحكومة والشرعية، والأخطر من ذلك هو صمت الأحزاب اليمنية خوفا من الإمارات التي أصبحت مصدرا لتمويل تلك الأحزاب، وصارت تعد البعض بتحسين أوضاعهم في المستقبل، والأفظع من كل ذلك هو صمت النخبة واختفاء دعاة الحرية والحقوقيين والحقوقيات والمزايدين والمزايدات، لقد بتنا كبشر في بلدنا كمواد قابلة للتجارة، الصمت عن الانتهاكات تجارة رخيصة، هذه دماء وأوجاع وعذابات يتعرض لها الناس بدون وجه حق وخارج القانون، وهنا أسجل شكرا خاصا للجزيرة فهي أول من فضحت هذه السجون وتناولتها، ولا يهمني هنا إن كان ما فعلته الجزيرة في هذه النقطة بالتحديد نكاية في الإمارات وغيرها، يهمني أن تسريب المعلومات كان ضروريا لأجل تحرك الحكومة اليمنية ولأجل تحرك المنظمات الإنسانية الدولية للضغط على الإمارات التي وجدت فراغا في اليمن وملأته بالوحشية والقمع دون قانون أو مبرر، بالإضافة إلى انكار كبير من قبل حكامها.

وأخيرا أنا لم أعد زبونا عند شاشات التلفزة وأخر مرة شاهدت فيها التلفاز كانت في يناير 2015 مع أبي وأمي وهما يتابعان الأخبار عبر الجزيرة والعربية والحدث، بالتالي فتأثير القنوات على رأيي صار في حكم المعدوم، من يتعرض لوسيلة إعلامية يتأثر بها كما تقول دراسات التعرض لوسائل الاعلام والتي تفيد بأن الإعلاميين أكثر من يتأثرون بالإعلام لكثرة تعرضهم لرسائله، أخذتني وسائل الإعلام الجديدة وناسبت عزلتي وانطوائي، وأختار ما أشاهده عبر اليوتيوب، ولا شيء تفرضه علىَّ وسائل الإعلام، والقضايا والأحداث تفرض نفسها، وكنصيحة للجميع خذوا من وسائل الإعلام ودعو .. وليس شرطا أن تصدقوا كلما يقال، يسعكم ما قاله نزار: “وأنا أصدّقُ كلَّ ما قالَ النبيذ .. وربعَ ما قالتهُ مايا” والربع كثير ..

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور فيصل علي

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × خمسة =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com