يحيى الحمادي /نوستالجيا
يحيى الحمادي /نوستالجيا

نوستالجيا

شاركها:

“نوستالجيا”

يحيى الحمادي /نوستالجيا
يحيى الحمادي /نوستالجيا

حَنِينٌ إِلى كُلِّ صَـوتٍ يُشِيرْ
وما مِن قَمِيصٍ له، أَو بَشِيرْ

وزِفتٌ على لَافِتاتِ الدُّرُوبِ الّـ
ـتي بين عَظمٍ ولَحمٍ تَسِير

وعَينَانِ ما زالَتا في كِتابٍ
تَغُوصانِ، رغم اتّضاحِ المَصِير

وما زال في البَحرِ لحنٌ طَرِيٌّ
وفي البالِ صنّارَةٌ تَستَثِير

وما زال في جَحفَلٍ حِميَرِيٍّ
(دُوَيدُ بنُ زَيدَ بنِ نَهدٍ) يُغِـير

وما زال ثَأرُ (امرِئِ القَيسِ) يَهمِي
كَنـافُورةٍ في مَساءٍ مَطِير

ولِلـ(ـشّنفَرَى) كُلَّ يومٍ مِطَالٌ
مع الجُوعِ؛ والجُوعُ مَوتٌ عَسِير

ولِلـ(أَفوَهِ المَذحَجِيِّ) اختِناقٌ
بِأَنـبـاءِ هذا الزَّمانِ الحَقير

ولَمَّـــا يَزَل (حاتِــمٌ) حاتِمِيًّا
ولــكــنّــهُ أَهــلَـهُ لا يَــمِــير

وما زال بين ارتِحالِي وحِلِّي
جدارٌ، وقَبلِي وبَعدِي شَفِير

ورَمضاءُ (زَيدٍ) إِلى نارِ (عَمرٍو)
تُـؤدِّي.. وما زِلتُ لا أَستَجير

إذا لم أَكُن وَاثِقًا مِن جِداري
فإِنَّ احتِمالَ انهِيَارِي كَبير

*****

أَنا الآنَ لم يَبقَ لِي مِن بَقائِي
على الأَرضِ، إِلَّا ارتِقابُ النّذير

وكَأسانِ مِن لَيلِ (دَمُّونَ)، أَحسُو
حُمَيَّاهُما كالغَريقِ الضَّرِير

وأَبكِي.. بِلا خَشيَةٍ مِن بعيدٍ
سَمِيعٍ، ولا مِن قريبٍ بَصِير

على أَصدِقائِي المَجانين أَبكِي
بُكاءَ امرِئٍ بِالضَّحايا خَبِير

أَرَاهُم وهُم يَدخُلُون المَقاهِي
كما يَدخُلُ العِيدُ بَيتَ الفَقِير

كَرَاسِيُّهُــم مِن دُخَانٍ سَمِيكٍ
وأَجسادُهُم مِن سَرابٍ غَزِير

وأَقداحُهُم مثلهم ظامِئاتٌ
ولكنّها تَشتهِــي مَن يُـدِير

ولا مالَ يَرقَى بهم، كي يُطِلُّوا
على البَحرِ، مِن خَيمةٍ، أَو سَدِير

فما فازَ إِلَّا (سَطِيحٌ) و(شِقٌّ)
بِرُؤيا، ومالِ (ابنِ نَصرَ)، الوَفِير

يَقولُ (النُّمَـيرِيُّ): خُذ كُلَّ شِعري
وهَب لِي -ولو جرعةً- يا (جَرير)

يَقولُ (الطِّرِمَّاحُ): لم يَبقَ عندي
مِن الصُّفرِ والبِيضِ شَروَى نَقِير

و(ذُو الرُّمَّةِ): الرّزقُ لم يَتَّسِع لي
لِأَني لِأَطلَالِ قَومِي سَمِير

و(حَسَّانُ): لا تَسأَلُوا خَزرَجِيًّا
عن المالِ، في العِيرِ، أَو في النَّفِير

و(مَجنُونُ لَيلَى): لقد ذاعَ سِرِّي
و(لَيلَى) على بَعلِها في السَّرِير

وبِالقُربِ منهم يُناجِي حَزينًا
حَزِينٌ، ويُبكِي حَسِيرًا حَسِير

(أَبُو الطَّيِّبِ) الآنَ لا ساقِيَاهُ اسـ
ـتَفاقَا، ولا انزاحَ عنه الهَجِير

ولِلـ(ـبُحتُرِيْ) عن (حَبيبَ بنِ أَوسٍ)
حَدِيثٌ أَمامَ (المَعَرِّي) مَرِير

وخَلفَ (النّواسِيِّ) يَبكِي (صَريعُ الـ
ـغَواني) على غادةٍ في (الغَوِير)

و(مِهيَارُ) مُستَوحِشٌ، و(ابنُ مَعدِي)
كئِيبٌ.. و(سَمنُونُ) ضَاوٍ سَحِير

يَصِيحُ (ابنُ بُردٍ): أَمِن كُلِّ حَيٍّ
بُعِـثتُم، لِإِقلاقِ هذا “البَصِير”!

أَهذا هو الشِّعرُ يا أَقصَرَ اسمٍ
طويلٍ، ويا أَطوَلَ اسمٍ قَصِير؟!

أَهذا هو الشِّعرُ؟!، إن كان هذا
هو الشِّعرُ حَقًّا.. فبِئسَ العَشِير

إِذا أَمطَرَت يَومَ ذِكرَى حَصَادِي
فهذا هو الشِّعرُ.. قال الشَّعِير

*****

أَرَى الآنَ أَنّي على غيرِ شَيءٍ
وأَنّي على كُلِّ شَيءٍ أَطِير

أَرَى الآنَ ما لا يُرَى مِن خَوَافٍ
لِيَ اللهُ مِن شَرِّها المُستطير

أَرَى (رُستُمَ) الآنَ يَمشِي طَلِيقًا
حَلِيقًا، إِلى كَعبةٍ في (عَسِير)

وجَيشَ ابنِ (يَهْفٍ) أَتَى مِن (بُخارَى)
يَسُوقُ السَّلاطِينَ سَوقَ الحَمير

وأَنَّ (البُوَيهِيَّ) أَلقَى خِطابًا
فلم يَلقَ (سَحبانُ) غيرَ الشَّخير

أَرَى الآنَ (حَيَّ بنَ يَقظانَ) ظَبيًا
على “أُمِّهِ”، وهي طِفلٌ غَرِير

و(مَيسُونَ) مَسبِيَّةً مِن (يَهُوذا)
لإِسهامِها في (العَشاءِ الأَخِير)

و(نادِينَ) مِن حولِها ناشِطاتٌ
يُحَدِّثنَ عن فَضلِ (يَومِ الغَدير)

و(باذانَ) في (كِندةٍ) حَضرَمِيًّا
كـ(با مَطرَفٍ) صارَ، أَو (با كَثِير)!

وقد لَمَّحُوا أَنَّ (جُورناهَ) منهم
و(كشميرَ) مَشتَقَّةٌ مِن (شَمِير)!

*****

أَرَى الآنَ (حَربَ المَوَانِي) استَفاقَت
على صَفعةٍ مِن (طَريقِ الحَرير)

وأَنَّ (الهِلالِيَّ) لم يُجدِ نَفعًا
ولم يَدرِ (أَبغالُ) مَن يَستَخِير

فلا نَصرَ إِلَّا بِتَأمِينِ خَوفٍ
ولا أَمنَ إِلَّا بِخَوفٍ خَطير

ولا أَعرِفُ الذُّلَّ إلَّا غَدُورًا
بِمَن ظَهرُهُ لِلأَعادِي ظَهِير

ولا الجَهلَ إِلَّا بِمَن ليس يَدري
أَخَصمَيهِ، أَم عَقلَهُ يَستَشِير!

أَرَى الآن (طالِيسَ) يَبنِي قُبورًا
و(سُقراطَ) بَيَّاعَ طُوبٍ وجِير

و(جانْ جاكَ) يَنوِي سُؤالَ (ابنِ سِينا)
أَبِالـ(جاحِظِ) العَيبُ، أَم (شكسبير)؟!

أَبَينَ (البُخارِيْ) و(دِيكارتَ) عِرقٌ
ولم يَروِ تاريخَهُ (ابنُ الأَثير)؟!

أَبَينَ (سْبِنُوزا) وبين (الغَزاليْ)
دِماءٌ جَرَت بَعد دَهرٍ دَهِير؟!

أَرَى الآنَ (جَيرُونَ) مِن غيرِ رَأسٍ
و(فارَانَ) مَجدُورَةً كالبَعِير

أَرَى الآن (بَغدادَ) تَشوِي يَدَيها
لِأَطفالِها.. بين كِيرٍ وكِير

و(صنعاءَ) مَكسُورةَ الظَّهرِ، تُحصِي
تَناهِيدَ (ذِي قارَ) عَبرَ الأَثير

وما حالُ (صَنعاءَ) إلَّا ارتِدادٌ
لِمَا (بُوشُ) أَلقَى، و(تُوني بلير)

وصنعاءُ صنعاءُ مِن أَلفِ عامٍ
أَجِيرٌ يُوَلِّي.. ويَأتي أَجِير

و(نَشوانُ) لم يَحتَلِم بَعدُ فيها
ولا شابَ في رَأسِها (ابنُ الأَمِير)

*****

أَنا الآنَ في ثَورةٍ ضِدَّ نَفسِي
وحولِي مِن الجِنِّ جَمعٌ غَفِير

وعندي لِإِخمادِهِم بارِجاتٌ
صَوارِيخُها مِن حُروفِ الصَّفير

وعندي يَدٌ تَرفَعُ الصَّخرَ نَجمًا
وتَستَخرِجُ البَحرَ مِن قاعِ زِير

وعندي لِمَا لم يَكُن ذكرياتٌ
وعندي لِمَا كان سَهوٌ مُثِير

وعندي -هنا بين جَنبَيَّ- نُورٌ
ولن يَغلِبَ اللَّيلَ مَن لا يُنِير

ومَن لم يَكُن غَيمةً يومَ بَذرِ الـ
ـدَّوالِي، فلا كان يومَ العَصِير

ولا خَيرَ في ثائِرٍ لا يُغَنِّي
ولا شاعِرٍ حُزنَهُ يَستَعِير

أَفِي كُلِّ عامَينِ يَأتي أَمِيرٌ
جديدٌ، وما زال حُزني الأََمير!

وما زال يُنهِـي كِتابٌ كتابًا
ويَنسَاهُ.. خَوفَ انتِباحِ الهَرِير

متى الأَرضُ أَثقَالَها سوف تُلقِي
وتَهوِي على الآدَمِيِّ الأَخير؟!

كم اشتاقَ مِن خُبزِهِ الحَقلُ فيها
ورَوَّى وما بَلَّ حَلــقًا غَدِير

وكم داخَ مِن دَنِّها كُلُّ لِصٍّ
وأَمسَى على كُلِّ شَيءٍ قدير

لَكَ الحَمدُ؛ لم أحتَرِف بَيعَ شِعري
لِأَني -بهذا المُسَمَّى- جَدِير

وما زلتُ لا أَشتَكِي، بَل أُوَاسِي
بِشَكوايَ، مَن لا يَعِي أَو يُعِير

وكيف اتّعاظِي بِمَا راحَ مني
إِذا النّخلُ لم يَتّعِظ بالحَصِير!

وراء اكتِئابِي وحُزني رياحٌ
مِن البَحرِ، تَيَّارُها كالزَّفير

أُنادِيهِ: يا بَحرُ لا تَلتَقِمنِي
فإِني بِإهلاكِ نَفسِي شَهِير

وإِن كان قد جَفَّ ما كان ماءً
فمِن أَين تأتِي بِهذا الهَدِير؟!

ومِن أَيِّ طَرفٍ خَفِيٍّ تَراني
فتَهتاجُ في الحَرِّ والزَّمهَرير!

أُنادِيهِ.. لكنّه بين صَوتِي
وصَمتِي، طَلِيقُ التَّغابي أَسِير

وما البَحرُ إِلَّا أَبٌ لِلقَوافي
ولِلفُلكِ، لا لِلمُنادِي الكَسِير

وقد يُقلِقُ البَحرَ صَوتُ المُنادي
كما يُقلِقُ الرَّاعِياتِ الزّئِير

ومُستَقبَلُ الشِّعرِ يبدو كَئِيبًا
كمُستَقبَلِ العالَمِ القَمطَرير

لَكَ الحَمدُ؛ إِنا وُلِدنا كِبارًا
كما يَنبَغِي، في زمانٍ صَغِير

لَكَ الحَمدُ؛ لكنّنا دون عَيشٍ
ولِلمَوتِ في كُلِّ بَيتٍ سَفِير

وهل نحنُ إِلَّا رَعايا إِمامٍ
رُزِئنا به، أَو سَبايا أَمِير!

فما مِن غَفُورٍ لنا إِن رَضَخنا
وإِن نَنتَفِض ما لنا مِن نَصِير

*****

لك الحمدُ؛ إِن كان هذا دَلَالًا
فماذا تَبَقَّى لنا في السَّعِير؟!

على رأسِ فَلَّاحةٍ حَطَّ طَيرٌ
فقالت له: ليتَ أَنِّي أَطِير

وفي بالِ عصفورةٍ مَرَّ نَهرٌ
فنامَت، وما نام فيها الخَرير

ودَهرٌ على شاعرٍ مَرَّ، وهو اشـْ
ـتِياقٌ إِلى كُلِّ ما لا يَصِير

حناياهُ لِلنَّاسِ والأَرضِ عَرشٌ
وأَيَّامُهُ ناكِراتُ العَشِير

تأخّرتَ يا مَوتُ عنّا كَثِيــــرًا
ولكنّه لَم يَفُتـكَ الكَثِير

تَفَضَّل.. فما أَنتَ إِلَّا مَلاذٌ
به يَتَّقِي كادِحٌ ما يَضِير

ولا تَدَّعِ النَّصرَ يومًا علينا
فلا مَوتَ إِلَّا بِمَوتِ الضَّمِير

يحيى الحمادي
29-10-2021

قرأ للشاعر أيضاً الشرعبي.. الفدائي الذي دَوَّخ بريطانيا

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور فيصل علي

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية + 3 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com