نيلز يعود مصندقا..

شاركها:

نيلز يعود مصندقا..

 سبأ حمزة

نيلز يعود مصندقا..

نيلز الشخصية الكرتونية التي اقتحمت قلب كل طفل، وأكاد أيقن أنك وأنت تقرأ هذه السطور كررت اسم نيلز تلقائيا بصوت صديقه الهامستر “رات”، نييلز! كان أول عرض لهذا الأنمي الياباني الشهير عام 1980. وهو عمل مقتبس من رواية للكاتبة السويدية سلمى لاغرلوف، الروائية التي كانت أول امرأة تحصل على نوبل للأدب عام 1909.

 

نيلز شخصية خيالية مشاكسة، صبي مشاغب يؤذي الحيوانات في مزرعة والده، كسول جدا لا يحب المدرسة ولا يقوم بأي عمل مفيد. مشاكسته توقعه يوما ما في شر أعماله فيحوله الساحر إلى قزم عقابا له.

 

في ضواحي صنعاء، في قرية تبعد حوالي 30 كم من قلب العاصمة، شاهد سكان القرية نيلز لأول مرة عام 2004، بعد قرابة ثلاث سنوات من وصول شبكة الكهرباء لقريتهم. في ذات العام فقدت فاطمة، الشابة ذات السبعة عشر عاما، زوجها في حرب صعدة الأولى وهي حامل بابنهما الأول.

 

أنجبت فاطمة بعد ثلاثة أشهر من وفاة زوجها، الذي قرر والده كنوع من الثأر، أن يسمي حفيده يزيد. بعد سنتين، تزوجت فاطمة برجل من قرية أخرى وبحكم العادات فقد كان لزاما عليها التخلي عن ابنها لجدته لأبيه. تنقل الطفل بين بيت جدته لأبيه وجدته لأمه وبيت زوج أمه وأخيرا عندما توفت جدته لأبيه، فرض عليه عمه البقاء معه، والعمل في المزرعة.

 

كان يزيد صغير القامة ونحيفاً، عيناه عسليتان وشعره أشقر، لكن بشرته سمراء للغاية بسبب تعرضه الدائم لأشعة الشمس الحارقة. طفولته المشتتة جعلت منه طفلاً عنيداً ومشاكساً، كان يحاول جبر كسره بتمرده. ارتبط تاريخ ميلاده بيوم عرض نيلز، ثم ارتبط اسمه به كذلك، فحجمه ومشاكسته جعلت الجميع يلقبه بـ نيلز. نسي الجميع اسمه الحقيقي تماما، حتى أصدقاؤه وإذا تذكر أحدهم جيدا فسيخبرك أن اسمه زيد، ربما!

 

في 2015 تم توزيع بعض الكتيبات على طلاب القرية، واكتشف نيلز أن طريقته في الصلاة كانت خاطئة، وبدأ بتعلم حركات الصلاة الصحيحة، من وجهة نظر الكتاب. أما القيّم الذي علمه الصلاة وزرع مبادئ الجهاد في سبيل الله لأول مرة في نفسه، فقد اختفى تماما وحل محله قيم جديد من أنصار الحوثي.

 

والمدرسة الوحيدة في القرية والتي تتسع لمئات الطلاب من الصف الأول حتى الصف الثاني عشر، تحولت لملجأ لنازحين من المدينة والقرى المجاورة ممن فقدوا منازلهم بسبب قصف قوات التحالف.

 

كل ما يملكه الطلاب اليوم، هي كتب ملغومة بخرافات الحوثي المقتبسة من ملازم حزب الله والخميني. يلقنونها لكل طفل شغوف يحلم بارتياد المدرسة حتى لو كان الدرس في باحتها الخلفية، وتلقنه النساء للأمهات في المدرسة وفي مختلف المناسبات. أما نيلز فلم تكن المدرسة تعني له أي شيء، لذلك فقد كانت الجبهة هي المكان الوحيد الذي يستوعب تمرده.

 

انضم نيلز للجبهة بعد أن تم تلغيم فكره في أحد الكهوف لمدة شهر كامل. تعلم خلالها كراهية العدو وحب التضحية من أجل القضية وسمو الهدف الذي يقاتلون من أجله وفوق كل هذا ثواب الشهيد وما يحصل عليه في الجنة.. 

 

كان أعظم حلم لنيلز هو أن يتعرف على والده، لكن بعد ذلك الشهر تخلى عن حلمه بلقاء الأب الضال الذي قاتل في صف عدو السيد حسين، ولعن جده الذي سماه باسم “طاغية”. في ذلك اليوم عرف بنفسه عند أطفال قريته بالمحارب أبو صقر! سخر منه بعض أصدقائه وقالوا تقصد أبو وزة، ضحك عليك الحوثي! فيما غبطه البعض الآخر.

 

من أهم المشاهد التي وردت في مسلسل نيلز ولم تكن ضمن الرواية، مشهد نيلز مع الساحر الذي أخبره أنه لكي يعود لهيئته فيجب أن يموت صديقه الإوزة مورتون. كان خيارا صعبا بالنسبة لنيلز فهو يحب صديقه ورفيق رحلاته لكنه يريد أن يعود لوالديه وأصدقائه وحياته السابقة. ومع ذلك فقد قرر نيلز أن يتنازل عن طلبه كي لا يموت صديقه. هنا تأكد الساحر أن نيلز قد تغير فعلا وأبطل مفعول السحر بدون أن يموت مورتون.

 

بعد شهرين من التحاق نيلز بالجبهة، أتى موكب من خمس سيارات للقرية. كان الحوثيون يطلقون النار ويرفعون صوت الزوامل وتجمع الناس من كل مكان ليحضروا زفة أبو صقر الذي عاد من جبهة القتال مصندقا. مات نيلز قال الأطفال، وبكت نساء القرية على اليتيم الذي ضاع عمره بسبب الظلاميين. لكن أحدا لم يجرؤ أن يرفع صوته، استلموا الجثة، قبروها، وأعادوا الصندوق لشهيد آخر كما قال المشرف. صندوق صغير لا يتسع إلا لنيلز، قالت أم لولدها. أما أم نيلز أو يزيد أو زيد أو أبو صقر فلم تكن موجودة لا في حياته ولا في جنازته. قيل أنها كانت تقضي عدتها بعد مقتل زوجها الذي كان مرافقا لأحد شيوخ القرية عند قصف التحالف لقاعة عزاء.

 

سلمى لاغرلوف عانت كثيرا في حياتها فقد ولدت بعيب خلقي في وركها سبب لها الشلل الذي منعها من الالتحاق بالمدرسة، تعافت منه لاحقا مع بقاء عرجة صغيرة لازمتها إلى آخر العمر.

 

ولدت سلمى في قرية من قرى شمال السويد البارد. ألهمتها حياتها في القرية بين الكهوف والقصص الشعبية الكثير ووظفت خيالها لخلق روايات وصلت للعالمية. لم تستسلم سلمى لأي ظرف، قاومت ونحتت أعمالها في قلب ملايين الناس حتى لو لم يعلموا شيئا عن اسمها أو حياتها. زرعت الكثير من القيم والمبادئ في قلوب الأطفال وشجعتهم على حب الآخر واحترامه.

 

وفي شمال اليمن يتخرّج من الكهوف أطفال وشباب لُغمت عقولهم بفكرة الولاية والموت. ويختبئ فيها الجبناء الذين يقودون الحاضر إلى طريق مظلم. وصلوا للعالمية بعدد جرائمهم التي لا تعد ولا تحصى، وزرعوا كراهيتهم في قلب كل يمني. لكن الموروث الشعبي اليمني يقول “جنت على نفسها براقش” و”نهاية الحنش للمحنش” وسيخرج من هذه الكهوف ذاتها من يردمها على أفكارهم ومعتقداتهم الباطلة ويرسم لليمن، رغم كسره وعرجته وكمهه،منهج حياة مستقيماً.

صفحة الكاتب 

سبأ

12/17

شاركها:

شاهد أيضاً

مارب.. تعويذة اليمنيون الأبدية

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم

رماة اليمن لا تبرحوا أماكنكم   نجيب جعفر    من العجب أن اليمنيين تتفجر فيهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 3 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com