صنعاء وبذور التشيع

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
ثمة أمر يكاد يفوت كثيرين وهو أن بذور التشيع بدأت في قلب صنعاء داخل بيئة الأبناء وانتشرت منها إلى همدان والتى كانت قد دخلت في حلف مع الفرس قبل الأسلام،...

ثمة أمر يكاد يفوت كثيرين وهو أن بذور التشيع بدأت في قلب صنعاء داخل بيئة الأبناء وانتشرت منها إلى همدان والتى كانت قد دخلت في حلف مع الفرس قبل الأسلام، وهمدان من القبائل التى واجهت الفرس في البدايات لكنها مالبثت أن شعرت بالإنهاك ثم ولتعويض ضعف صلتهم بالسلطة المركزية لجأ الفرس بقيادة باذان للبحث عن حليف محلي قوي فكانت همدان، ويعرف هذا الحلف بحلف الفرس وهمدان، ويرد ضمن الوثائق السياسية اليمنية للقاضي محمد علي الأكوع، ومثل حاشد وبكيل زعيماها آنذاك ويذكران بأسميهما في الحلف، وهذا التحالف جعل همدان تقف في مواجهة كل القبائل اليمنية وكانت معركة” الرزم ” من نتائج ذلك الحلف على الأرجح.

ولقد دخلت همدان في مصاهرة مع الأبناء تجاوزت الشرط الذي وضعه ملك الفرس على سيف بن ذي يزن بعد الخراج مقابل دعمه وهو أن يتزوج الفرس من اليمنيين في حين يمنع تزويج اليمنيين منهم، والثابت أن مصاهرات حدثت بينهم وهمدان فيما بعد متجاوزة ذلك الشرط، إذ يروي الرازي في كتابه تاريخ صنعاء أن أحد وجهاء الأبناء -يذكر اسمه في كتابه -خطب ابنته أحد الأبناء وكان ثريا لكنه لم يكن مرضي السلوك وتقدم لها شاب فقير من همدان من آل لعوة، وقد استشار الأب وهب بن منبه فأشار عليه بتزويجها الشاب من آل لعوه لحكمة ذكرها الرازي يمكن العودة إليها في الكتاب، وهو ما يدل أنهم كانوا قد دخلوا مع همدان في علاقة مصاهرة حقيقية. 

وفيما يخص التأثيرات الشيعية فقد بدأ الأمر أولاً بوصول الحرورية أصحاب حروراء وهم الروافض، وإذا تجاوزنا هذه الحركة الرافضة إلى الحضرمي الأعور وكان اباضيا دخل صنعاء في منتصف القرن الثاني للهجرة وارتكب مجازر.

ثم يأتي العنصر الأهم وهو إرسال ابن طباطبا الجد إبنه ابراهيم العلوي والذي سمي بالجزار إلى صنعاء والذي وصلها في نهاية القرن الثاني للهجرة لكنه سرعان ما أخرج منها، ونحن إذ نذكر بدايات دخول الرسي إلى صعدة المرة الأولى في العام ٢٨٢هـ ننسى دخول إبراهيم العلوي الجزار قبل أكثر من ٨٥سنة من دخوله، ثم تبقى إشارة أراها مهمة وهي أنك تجد في كتاب الرازي ترجمة لأحد شيوخ الأبناء يشير إليه على أنه جد أولاد الشيعي، ويقيني أنه جد أبي عبدالله الشيعي، والذي أرسله أبو الحسن منصور بن حوشب داعيا لأبي عبيد الله المهدي في بلاد المغرب، وهو الذي مهد لقيام الدولة الفاطمية هناك كما نعرف، وأضيف أمرين يكرسان فرضية أن بيئة الأبناء في صنعاء كانت مهاد التشيع بشقيه العلوي والإسماعيلي وهي من أسباب انتشارهما وسط همدان والتى شكلت الحاضنة الأم للفصيلين. 

وما أود إضافته هنا يتعلق أولاً بالأمير عبد الله بن قحطان بن يعفر وهو ابن معاذة بنت علي بن الفضل، فكما هو ثابت أن أسعد بن يعفر حين دخل المذيخرة في ٣٠٣هـ كان لعلي بن الفضل بنتان، ويقال ثلاث وولد اسمه الفأفاء. لعيب في نطقه، خلف والده بعد مقتله، وكانت أكبر بناته معاذة زوجها أسعد لابن عمه قحطان، والأخرى لأحد قادته من بعدان، معاذة هذه ولدت لقحطان الأمير عبدالله وقد عمر طويلاً، وكان حكم آل يعفر وهم سنة شافعية قد تراجع في منتصف القرن الرابع للهجرة، لكن عبدالله هذا استعاد الكثير مما كانوا قد فقدوه، فقد استعاد صنعاء، والتى سلمت إليه من بني حاتم حينها ثم استعاد زبيد وتعز ومخلاف جعفر.

والملفت أن عبدالله هذا منع الخطبة للخليفة العباسي وأقر الخطبة للمعز لدين الله الفاطمي وفيما يشبه الحنين لميراث جده لأمه علي بن الفضل قام بحماية الإسماعيليين ورعاهم وقد كانوا دخلوا دائرة الاستتار بعد عقود من مطاردة ابن عبد الحميد والزيدية والحكام المحليين لهم، وفي عهد عبدالله بن قحطان هذا شهدوا فترة رخاء عاودوا خلالها الظهور والنشاط.

الأمر الأخر المتعلق بشيوع التشيع في البيئة الصنعانية بقسميه العلوي والفاطمي. يمكن الإشارة إليه من خلال قرينة هامة للغاية وهي تحول القائد التركي بردسار والذي خلف إسماعيل بن طغتكين في صنعاء في أواخر القرن السادس تحوله للإسماعيلية، وقد كانت فترة ولايته على صنعاء من أسوأ الفترات، وعدوه من أسوأ قادة الإيوبيين عموما.

ويؤكد تحوله للإسماعيلية في صنعاء أثناء توليه لها بقاء بؤرة اسماعيلية نشطة في قلب صنعاء، استمرت في الدعوة بعد انتهاء الدولة الصليحية بموت السيدة في ٥٣٢هـ ثم انتهاء حكم آل زريع في الجنوب ومناطق من الشمال على يد توران شاه الأيوبي الذي وصل زبيد سنة ٥٦٩هـ شنق عبدالنبي ابن مهدي ثم اتجه صوب عدن وسيطر عليها، وواصل جيشه الزحف إلى أكثر مناطق اليمن.

 

مصدر المقال

اقرأ ايضا: اليمن بين الإسلام والسلالة

مقالات قد تهمك

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ ساعتين
حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ أسبوعين
علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ شهر