عبد العزيز العسالي
عبد العزيز العسالي

إصلاح الخطاب الإسلامي 4-5

شاركها:

إصلاح الخطاب الإسلامي 4-5

  منطلقات إصلاح الخطاب وأولوياته

 

عبد العزيز العسالي

 

      

 

في الحلقات الثلاث السابقة قمنا بتحديد أزمة العقل المسلم، وتم تشخيص الأزمة في مفهومين خطيرين هما الجمود والتقليد، الجمود والتقليد نتج عنهما كارثة فكرية وسلوكية خطيرة تمثلت في تدمير الإنسان واستلاب كرامته. وغياب ثقافة التعاطي مع سنن الله في الكون والنفس والاجتماع. وانطلاقا من المفهوم الثقافي القائل لكل زمن همومه وتطلعاته لنا أن نتساءل ماهي أولويات همومنا؟ من أين ننطلق في اصلاح الخطاب الاسلامي؟ ماهي المدخلات الفكرية لإصلاح الخطاب الاسلامي؟ ما هو المستند الشرعي لإصلاح الخطاب؟

 

 

الجواب، من مقاصد القرآن، وعندما نقول مقاصد القرآن فإننا نقصد إرادة الله التشريعية. وتتمثل إرادة الله التشريعية في المحاور المركزية التالية: مركزية عقيدة التوحيد، وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، واستخلاف الإنسان وعمارة الأرض، انشأكم من الارض واستعمركم فيه.  إرادة الله التعليمية، هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.. هذا النص قد حدد وظيفة الرسول ص. وقد تكرر في القران خمس مرات.. سنفصل أهمية هذا المقصد التشريعي لاحقا.    إرادة الله الكونية، وتعني التعاطي مع السنن التي سخرها الله للإنسان في الكون والاجتماع..  وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه..   إرادة الله التكريمية للإنسان، ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.  وإنزال تشريع مقدس قرر كرامة الإنسان -دينا ونفسا، وعقلا، وعرضا، ومالا، وحرية وإرادة، وفوق ذلك هو تشريع يرشد الإنسان كيف يعبد الله روحيا وسلوكيا واجتماعيا، وحضاريا.  

 

الإنسان محور ارادة الله التشريعية. إذا تأملنا مقاصد القران التشريعية سنجد ان الإنسان هو محور التشريع المقدس.. فهو المخاطب بالتكاليف الشرعية، وهو المستخلف في عمارة الارض، وهو الذي سيتعاطى مع السنن الكونية، وهو الذي جاء التشريع المقدس لحماية كرامته وحريته، وحقوقه، وحماية مصالحه دنيا وأخرى، والإنسان مكرم، ماسبق حول إرادة الله التشريعية يعطينا قرارا حاسما فالإنسان مكرم، وان كرامة الإنسان ولوازمها هي الكلية المركزية، الناظمة للمنهج التشريعي المقدس، أي أن المنهج التشريعي ينطلق من الكرامة الإنسانية واليها يعود. وعليه نقرر إننا إذا أردنا إصلاح الخطاب الاسلامي اصلاحا متينا يجب أن ننطلق من إرادة الله التشريعية المتمثلة في مقاصد القرآن المركزية التي قررت قدسية كرامة الإنسان وحماية حريته وارادته، واختياره وكافة حقوقه ومصالحه دنيا واخرى

 

 

أولويات الخطاب

 

إذا تقررت كرامة الإنسان ولوازمها كما سبق، وعرفنا أن التخلف الضارب في ثقافتنا وأزمة العقل المسلم وصلت إلى كرامة الإنسان وحقوقه، فإننا نقرر أن كرامة الإنسان الشاملة يجب أن تكون في صدارة أولويات اصلاح الخطاب الاسلامي.

 

مدخلات اصلاح الخطاب هي القيم

 

القرآن العظيم زاخر بالقيم، وهذه القيم صادرة عن العليم الخبير الحكيم، إنها وحي مقدس وهي معتقد ديني ومنهج يحد د بوصلة الادلة الجزئية مقصدا وتنزيلا- زمانا ومكانا، وهي سنن حاكمة للاجتماع، وهي معيار مصالح الإنسان دنيا وأخرى.

 

القيم القادمة من الوحي المقدس

 

وهي القيم الكونية، والمقصود بالكونية انها فطرية، اي انها محل اتفاق بين البشر بمختلف اجناسهم واديانهم، ولا خلاف حول فطريتها- مركزة في وجدان الإنسان خلق معها فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. نعم الاختلاف يأتي من المرجعية، فالمسلمون مرجعهم الوحي وغيرهم مرجعهم الفكر الوضعي، وهنا تأتي نسبية النظر والتعاطي.

والقيم الكونية هي كرامة الإنسان، والحرية، والمساواة، والعدل، والإحسان، والرحمة، والوسطية والتوازن.

 

هذا العدد ورد ضمن مقاصد القران المركزية. قد يخالفنا البعض زيادة او نقصان.. فنقول لا ضير، ولكن نحن انطلقنا من خلال عملية مسح لنظام آيات القرآن العظيم فوجدنا على سبيل المثال أن الرحمة وردت222 مرة، ولا مجال هنا للتفصيل، وإنما نقرر أن هذا العدد المهول يمكننا نجعله هدفا من أهداف الرسالة المحمدية- وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. والاحسان ورد في القرآن 165 مرة، وورد تصريفاته في 30 صيغة مما يعني انه مقصد قرآني مركزي يتضمن معنى الجودة والاتقان والنظام والجمال والكمال.

 

القيم الخلقية

بلغ عدد القيم الخلقية 20قيمة، علما بأنه ينضوي تحت كل واحدة عدد من القيم، أما ادلة القران حول القيم الخلقية فقد بلغت 1504 آية، جمعها الفقيه أبو حامد الغزالي رحمه الله وسماها جواهر القران. والتقوى هو الناظم للقيم الخلقية، وهناك نماذج للقيم الخلقية، مثل؛ العلم والمعرفة، الاستقامة، القيام بالقسط، التراحم، التعاون، الانفاق، الصبر، الحلم، الصفح، الكرم، العزة، التواضع، الاحسان للوالدين وللقريب، والزوجة، والجار والصاحب في العمل والصاحب في السفر، وابن السبيل، والمملوك، وما كان تحت رعاية الإنسان، الإخوة، التكافل، قول الحق، ورفض الامعة.

 

ربط القيم الخلقية بالعقيدة

اصلاح الخطاب يستدعي تجذير هذه القيم كلها بالعقيدة بالتقوى بالإيمان لأنها من العوامل المرسخة للإيمان، وهي دليل سلامة الإيمان، المؤمن من أمنه الناس. ربط القيم بمصالحها: قلنا اعلاه.. ان ارادة الله التعليمية هي وظيفة الرسول ص. ويعلمهم الكتاب والحكمة..

وإذا أردنا اصلاح الخطاب وتجديده يجب علينا الاقتداء بالرسول ص. بتعليم الناس حكمة النص، حكمة القيمة الكونية وحكمة القيمة الخُلُقية، نعلمهم مصلحة النص الدينية والدنيوية، نعلمهم دور السنن الحاكمة للاجتماع وإنها قضاء الله وشرعه ودينه. بكلمة موجزة: نعلمهم ان كل الاحكام هي مصالح الانام، نرسخ هذه التعاليم حتى تصبح ثقافة عامة.

 

نلتقي مع الحلقة الخامسة

إرادة الله التشريعية في سنن العمران.

إقرأ  أيضا: 

إصلاح الخطاب الإسلامي 3-5

شاركها:

شاهد أيضاً

الدكتور فيصل علي

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

نزار قباني مبشراً بربيع العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرة + 1 =

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com