يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

الوعل الجريح

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
ينطلق المقال من رمزية «الوعل الجريح» بوصفه استعارة لهوية اليمني المقاوم، ويعيد قراءة الوعل في الأسطورة والجغرافيا والتاريخ السياسي لليمن، من حضارات معين وسبأ إلى لحظة الانكسار المعاصر. يربط النص بين تآكل الهوية، وأزمة بناء الإنسان، وصعود الطائفية والقبيلة المُسيَّسة، ويقارن التجربة اليمنية بتجارب أمم نهضت من الهزيمة كاليابان وتركيا. يخلص المقال إلى أن الهوية الوطنية والدولة هما آخر القلاع، وأن الخلاص يبدأ من استعادة الوعي، لا من السلاح ولا من الشعارات.

الوعل الجريح ليس كائنًا منقرضًا من نقوش الحضارة اليمنية، بل رمز لهوية شعبٍ يرفض الانقراض ويواصل الصعود رغم الجراح.

الوعل عثتر، مجسم من آثار حضارة معين اليمن
الوعل الجريح،مجسم الوعل من آثار حضارة معين- اليمن

 

الوعل رمزًا للصمود

كلّما التهبت الأوضاع في اليمن واشتدّت العواصف غامت الأجواء بالحزن والكآبة والإحباط، غير أنّ خيطًا رفيعًا من نور يلوح في الأفق فيبدّد الظلمة. فهل يُعقَل أن يكون بعد هذا الجنون عقل، وبعد كل هذا الشرّ خير، وبعد كل هذه الضوضاء هدوء، وبعد هذا التيه رؤية؟!

تقول لنا الجغرافيا: في جبال اليمن الشاهقة تعتصم الوعول – (جمع وعل) – بالحيود العوالي هربًا من المتخلّفين الذين يحتفلون بقتلها. يُجرَح وعلٌ فتزيد سرعته، وفي ظلام الليل ينام على ظهره ويضع قرونه الخاوية على الأرض لتكون محور ارتكاز يتسرّب من خلالها أي صوت أو وقع خُطى. هذا الوعل، برغم كل الظروف السيّئة، إلا أنه يتكيّف مع هذه الأرض. منذ الأزل يهاجر بعيدًا عن الأودية والسهول، ووقت المحن يعود ليختبئ في الكهوف، ويتسلّق عوالي الجبال والصخور الحادّة. هذه أرضه، ولا يمكن أن يتركها إلى الأبد.الوعل شعار يمنيون، تفريغ لمجسم الوعل عثتر

الوعل شعار “يمنيون” تفريغ لمجسم الوعل

من عثتر وتعوز إلى تعز

تقول الأسطورة إنّ شعب اليمن القديم كان يقدّس الوعل، فهو وجه الخير والخصب والإخصاب، وهو أيضًا رمز "عثتر" – Athtar – إله المطر والخصب في النقوش اليمنية القديمة. و"عثتر" هي إلهة الحب والخصب والوفاء، والمقترنة بإله الحرب "تعوز" – Ta’uz – في الموروث اليمني، والذي يقابله في بلاد الرافدين "تموز" – Tammuz – المعروف في أصله السومري باسم "دوموزيد." – Dumuzid 

ويُرجّح أن اسم مدينة تعز الحالي تطوّر مع الزمن من "تعوز"، بما يعكس الارتباط بين الأسطورة والجغرافيا، ورمزية الإله القديم والمكان الذي صار لاحقًا قلبًا حضريًا لليمن.

"تعوز" أو "تموز" في الأسطورة هو الإله الذي خرج في رحلات الصيد، وقتل الوحوش البرية، وتحدّى الموت مرارًا، وعاد إلى قومه دومًا بالخير. قدّسهما الناس، ورأوا فيهما الحب والانتصار في الحرب، والخير والخصب والاستقرار. وعندما انتقل اليمنيون إلى بلاد الرافدين، حملوا معهم هذه الرموز، فأطلقوا على "عثتر" اسم "عشتار"، وعلى "تعوز" اسم "تموز"، وربما يعود اختلاف النطق إلى اختلاف اللكنات القديمة.

 

ذاكرة الرموز في زمن التيه

في زمن الضواري عاش الوعل، وانتهت الحيوانات المفترسة من الديناصور إلى القط البري. الخير لا ينتهي، ووجه الخير في رمز الوعل ما زال باقيًا. زُيّنت به أركان المنازل في مشارق اليمن ومغاربها، وتكاد المعالم أن تُمحى، لكن الذاكرة تستدعي الرموز حينًا من الدهر.

هذا هو عصر التيه قد أطل، ولذا فاستدعاء الرمز الجامع للخير "قرين عثتر" – Athtar – أمر ملح. و"عثتر" الإلهة قد أجمع الناس على حبها، وأتمروا بأمرها حين الشدة والصبر، حتى عودة الإله "تعوز" – Ta’uz – الذي تأخر في رحلة صيد الوحوش، فعمّ الرخاء حين احتكموا لها.

 

البعث من تحت الركام

الأساطير تحتاج إلى المزيد من التأمل، فهي خلّاقة، والنظر إليها بعين الحكمة يمنع تسطيحها على أية حال.

يحدثنا "الوعل الجريح" أن بعث الأمة من تحت الركام أمر وارد باتفاق الشرق والغرب. كل حضارة أوشكت على الاندثار تترك بذورها في عمق الأرض لتنمو بعد ذهاب الأعداء، وكل حضارة تلد أخرى، تذهب دولة وتُولد من رحم الهوية دولة أخرى.

الراية لا تسقط، فالوعل يحملها معه في أعالي الشواهق.

أعداء الهوية وتاريخ الاستعمار

في اليمن كثر أعداء الدولة بشكل مفزع، يتسربون من كل زاوية، ويجدون من يمول خناجرهم لتفتيت الروح والهوية.

عندما عجزت بريطانيا عن صدّ المقاومة اليمنية قبل منتصف القرن الماضي، قررت " العجوز الشمطاء" الرحيل. كان عبد الناصر يدرك أن النصر والتغيير قد آن أوانه، فقاد موجة التحرير في المنطقة، لذا انزوت بريطانيا خلف البحار.

لكنها تركت أيضًا سمّها في بعض البذور، فكل ما نشاهده اليوم من تسميات معادية لليمن والهوية، في الشمال والجنوب، هو من زراعة تلك العجوز الشمطاء.

درس من اليابان

"هذه النتوءات زائلة"، يقول الوعل الجريح، مستشهدًا بقول المؤرخ الأمريكي أدوين رايشاور، إنّ سرّ نهضة اليابان ارتكز على شيئين اثنين: "إرادة الانتقام من التاريخ، وبناء الإنسان."

عندما هُزمت اليابان في عام 1945، وجدت إرادة جمعت الشعب وغيّرت مسار البلد. تركت الحرب القذرة واتجهت نحو الصناعة، وانتقمت من تاريخ الحروب. أُعيد توجيه البلاد إلى الاقتصاد والإنتاج، فقادت الصناعة إلى الاستقرار.

وبذلك عادت اليابان من خلال الصناعة والتجارة كقوة صناعية واقتصادية منافسة بشراسة في الأسواق العالمية. لقد انتقم اليابانيون من التاريخ ومن الهزائم، وتصدّروا مجالات الانتصار بشكل أوسع، عندما أعادوا بناء الإنسان المنتج، الذي خلف الإنسان المحارب بالأسلحة التقليدية. 

أزمة القبيلة وبناء الإنسان

حين رأيت الحشود تُحاصر العاصمة اليمنية صنعاء من قبل حشود قبلية متخلفة، أدركت أن الخلل عميق في بناء الإنسان. أدركت أن الخلل يكمن في بناء الإنسان. فمن يقف ضد دولته غير الإنسان الذي تُرك للجهل والخرافة والحقد، وتربّى على ثقافة "الفيد" والمذهب الطائفي؟

لقد أعيد تشكيل القبيلة اليمنية منذ قدوم الرسي، الذي غيّر المعادلة الاجتماعية في اليمن، وأعاد تقسيم المجتمع إلى سادة يحكمون – وهم من نقائل السلالة المقدسة كما يدّعون – وعبيد مأجورين يُساقون للسخرة في الحروب وهم أهل اليمن.

القبيلة اليمنية اليوم بحاجة إلى إعادة تأهيل وتهيئة وإعادة تشكيل وتربية، وإعادة ترتيب سلم قيمها: بدءًا من الهوية والولاء للوطن، وانتهاءً بالدفاع عن الدولة في مختلف الظروف. وهذا يحتاج إلى برامج ثقافية وتعليمية غير عادية.

القبيلة ليست في صنعاء وحولها فقط، بل في كل أرجاء اليمن. ما يجري من حشد للناس إلى عدن يُعيد إلى الأذهان ما جرى في صنعاء. ما زالت القبيلة المتخلفة ترسل القرويين إلى عدن من الضالع ويافع وقرى مثلث الدوم.

لم تسعَ دولتا اليمن – في الشمال والجنوب – إلى تمدين القبيلة، إذ لم تمتلكا مشروعًا وطنيًا يمكّنهما من ذلك. وبعد الوحدة ظلّت القبيلة، هنا وهناك، متخلفة بعيدة عن التغيير وعن إرادة التغيير.

كما أنّ تغيير الأنظمة لا يعني بالضرورة تغييرًا في الحالة الثقافية للمجتمع. فالإرادة السياسية، إذا لم تُدعَم بإرادة ثقافية قائمة على سلسلة من القيم المرتبطة بالهوية والذات والدولة اليمنية، تُفضي دومًا إلى المجهول.

الاستعمار والطائفية في بدايات القرن الماضي لم يصنعا نظامًا تعليميًا يسمح بتحريك الأمة اليمنية نحو أهدافها. أما نظاما الشمال والجنوب اللذان خلفاهما، فلم يحققا حتى الشعارات التي رُفعت. وعندما قامت الدولة الواحدة، ضلّت الطريق، وتحاربت القبائل فيما بينها. 

بين انتقام التاريخ وانتقام الجغرافيا

يقول الوعل الجريح: إنّ انتقام التاريخ يجب أن يتلاءم مع انتقام الجغرافيا، وأن يتم التعامل وفقًا لقوانين تمكّن صانع السياسة من الخروج بأقل الخسائر وأعظم المكاسب.

ويذكرنا الوعل الجريح بما جرى في تركيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى عام 1918، عندما وُضعت خارطتها على الطاولة ليتقاسم جغرافيتها المنتصرون في الحرب. كيف استغلّ أتاتورك النزاع الدولي لصالح تثبيت الدولة التركية، وكيف خرج بأعظم مكسب وهو تركيا الحديثة، وبأقل خسائر شكلية أرضت القوى الدولية وخدّرتها حينًا من الدهر.

يستشهد الوعل الجريح بقول روبرت كابلان، صاحب كتاب "انتقام الجغرافيا" (The Revenge of Geography):

"إنّ أوقات الاضطراب العالمي، التي تختبر افتراضاتنا حول ديمومة الخريطة السياسية، تؤدي إلى نهضة في التفكير حول الجغرافيا، ذلك لأن الجغرافيا هي الأساس الحقيقي للاستراتيجية والجغرافيا السياسية."

والاستراتيجية، بحسب نابليون، هي:

"فنّ استخدام الزمان والمكان بطريقة عسكرية ودبلوماسية."

أما الجغرافيا السياسية فتمثّل دراسة البيئة الخارجية التي تواجهها كل دولة عند تحديد استراتيجيتها الخاصة. ولذا، فإن معرفة الخصائص الجغرافية لأمة ما تعني معرفة سياستها الخارجية.

بين انتقام التاريخ وانتقام الجغرافيا يكمن الحل للمعضلة اليمنية. فإذا وُجدت الدولة القادرة على الاستفادة من المتغيرات العالمية، ومن المعطيات المحلية والإرادة المجتمعية النيرة، يمكن تفويت الفرص على من يطمعون بالجغرافيا اليمنية اليوم.

الثقة بالقيادة أمر جوهري، وعوامل هذه الثقة موجودة لكنها تحتاج إلى مزيد من التفعيل. إنّ الفرص المتاحة للاستقرار في اليمن تُولد من رحم الصراع والتشظي، بينما تعكس الأطماع المحلية في جوهرها انعكاسًا للأطماع الخارجية.

تركيا وكوريا: إلهام لمسار اليمن

في عام 2012 كتبتُ مقالًا نشرته في صحيفة "الجمهورية"، قلتُ فيه:

"أمام الرئيس هادي كلٌّ من تجربة تركيا وتجربة كوريا لتلهما البلد درب النهوض: تجربة تركيا بقيادة "أتاتورك" صانع تركيا الحديثة، وتجربة كوريا الجنوبية بقيادة "بارك تشونج هي" صانع "معجزة نهر الهان"."

وأضاف المقال: إنّ تجربة أتاتورك هي الأقرب إلى اليمن من الناحية الموضوعية، لوجود التشابه في الجغرافيا والموقع الاستراتيجي. وأضيف هنا أيضًا وجود تشابه آخر في عدد الطامحين لبيع البلد من أبنائه لأعدائه المتربصين، إلى جانب الأطماع الخارجية والإقليمية التي تسعى لتقسيم اليمن.

الهوية آخر القلاع

فالعصابات حينما تحكم، أو عندما يتسلّط العكفة المتخلفون، أو حين تستولي الجماعات الطائفية على السلطة، وحين يهيمن المغفلون الذين يستوردون أنظمة بمشكلاتها ليحكموا بها بلدانهم دون مراعاة للجوانب الإنسانية والدينية والثقافية والاجتماعية والقدرة الاقتصادية والتعليمية، فإنّ كل ما يصنعونه هو القضاء على الولاء للوطن.

وعندما تغيب الأحزاب الوطنية الكبرى ذات المشروع الحضاري، المنتمية للهوية والوطن والشعب والمستقبل، والمتخلّصة من الأيديولوجيا، تعمّ فوضى المشاريع الصغيرة البلدان. وهذا هو حال اليمن الذي لم يتعافَ بعد من انقلاب الطائفة في الشمال، حتى أتى انقلاب القرية في الجنوب متجاوبًا مع سابقه.

السؤال الذي يطرح نفسه، ويطرحه الكثير من الناس في ظلّ الظروف السيئة، والانقسامات، والحروب: ماذا يفعل المواطن العادي؟

الإجابة، كما يخبرنا بها الوعل الجريح:

"يلوذ بوطنه، وبهويته، وبجذوره على هذه الأرض، قبل أن تقذفه الفوضى، وتقتلعه من جذوره، وترميه خارج الحدود."

كل هذه الفوضى التي نعيشها، والتي عاشتها الأجيال قبلنا، أبعدتنا عن هويتنا اليمنية. علينا أن نعود إلى جذورنا الأصلية. فبغير الهوية اليمنية والدولة الوطنية، سيظل هذا الشعب جسدًا بلا روح، وكلمة بلا معنى، لا أفق يحتويه، ولا نور يهديه، ولا دليل يسترشد به في خضم هذه العتمة.

مقالات قد تهمك

اليمنيون ورمزية الوعل
هوية

اليمنيون ورمزية الوعل

يتناول هذا النص رمزية الوعل في الحضارة اليمنية بوصفه شاهدًا ثقافيًا جامعًا، لا مجرّد أثرٍ أو شعارٍ بصري. ينطلق من النقوش والطقوس اليمنية القديمة، مرورًا بخط المسند والهوية الثقافية لليمن الكبير، وصولًا إلى سؤال الوعي المعاصر، وحدود توظيف الرموز الحضارية بين الثقافة والسياسة، في سياق الدفاع عن الجمهورية والهوية الوطنية الجامعة.

منذ 3 سنوات
اليمنيون يتحَدون الإرهاب ويعيدون نقش اليمن الكبير
هوية

اليمنيون يتحَدون الإرهاب ويعيدون نقش اليمن الكبير

ينطلق النص من الإشادة بالدور الذي يضطلع به اليمنيون، في الداخل والشتات، في إعادة تقديم اليمن ثقافيًا وإبداعيًا رغم الحرب والتهميش، معتبرًا هذا الفعل شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية ضد الإرهاب ومشاريع الطمس. ينتقد الكاتب ازدواجية الموقف الدولي الذي يتعامل مع معاناة اليمنيين بمنطق المصالح والربح، ويتجاهل جرائم جماعة الحوثي رغم توصيفها كمنظمة إرهابية. كما يهاجم ثقافة الإحباط والتثبيط والانتقاص من أي جهد وطني، مستشهدًا بتجربة إعادة تشغيل ميناء قنا كنموذج لعمل تنموي يُحارَب بالسخرية بدل دعمه. ويخلص النص إلى التأكيد أن الجماعات الإرهابية وأدواتها إلى زوال، بينما يبقى اليمنيون بأفعالهم، ويظل اليمن الكبير حاضرًا في موانئه وتاريخه وقدرة أبنائه على البناء وإعادة النقش رغم كل الخراب.

منذ 5 سنوات