الوهجُ الخلاقُ

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
الوهجُ الخلاقُ طارق السكري إن الشعور القاتل بالعجز .. الاستكانة للمحيط .. والصبر السلبي لا الصبر الإيجابي الذي هو بمثابة الحافز للسعي والبحث عن الإجابة. كل ذلك من ألد أعدائك...

الوهجُ الخلاقُ

طارق السكري

إن الشعور القاتل بالعجز .. الاستكانة للمحيط .. والصبر السلبي لا الصبر الإيجابي الذي هو بمثابة الحافز للسعي والبحث عن الإجابة. كل ذلك من ألد أعدائك في الحياة .

إن الخسائر فادحة ، والحزن أصبح قدرا لا يفارقك ، وسواء كنت مغتربا عن الوطن أو مغتربا في الوطن .. كل ذلك يصادف في طبيعتك الرغبة في الدعة والهرب من مواجهة المشاكل .

وهذا بالضبط ما يريده المحتلّ .. المحتل الخارجي كما في فلسطين الحبيبة أو المحتل الداخلي كما أوطاننا العربية ! مخلوقات غريبة لا تمت إلى تاريخنا ومستقبلنا المنشود بأي صلة . إنها تشبه المخلوقات الفضائية لا تنطق لغتنا ولا تفهم ما نريد . لكننا نعلم عنها كل شيء : إنها مخلوقات غبية . تلقت دعما خارجياً واستقطبت مجموعة من اللصوص والزَّعارير والتفّ حواليهم شلة من رجال الدين الحمقى فأصبحوا بهم دولة !

لقد أخطئوا خطئا فادحا عندما افتتحوا المدارس ووضعوا المناهج الحديثة فاطلعنا منذ النشأة على تاريخ النهضة الأوروبية ، فاستثارنا موضوع الاكتشافات العلمية والسبر المعرفي في الأحياء والفيزياء والعلوم الكونية ، وإن كانت مجرد إلماحات إلا أنها كانت كافية لأن تعيش في خيالاتنا على الدوام . الوجود وما يقوم عليه من مادة وحركة وزمن . قصة اكتشاف الجاذبية ، خرائط الإدريسي ورحلة ماجلان عبر البحار ، عصر التنوير وظهور المدارس الأدبية الحديثة من كلاسيكية جديدة ورومانتيكية وواقعية وسريالية .. إلى آخر تلك المعارف التي كانت ولا تزال تستحثنا على التغيير .

لقد دخل الحكام علينا بالعهد البائد وفكرة : ابني الخليفة من بعدي وإلا .. السيف ! فظلوا على أميتهم . عروقهم ممتدة إلى شجرة الماضي البعيد ، بينما الأبناء في المدارس يطلون على التجارب الحديثة ويتعرفون على المعجزات والمخترعات والكشوفات ، وطرائق التفكير العلمية ، وأشكال الحكم الحديثة ، والمؤسسات الممتلئة لا المؤسسات الفارغة ، الحقيقية لا الوهمية . يأخذ مبنى وزارة الثقافة مساحة من الأرض كبيرة ، تزاحم السماء في العلو ، وهي بلا ثقافة ، ومجتمعنا بلا ثقافة ! بينما في الغرب لا يوجد شيء اسمه : وزارة ثقافة ، الثقافات سلوك حضاري .. الثقافة مختلطة بالناس ومنعجنة بهم . الثقافة طريقة في الحديث ، ومعرفة حقوقك الفطرية على الدولة . تعامل الناس فيما بينهم البين .كيفية التعاطي مع الوسائل السياسية كالحزبية والمنظمات النقابية . فهم الديمقراطية على النحو الصحيح . فهم الديمقراطية فهماً يجعلها من أعظم قضايا الوجود . أن تحقق ذاتك من خلالها . ليست مجرد هامش هلامي . أن توفر للمدرس كافة وسائل الراحة لأداء واجبه النضالي الكبير . أن ترفد طلاب الجامعة بمكتبات ومراكز بحوث . أن يعبر الكاتب والأديب بكل حرية وأن ينتقد التصرفات الغير مسؤولة في الدولة لا يخاف في الله لومة لائم .

هذا حلم الإنسان العربي الكبير . هذا حلم الآباء والأجداد . هذا السر من وراء حرصهم على تعليمنا في أن نحقق ما لم يقدروا على تحقيقه . هل أنا بحاجة إلى أن أذكركم بما كانوا عليه من عيش ؟

لقد كان رواد النهضة الأدبية العربية الحديثة وعلى رأسهم الشعراء المعاصرون كالزبيري والبردوني والمقالح ونزار ودنقل ودرويش وقاسم حداد وقافلة طويلة طويلة رياحاً تعصف بالمستعمر والكهنوت وقلوبا تنزف حزنا على حال الناس ومطارق من حديد على رؤوس الحكام العرب وهتافاتٍ صاخبة : أن هبوا واخرجوا على هذا الواقع اللامعقول .

هذا الحلم هو النور الذي يتوهج في ظلمات الذاكرة ولا يزال . أن تشرق الشمس على أوطاننا وقد صارت أيام الحرب رماداً وأصداء باهتة تنعق في الماضي السحيق وقد نهض العمران وأزهرت الحدائق ، وصارت المواطنة مفهوما راسخاً الجميع متساوون في الحقوق والواجبات .

لقد لخّص البردوني هذه الحاجة الماسة لهذا الحلم النوراني في أبيات درامية ساخرة في قصيدة ( مأساة حارس الملك ) يوجهها لكل نظام حكم عربي بائس :

سيّدي   :  هذي  الروابي  المنتنه

لم   تعد  كالأمس،  كسلى  مذعنه

 

(نُقُمٌ)   يهجس،   يعلي   رأسه

(صَبِرٌ)    يهذي،   يحد   الألسنه

 

(يَسْلَحٌ)    يومي،   يرى   ميسرة

يرتئي   (عَيْبانُ)  ،  يرنو  ميمنه

 

لذرى     (بعدانَ)     ألفا    مقلةٍ

رفعت،    أنفاً    كأعلى    مئذنه

لقد عرف الناس وحذقوا ولم يعد بالإمكان الزيف وتضليل العقول .

لقد مللنا من هذا الواقع المنكود ، وهذا المألوف السائد ، ولم يعد بإمكاننا التبلّغ بشيء من فضول الحياة حتى لقد أضحى كل شيء في فمنا مالحاً حتى الأغاني والقصائد :

“مالحةٌ فى فمنا القصائدْ

مالحةٌ ضفائرُ النساءْ

والليلُ والأستار والمقاعدْ

مالحةٌ أمامنا الأشياءْ ” نزار قباني

يقول الدكتور / جاسم سلطان في كتابه ( الذاكرة التاريخية للأمة ) :

” .. فعندما تفقد الأمة الإحساس بقدرتها على التفوق والتقدم والانتصار ، عندها تبدأ عملية الهبوط . فالعامل النفسي هام جدا . ففي فترة الطموح وفترة الهمة وفترة الشعور القوي بالذات تبدأ انطلاقات الأمم . وفي فترة الانهيار يفقد الانسان ذلك البريق الداخلي والإحساس الداخلي بالذات وينطفئ الوهج الخلاق الذي يدفعه إلى التحرك والعمل . وكل أمة تفقد هذا الوهج فمصيرها إلى الانهيار . ولم تعد قضية الباعث النفسي متروكة للصدف إنما تعمل أجهزة الإعلام والتعليم على زرع وبعث هذه الثقة بالذات . كما تقوم أجهزة الخصم على الطرف الآخر بتحطيم هذه الثقة بالذات من خلال إعلامها وتعليمها”.

لقد طالت المقالة رغماً عني . سأكتفي بهذا القدر والسلام .

 

مقالات قد تهمك