يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

عالم كورونا

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
الشوارع خالية، وكذلك المراكز التجارية والمؤسسات والمطارات. هذا العالم أصبح هادئًا أكثر من اللازم. كورونا، والحكومات التي اكتشفت صحة إجراءات الصين، والخوف على الحياة؛ وراء هذا الهدوء العظيم. لطالما حلمتُ...

الشوارع خالية، وكذلك المراكز التجارية والمؤسسات والمطارات. هذا العالم أصبح هادئًا أكثر من اللازم. كورونا، والحكومات التي اكتشفت صحة إجراءات الصين، والخوف على الحياة؛ وراء هذا الهدوء العظيم.

لطالما حلمتُ بلحظات كهذه في العالم ولم أجدها. منذ سنوات وأنا أبحث عن العزلة والخلوة بالذات، والتأمل على طريقة المتصوفين من كل الأديان والملل. بحثت عن نصوص العزلة وأعجبتني كثيرًا، لكني لم أتذوقها كما أفعل الآن، في هذا التوقيت الأسوأ عند بقية الناس.

قبل أيام قلائل كان العالم مختلفًا تمامًا، والناس على عاداتهم عاكفون؛ هذه مكتئبة، وذاك مخنوق، وأولئك محبطون، وآخرون مصابون بالملل. تعاني سيدة ثلاثينية من تساقط الشعر، ومن ضياع خصرها في زحمة الحياة والأولاد وأكلات المحشي والشيبس وعصير الفواكه.

يعتني شاب عشريني بما تبقى من شعره الذي بدأ يميل إلى البياض. قتل نفسه بالتفكير في كيف ينتصر على خطيبته في لعبة الحياة وهموم الشيشة والشلة المعتادة، لكنه — للأمانة — لم يُصب بالإحباط إطلاقًا، والسبب يعود إلى طموحه في الحصول على جواز سفر يبعده عن ديار بكر وتغلب. كل ما لديه في هذا الشأن فكرة للهروب نحو المجهول، لا غير.

فواتير الإنترنت والموبايل والأقساط الشهرية تحاصر موظفًا يقترب عمره من الخمسين. لقد تعلّم النصب منذ صباه، ولذا ترك لولديه مهمة البحث عن رزقهما بأي طريقة كانت.

تفكر هي بالسفر نحو الشرق، قادمة من شمال الأرض، لا لشيء؛ فقط تريد رؤية تعاليم بوذا تمشي على الأرض، وسلوكيات كونفوشيوس الحية التي تتجسد في حياة الكثير من المثقفين. الحياة بالنسبة لها اكتشاف العادات والتقاليد، وتجريب ما لم تجربه في مدينتي سانتياغو وكراكاس.

تحلم، كزملائها، بالحصول على عقد عمل في جامعات الخليج، حتى لو كانت في السعودية، حيث تُقام جدران الفصل العنصري بين الجنسين. تبحث عن محرم، وتدعو الله أن يوفقها لتضيّع عشر سنوات من عمرها. لا يهمها أمر تجاعيد وجهها، ولا شعرها الذي يريد سباقها في الذهاب إلى رحلة الحج. المال سيد قلبها وجُلّ شغفها، الوظيفة هي زوجها وطفلها ووالدها. عشر حجج لم تُرهق موسى، فلتكن إذًا.

مراهق يقبع هناك خلف حاسوب والده، يلعب ويدفع مقابل الحصول على تنزيل الألعاب خفيةً من أمه. يريد أن يتقدّم في كل معارك الخيال، إلا معركة المدرسة المملة.

تريد أن تغني وتُهز خصرها النحيل، وتظن أنهم معجبون بصوتها وطريقة ترديد كلمات الأغاني. أعينهم كانت تطوف في أماكن شتى من جسدها الهزيل. ليسوا مهتمين بالفن كاهتمامهم بخلفيتها “الفنية”.

يقف على ناصية الطريق وسط المدينة، يتلفت يمنة ويسرة علّه يرمق فتاة بجوار البارات المتناثرة. يسأل إحداهن: “هاه، كيف السوق اليوم؟” فتخبره بكسادها. لم يعد للشباب في هذه المدينة المزيد من المال، وهي لا تتعامل بالدَّين. “بكم الساعة إذن؟” سألها. فأخبرته أن الوقت لديها بالدقيقة لا بالساعة؛ لحظات من السعادة تستاهل خمسين دولارًا. فيلوّح لها بكلتا يديه وينصرف مكسور القلب، بعد أن شاهد حذاءها مرقعًا ومتسخًا من كثرة ما قطعت من المسافات بحثًا عن رزقها.

يبحث عن مصروف يومه وقيمة الولعة، القات الذي أكل ضروسه المصابة بالتسوّس، ولثته المتهالكة هي أيضًا، لا تمنعه من مضغ القات مع الخُبرة. يومه مثل أمسه، وأنسَ الله حالكم، ورحم الله الزعيم؛ كانت أيامه عزًّا، أي والله عزًّا، قبل أن تأتي الثورة والأحزاب والانقلاب والعاصفة. “كنا في نعمة، نقتسم العلاقي نصين أنا وأمي، وكلٌّ منّا يروح يخزّن مع خبرته.” أمه متفرّطة في السَّنينة، وهو صايع في شعوب، والله يرحم الزعيم، بكسر الياء.

فاشل في المدرسة، توسّطت له خالته الحُجّة الفاضلة عند صديق زوجها، وقُبِل في الكلية بتزكية شيخ وشيخة يشهدان أنه يحفظ عشرة أجزاء من مصحف قديم، وبالبركة خرج من الكلية كما دخل. لكنه — للأمانة — مثقف، عوّضه الله من بحور علمه روايات وشعرًا وفلسفة. القراءة الحرة أفضل من الدراسة في أكسفورد، ومن “معتل لا معتل فرج”. صار من كبار المثقفين، وبمشيئة خالته الفاضلة أيضًا، صار نجمًا في الإعلام. الإعلام موهبة، لا يحتاج بكالوريوس ولا حتى دبلوم، مع أن “الدباليم” صارت على قفى من يشيل. مدربو التنمية البشرية ينفخون العلم في زبائنهم كما ينفخ الطاحون كيس الدقيق في دقائق معدودة. مدرب دولي، وشهادة معتمدة من معهد “دونشركب” في موريشيوس، اللهم لا حسد.

هي توظّفت عن طريق وكيل وزارة عبر مراسلات الواتساب. الحياة حلوة، والكلمة الحلوة تكسر الوزير اليابس، حتى لو كانت عن بُعد. اشتهرت باختياراتها الفنية للأغاني المرسلة لمعارفها في الوزارة. إنها بحق فاتنة وفنانة، جعلت الوزارة كلها ترقص على وحدة ونص.

ذهب يحمل السيرة الذاتية لصديقه، وبعد وصوله إلى مكتب المدير، اكتشف أن عدد المنتظرين يزيد على عشرين، كل واحد منهم يحمل ملفًا. انتظر دوره، وبمجرّد أن ولج، قام المدير من مكتبه، وهات يا أحضان، وهات يا بوس. طالت جلسة الإقناع وهو يشرح مؤهلات صديقه، ومن كلمة إلى كلمة حتى قَرُب الفجر، والحمد لله قبلوه مستشارًا، ولم يُحالف الحظ صديقه.

تنتظر رسائل صديقها بعد الحادية عشرة مساءً، التزمت دومًا بفارق التوقيت. مكنها “ترعلة” وحب وغرام، وآخرها حدثت له مشكلة مع زوجته التي قرأت الرسائل، فأرسلت لها تقول: “اتقرصي العافية، هذا الآدمي محجوز من زمان، ومعه طفل بتفاحتين، وزوجة أجمل منك، وأنصحك تشربي حُمر وليم؛ يمكن تتنشط ذاكرتك وتدركي أنه أبعد عليك من عين الشمس.”

كانت الأخبار القادمة من الصين مرعبة، ووهان غرقت بفعل شخص يريد زيادة الباءة، فشرب مرقة خفاش يتيم الأبوين، مطبوخة مع نصف ثعبان أسمر اللون. وبالفعل زادت قوته على تسعين حصانًا، فدقّ القارات الخمس مرة واحدة! وبلغت نشوته الآفاق، والناس بين مصدّق ومكذّب: يا كورونا، يا فيروس!! بنات ووهان، بكين، بكل اللغات، والناس يقولون: عادي، صينيون، يستاهلون، يأكلون كل شيء، وقذرون، ولديهم أطماع في غزو العالم. والفيروس نتيجة عمل عسكري معملي، وكثرت التكهنات، وإذا بالعالم يتحول إلى صين أخرى؛ انتشر فيه الوباء بسرعة فائقة.

التنبؤ بتغيرات عالمية اليوم مجرد تحصيل حاصل. لقد تغيّر العالم فعلًا، لدرجة أن أحدًا لا يستطيع حكّ أرنبة أنفه. الحِكّة والهرش توقّفا، والنظافة بدأت، ومعجون الأسنان تحرّك في كل فم، وورق الحمام صار عزيزًا، الخيار انعدم من السوق، وتبِعه العدس.

متدينـو هذا العصر، من مختلف النِّحَل، رأوا أن كورونا من جند الإله، ولا يمكن أن تُصاب طوائفهم، فهو مرسَل من ربهم لأعدائهم فقط. تكرر المشهد من إسرائيل إلى إيران وماليزيا؛ تجمعات للشيعة والسنة والهندوس والحريدم والنصارى، وبدأت الأدوية من تركيا تنهال: حوائج، وقرفة، وقسط هندي؛ هناك حيث الدراويش وجدوا مأوى تحت مسمّى الطب البديل. لم يكونوا وحدهم، فهذا موسم التكسب من ظهر كورونا.

عُدتُ لهدوئي، لم يعد يزعجني شيء. أغلقتُ باب الرسائل أمام الكثير من المزعجين، ولم يبقَ يصلني إلا رسائل قلبي.

كورونا استطاع حصارنا كبشر، لكن قلوبنا ما تزال خارج نطاق الفيروسات. أعيننا ترنو للغد. ما تزال أجمل القصائد لم تُكتب بعد، وأجمل اللحظات لم تأتِ بعد، وعطور ما تزال في طور التكوين؛ حتمًا ستفوح في القريب.

مقالات قد تهمك