يوم نبيذ الغيوم

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
نص ثقافي تأملي يحتفي بيوم القهوة اليمنية بوصفه فعل بهجة ووعي جماعي، بعيدًا عن التسييس والعسكرة، ودعوة لاستعادة البن اليمني كهوية ثقافية ورافد اقتصادي ورمز للسلام والانتماء اليمني الأصيل.

   في يوم موكا كافيه، يوم نبيذ الغيوم، يوم قهوتنا اليمنية الأصيلة، يسعنا أن نبتهج بما يكفي لتبديد ظلمات المرحلة، ابتهج مع أصدقائي في هذه المناسبة وفي غيرها من المناسبات الشعبية التي خرجت من وعي شعبنا، ومن الحراك الثقافي اليمني، بعيداً عن التنميط والمحاولات المستميتة للاستحواذ من قبل المتصارعين الذين ما إن يسمعوا بمناسبة تخلقت إلا وقفزوا لقطع الطريق أمامها لتوظيفها أيديولوجياً، هذا يصفها بالثورة، وهذا يخلع عليها الوطنية، وهذا يحاول عسكرتها وتجنيدها ضمن ميليشياته، وهذا يصنع لها شعارات زائفة، لا يستطيعون الصمت أبدا.. مارسوا الفشل والخلاف فيما بين أيديهم من ملفات سياسية واقتصادية وعسكرية إلخ ويريدون ممارسة الفشل والخلاف في مواضع يمكن لشعبنا الواعي المثقف أن يصنع فيها البهجة والاتفاق وأن يحقق النجاح، اضاعوا الوطن وصرفوا لنا المزيد من الأيام الوطنية!.

 يوم البن اليمني عزيز علينا جميعاً، فهو يوم العائلة اليمنية قبل كل المسميات، يتحلق الجميع حول جمنة القهوة والفناجين الحيسي، أو حول الكتلي وصياني الخزف وفناجين الزجاج، وهو يوم لكل محبي الوطن ممن يغارون على كل شبر، وعلى كل منتج، وعلى كل نتاج حضاري وثقافي يمني، خاصة وأن هناك من يتحينون الفرص للسطو على كل ما هو يمني كحالة رثة، وشوفينية عارضة 

لماذا علينا أن نحتفي بيوم القهوة اليمنية في هذه المرحلة وكل المراحل القادمة؟ من جانب حتى نعيد الناس للالتفاف حول كل ما هو يمني، وكل ما هو إيجابي، وكل ما هو منتج قابل للنمو والتطوير، وفيه إمكانية تحويله لقوة إنتاجية ورافد اقتصادي.

ومن جانب أخر للحفاظ على الموروث الثقافي، والزراعي، وللحفاظ على هوية البن اليمني من الضياع، ومن السطو عليها ومن تحويلها إلى مسميات هزيلة غير قابلة للبقاء. ولتعزيز ذلك يجب أن تتظافر الجهود الفردية والجماعية والجماهيرية للاحتفاء العفوي والشعبي بعيداً عن الرسميات الهزلية الباعثة على الشفقة

ندرك حالة الملل العام من كافة المناسبات والعزوف عنها جميعاً بسبب الفاشلين الذين أوصلوا البلد والشعب لما بعد حافة الانهيار، ومازالوا مواصلين في الدفع بالأوضاع نحو الهاوية، ليثبتوا للممولين مدى تدني قيمتهم وقيمهم.

 ومع ذلك علينا المحاولة، وحث الخطى، والسير قُدماً للخروج من حالة الملل العام، نقول لأنفسنا أولا أننا نستحق اليمن واليمن تستحقنا، وأننا وبلدنا وكل أبناء شعبنا نستحق الحياة، ونستحق العيش بطريقة أفضل.

دعونا نتركهم كبهلوانات في سيرك قديم عفَّى عليه الزَّمَنُ، ولنبحث عن طرق جديدة، ووسائل جديدة، وأفكار جديدة تخرجنا من هذا البؤس، دعونا نصلي لأجل اليمن، ونرفض عسكرة البن أو توظيفه في الصراعات العدمية.  دعونا نرتشف من نبيذ غيومنا - المعتقة بالكبرياء والمحبة والسلام - من نتاج عرق الفلاحين الأوفياء للأرض للحضارة للإنسان للتقاليد اليمنية الأصيلة، لِنَقٌل كأسك يا وطن ورائحة البن - الحرازي، الحمادي، الخولاني، اليافعي، المطري، العديني، الحيمي، الأهجري، البرعي، الريمي، الوصابي، الأنسي، الصبري - تفوح في كل ديوان يمني، سواء كان داخل أو خارج اليمن.

على كل منا أن يحتفي ويبتهج بفنجان قهوته على طريقته، سواء أكان في بيته، في حقله، في مقر عمله، في الوطن، أو في المنفى، ليس شرطاً أن يصدر قرار هذا أو ذاك بالاحتفال، لسنا تبعاً لأحد، نحن نتبع اليمن الكبير، ونتبع ضميرنا الحي، ونتبع عاطفتنا اليمنية، ونعرف طعم ورائحة قهوتنا قبل أن يعرفها العالم أجمع، وقبل أن تُخترع كل مكائن صناعة القهوة اليدوية والكهربائية، فالجمنة اليمنية كانت موجودة وكانت هي الأسبق دوماً.

كتبت، وكتبت حول القهوة منذ عقد من الزمن، ومازلت أرى أني لم أكتب ما يفي القهوة اليمنية حقها، ومنذ أعوام أحتفي وحدي بها قبل تسمية يومها، وهي عندي نبيذ الغيوم، وما أن وجدتُ يومها 3 مارس تنفست الصعداء وأدركت حجم وعي شبابنا. لذلك منذ أعوام ونحن في مجموعة اليمنيون الإعلامية والثقافية نُحيي هذا اليوم كجهة منظمة، وكأفراد، وكشركاء مع كل عشاق القهوة اليمنية.

 في يوم قهوتنا تحية لكل المحتفيين بها، وموكا سعيد للجميع.

مقالات قد تهمك

القهوة اليمنية: حين يتكلم المكان ويصمت الادعاء
نبيذ الغيوم

القهوة اليمنية: حين يتكلم المكان ويصمت الادعاء

تضع هذه المقالة القهوة اليمنية ضمن سياقها الطبيعي والتاريخي، متتبعة تشكّلها عبر المشهد الطبيعي، والزمن، والعمل البشري. وهي تتجاوز إحصاءات التصدير والجدل حول الأصل، مقدّمة القهوة بوصفها حصيلة زراعة جبلية مطرية، وجني يدوي، ومسار ثقافي يمتد من ليالي السهر الصوفي إلى التداول العالمي. تُقرأ القهوة اليمنية هنا لا كسلعة معيارية موحّدة، بل كتجربة صاغها المكان.

منذ شهرين
Yemeni Coffee: When Ground Speaks, Claims vanish
نبيذ الغيوم

Yemeni Coffee: When Ground Speaks, Claims vanish

This article situates Yemeni coffee within its natural and historical context, tracing its formation through landscape, time, and human labor. It moves beyond export statistics and debates over origin, presenting coffee as the outcome of rain-fed mountain agriculture, manual harvesting, and a cultural trajectory that extends from Sufi night vigils to global circulation. Yemeni coffee is read here not as a standardized commodity, but as a place-shaped experience.

منذ شهرين