في ذكرى الهجرةِ النّبويّة على صاحبها أزكى الصّلاةُ والسّلام
طارق السكري
هبطتُ أشرعةُ النُّورِ على نافذتي في ذكرى الهجرةِ ، وانفسحتْ في جسدي الرؤيةُ ، والأطفالُ على هيئةِ أقواسِ سحابةْ ، كوبليهاتُ موسيقى أو أدوارُ غناءٍ ، كان الضوءُ الصَّاعدُ مِن أعماقِ الرُّوحِ ، يُصافحُ ضوءَ الذكرى . جبريلُ على الأفْقِ مسجَّى بالكلماتِ يقولُ ليَ : اكتبْ .. عن روعةِ هذا الَّألاءِ السّائحِ في الصحراءِ .. النَّابهِ للمدنيَّةِ .
كان ربيبُ الفنِّ يُخطِّطُ : كيفَ سيهدمُ عرشَ الفقرِ وكيف سيهدمُ سجنَ الليلِ وكيف سيثقب قلبَ الصّنمِ القاتلِ روحَ الهمجيَّة .. اَلآكلِ سُحتاً .. والشَّارب من جمجمةِ الإنسانيَّة .
الصَّنميّةُ .. شيطانُ العصرِ .. يجرُّ سلاسلَ ليلٍ طبقيٍّ .. تحْطِمُ صدرَ بلالٍ .. سُحقاً يابنَ فُهَيْرة تنهشُ ثدي سُميَّةَ .. تقبضُ أنفاسَ الضعفاءِ .. وتنعق في الأغوارِ : عبيدٌ أنتمْ ! نحن السَّدَنة .. نحن الأسيادُ الشُّرفاء .
الحريَّةُ كانت تبكي في الظلماءْ .. تسمع أصداءَ القمعِ المحمومِ .. وتصغي لفحيحِ المجتمع المقلوبِ .. الضَّاري البأسْ . كان فؤادُ الحرِّيَّةِ ينبضُ بالحزنِ الدّامي ، ويُعاني ويلاتِ الصَّمتِ الهائلِ تحت ضبابِ الدمعِ وتحت أُوارِ الشمسْ .
الحرّيّةُ كانت أملَ المظلومينَ .. وكانت حبراً أبديَّاً .. لا يعرف من فرحتهِ ، كيف سينسجُ أجمل فستانٍ في الشعرْ .. لعيونِ الفجرْ! لذلك كان الحلمُ بيوم النصرِ شراشفَ نور .. كان العطشُ القاسي تحت هتافِ الحلمِ رحيقَ زهور .. كان الشتمُ وقذفُ العرضِ ولطمُ الوجهِ .. نديَّ سطور .. الحرِّيِّةُ كانتْ زمزمَ تروي الحلمَ السَّاهرَ .. والمحبوسَ وراءَ الصّدر .
طلع نهارُ الحلمِ .. ضحكَ الغيمُ .. ضحكَ النَّايُ .. وهبَّ نسيمُ البحرِ رخيَّاً .. يملأُ أسماع الأشعارِ صباحاً .. طلع نهار الحلم على حمزةَ .. أسدِ اللهْ .. أفرغ في التربةِ قبلتهُ .. كان النخلُ صهيلاً يقرع أجراسَ الجوزاء .. كان سعيداً وجهُ الضعفاءْ .. طلع نهار الحلمِ .. وامتدّت أشرعةُ النور على البيداء . صار أديمُ الرّملِ المغبرِّ حريراً .. يجري في ديباجِ الرّمل زكيَّ الألوان .. صار الجوّ الصنميُّ .. ربيعَ الفلسفةِ .. ورفيع الأدب الأسطوريّ .. وروضَ الفقهِ العابقِ بالموسيقى والحرّيّة .
في ذكرى الهجرةِ .. قلتُ سأنهضُ عن أغلالي .. وأُذرِّيها للريح .. كم تسكب حلماً ياربّ ! إن قريشاً عادتْ تمنعني حلمي المدنيَّ .. تسلخ جلدَ التاريخِ الحلمِ .. وترميهِ .. لضباعِ الشَّاهْ .. عادت بخيولٍ عجماءْ .. تعبر فوق شفاهي وتذيق جواري الشعر البأساءْ . كم تسكب حلماً يارب ! ها صوتُ المدنيّةِ من أرضِ الأحلامِ تعِزّ .. صوتٌ زلزالْ . صوتٌ فيهِ .. نفَسُ الرَّحمنْ .. صوتٌ سيسيحُ على صخرتهِ .. آلُ الشيطانْ .