تغيّرت ملامح الصحافة بشكل جذري منذ أن اقتحم الذكاء الاصطناعي غرف الأخبار. لم يعد الأمر يقتصر على أدوات المساعدة في التصحيح الإملائي أو البحث عن مصادر، بل بات الذكاء الاصطناعي شريكًا مباشرًا في صناعة المحتوى، من توليد العناوين إلى تلخيص البيانات واقتراح زوايا السرد، بل حتى كتابة الفقرة الأولى في بعض الأحيان.
في عام 2024، كشفت عدة مشاريع صحفية كبرى كيف أصبحت هذه التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من غرف التحرير. مثلًا، أطلقت صحيفة USA Today مشروعًا تجريبيًا لإضافة ملخصات آلية في بداية الأخبار، تهدف إلى تسهيل استيعاب القارئ للمعلومة دون الحاجة إلى قراءة النص الكامل. هذا التوجه، الذي أعلنت عنه مجموعة Gannett الإعلامية في مذكرة داخلية، يعتمد على تقنية توليد النقاط المفتاحية من المقالات باستخدام خوارزميات داخلية طُورت على مدى تسعة أشهر.

في المجال الاستقصائي، تجاوز الذكاء الاصطناعي مرحلة المساعدة إلى قلب العملية الصحفية. برز تحقيق نشره موقع Netzpolitik.org بالتعاون مع إذاعة BR الألمانية، اعتمد على تحليل 3.6 مليار نقطة بيانات GPS مسرّبة من تطبيقات الهاتف، تم الحصول عليها من وسطاء بيانات (data brokers). أظهر التحقيق أن هذه البيانات، التي تُباع عادة لأغراض تسويقية، يمكن أن تشكل خطرًا مباشرًا على الأمن القومي.
أما في التحقيقات الدولية، فقد استخدمت جهات مثل Bellingcat وScripps News الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل الصور لتتبع حركة كتيبة عسكرية إسرائيلية داخل قطاع غزة، بالاستناد إلى صور أقمار صناعية مفتوحة المصدر ومنشورات الجنود على وسائل التواصل الاجتماعي. تمكن الفريق من رسم خريطة ميدانية دقيقة لحجم الدمار الواسع، ومواقع الاستهداف المدني، في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.
في مجال تغطية الجريمة والتهريب، نشرت رويترز تحقيقًا بصريًا دقيقًا عن سلسلة توريد الفنتانيل من الصين إلى المكسيك، مرورًا بالبريد الأمريكي. استخدمت فيه بيانات شحن ورسومات تفاعلية توضح كيف تُهرّب المواد الأولية في طرود صغيرة يصعب تتبعها ضمن أكثر من 4 ملايين طرد يومي يصل أمريكا من الصين.
في المجال السياسي، حللت صحيفة وول ستريت جورنال أكثر من 42,000 تغريدة لإيلون ماسك عبر تقنية تعتمد على نماذج لغوية مماثلة لـChatGPT، وقدّمت تحليلًا بيانيًا لتغير نمط خطاب ماسك السياسي منذ استحواذه على تويتر. أظهر التحليل تزايد ميوله للتفاعل مع الخطابات اليمينية، وتأثيره المتزايد في تشكيل المزاج السياسي العام لدى متابعيه الذين تجاوزوا 195 مليون.
استخدام الذكاء الاصطناعي في أشكال النصوص الصحفية
يُستخدم الذكاء الاصطناعي في صياغة الخبر الصحفي لتلخيص الأحداث فور وقوعها، اعتمادًا على مصادر متعددة يتم تغذيتها في الوقت الحقيقي. أما في التقرير الصحفي، فيمكن استخدام أدوات التصنيف والتحليل لتوليد ملخصات أو مقاطع تفسيرية تستند إلى بيانات ضخمة. كذلك، في المقال التحليلي، تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لاستخراج الأنماط، وتحليل المزاج العام من آلاف التغريدات أو التعليقات.
أما في التحقيق الصحفي الاستقصائي، فالقيمة الأكبر تكمن في تحليل قواعد بيانات ضخمة، وربط النقاط بين وقائع مشتتة، مثلما حدث في تحقيق بيانات موقع GPS الذي كشف حركة عملاء الأمن القومي الألماني.
ما الذي يفعله الصحفي؟ وما الذي يفعله الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي يقوم بجمع البيانات، تلخيص المعلومات، تحليل المزاج، وتحديد الأنماط. أما الصحفي، فيقوم بتحديد الزاوية، التحقق من المصادر، ربط الأحداث بالسياق المحلي أو السياسي، واختيار الكلمات والأسلوب الذي يتناسب مع جمهوره. الذكاء الاصطناعي لا يعرف ما هو المهم في لحظة سياسية حرجة، ولا يمكنه اتخاذ قرار أخلاقي أو تحرير فقرة بخلفية تاريخية دقيقة.
هل سيمكن الاستغناء عن الصحفي؟
الواقع أن المؤسسات الإعلامية ستستغني عن الصحفي الذي لا يمتلك مهارات تحليل أو تحقيق، لكنها ستتمسك أكثر بالصحفي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بذكاء. لن يكون الصحفي كاتبًا فقط، بل منسقًا ومحررًا ومحللاً للمخرجات. أما من ينتظر أن يُملى عليه النص من الذكاء الاصطناعي، فسيُستبدل بلا شك.
ثقة الجمهور والمصداقية
لا يزال الجمهور يتعامل بحذر مع القصص المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي. الشفافية في ذكر استخدام الأدوات أصبحت مطلبًا أخلاقيًا ومهنيًا. بعض المؤسسات مثل Gannett تنشر تنبيهًا في نهاية الخبر يوضح أن الملخص أُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي ثم راجعه محرر بشري.
حسب دراسة لمعهد رويترز، فإن 72% من القراء يريدون أن يعرفوا إن كانت المادة قد صيغت بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بينما يشعر أكثر من نصفهم بالريبة تجاه الأخبار المنتجة آليًا بالكامل.
تدريب الصحفيين والمؤسسات الإعلامية
المؤسسات التي تريد البقاء تحتاج لتدريب طواقمها على أدوات الذكاء الاصطناعي، من أدوات توليد النصوص، إلى أدوات التصنيف المرئي، وصولًا إلى تحليل البيانات. الكليات الإعلامية كذلك مطالبة بإدراج الذكاء الاصطناعي ضمن مناهجها ليس بوصفه تهديدًا، بل كأداة لا بد من امتلاكها.
الصحفي الذي ينجو في عصر الذكاء الاصطناعي هو من يفكر نقديًا، ويتقن الأدوات، ويقودها لا أن تقوده. الذكاء الاصطناعي يتيح للصحافة أن تكون أكثر دقة، وسرعة، وتنوعًا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحضور البشري في الميدان، ولا عن العين النقدية التي ترى ما وراء البيانات.
الصحافة مهنة الشك والتدقيق والتوثيق، ولن تصبح أبدًا مهنة الضغط على زر فقط. من يريد أن ينجو، عليه أن يتعلم كيف يكتب بالتعاون مع الخوارزميات، لا أن يسمح لها بكتابة كل شيء وحدها.
إنها ليست نهاية الصحافة، بل بداية فصل جديد فيها. فصل من الشراكة بين الإنسان والآلة، حيث تبقى المسؤولية في يد من يعرف قيمة الكلمة، وخطورة الخطأ، وأهمية الحقيقة.
ملاحظة: هذا المقال تمت صياغته جزئيًا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، تحت إشراف ومراجعة فريق التحرير في موقع اليمنيون. نلتزم بالشفافية والدقة في تقديم المعلومة.