رغم الحديث المتكرر عن السلام والتحركات الإقليمية والدولية لوقف الحرب، تدخل المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع النظام الإيراني شهرها الثاني دون مؤشرات واضحة على الحسم أو تحقيق الأهداف الاستراتيجية لأي من الطرفين.
يُنظر إلى هذه الحرب في إطار صراع المشاريع الجيوسياسية على النفوذ والاستحواذ، وإن حاولت بعض الأطراف إضفاء طابع ديني عليها عبر شعارات وتوصيفات أيديولوجية.
تدور رحى هذا الصراع في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم أهمية وحيوية، إذ تمتلك أكبر احتياطات الطاقة التي تشكل عصب الاقتصاد العالمي، فضلًا عن إشرافها على أهم الممرات المائية الدولية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
ومع مرور الوقت واتساع النطاق الجغرافي للحرب وانخراط فاعلين جدد فيها، تتزايد المخاطر والتداعيات الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي. ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار النظام الإيراني في الحفاظ على قدرته على توجيه ضربات لأهداف حيوية وبنى تحتية في دول الخليج العربي وإسرائيل، إضافة إلى بعض الأهداف العسكرية الأمريكية.
ورغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي تكبدها النظام الإيراني، فإنه لا يزال يمتلك القدرة على توظيف أدواته وأذرعه المسلحة في المنطقة للدفاع عن مصالحه وبقائه.
فقد دخل حزب الله اللبناني في مواجهات مباشرة مع إسرائيل، كما أعلنت جماعة الحوثي يد إيران الطولى في اليمن مؤخرًا انخراطها في الحرب عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، وهو ما يفتح فصولًا جديدة من المعاناة للشعبين اليمني واللبناني نتيجة الضربات الإسرائيلية على المصالح والبنى التحتية ردًا على تلك التحركات.
وتُفسَّر هذه التحركات على نطاق واسع باعتبارها رسالة إيرانية تؤكد قدرة طهران على تحريك أدواتها العسكرية في أكثر من جبهة، بما في ذلك البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي نتيجة إرباك حركة الملاحة الدولية وتعطل سلاسل الإمداد البحري.
ولا تقتصر الحرب على المواجهات العسكرية والقصف المتبادل، بل ترافقها أيضًا حرب إعلامية موازية، تحاول من خلالها الأطراف المتصارعة إقناع الرأي العام في دولها بتحقيق انتصارات عجزت الجيوش عن حسمها ميدانيًا رغم استخدام الأسلحة المتطورة والصواريخ الذكية الأكثر تدميرًا.
ويرى بعض المراقبين للشأن الأمريكي، ومنهم الكاتب الأمريكي توماس فريدمان، أن قرار الحرب الحالية في الشرق الأوسط جاء خارج الأطر التقليدية للاستراتيجيات الأمريكية ودوائر صناعة القرار المعهودة.
كما يذهب الخبير الأمريكي روبرت بيب إلى أن هذه الحرب تعكس إلى حد كبير اندفاعًا سياسيًا مرتبطًا بطبيعة القيادة الأمريكية الحالية، حيث نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة في إقناع إدارة الرئيس دونالد ترامب بخوض هذه المواجهة استجابة للمخاوف الإسرائيلية، بعيدًا عن الحسابات التقليدية للمصالح الأمريكية وحلفائها.
ويعتمد الرئيس ترامب في كثير من سياساته على عنصر الصدمة والقرارات السريعة المدعومة بحملات إعلامية مكثفة، كما حدث في عدد من الأزمات الدولية السابقة. غير أن مسار الحرب مع إيران كشف للداخل الأمريكي عن كلفة بشرية ومادية مرتفعة تكبدتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأسابيع الأولى من المواجهة.
كما لم يكن الاقتصاد العالمي بمنأى عن هذه التداعيات، إذ انعكست الحرب سلبًا على أسعار الطاقة وأسواق السلع، وأدت إلى ارتفاع تكاليف المعيشة في العديد من دول العالم.
ومما يزيد من القلق الدولي التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب التي تحدث فيها عن استعداد واشنطن وتل أبيب لتنفيذ مرحلة جديدة من العمليات العسكرية، قد تشمل تحركات برية تستهدف مواقع استراتيجية داخل إيران، من بينها جزيرة خارك الغنية بالنفط والغاز.
ويبدو أن هذه التحركات العسكرية المحتملة دفعت إيران إلى توسيع دائرة المواجهة عبر حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم جماعة الحوثي في اليمن، بهدف تهديد أمن الممرات المائية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي نتيجة تعثر إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري.
كما بدأت آثار هذه الحرب تنعكس على الداخل الأمريكي نفسه، حيث تشير تقارير إعلامية أمريكية إلى تراجع مستويات التأييد الشعبي للرئيس ترامب إلى نحو 26% وفق بعض استطلاعات الرأي، وهو ما يعكس تنامي القلق داخل المجتمع الأمريكي من تداعيات هذه الحرب.
وفي هذا السياق يحذر عدد من الخبراء الأمريكيين، ومنهم مستشار الحروب في البيت الأبيض روبرت بيب، من خطورة إقدام الإدارة الأمريكية على توسيع الحرب عبر تدخل بري مباشر في إيران، لما قد يحمله ذلك من مخاطر تحول الصراع إلى مستنقع عسكري طويل الأمد، يعيد إلى الأذهان تجارب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق.
وقد يؤدي مثل هذا السيناريو إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي، في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع الصين التي تسعى إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي على الساحة العالمية.
ويتزامن ذلك مع تحديات داخلية متزايدة تواجه الإدارة الأمريكية، من بينها ارتفاع مستويات الدين العام الذي تجاوز أربعين تريليون دولار، إضافة إلى الضغوط التضخمية والتوترات السياسية الداخلية المرتبطة بملفات الهجرة، والتي اسهمت باتساع العنف الساسي والانقسام المجتمعي.
كما أن السياسات الخارجية للرئيس ترامب، بما في ذلك قرارات التعرفة الجمركية والتصريحات المثيرة للجدل بشأن حلفاء الولايات المتحدة، مثل الحديث عن ضم كندا أو جزيرة غرينلاند، أسهمت في توتر العلاقات مع عدد من الحلفاء التقليديين في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وقد دفعت هذه السياسات بعض القادة الأوروبيين إلى إعادة التفكير في طبيعة علاقاتهم الاستراتيجية مع واشنطن والبحث عن خيارات تضمن استقلالية أكبر في القرار السياسي والأمني.
وبنا أن شواهد التاريخ تؤكد أن دور القادة والزعماء كان دائمًا عاملًا حاسمًا في صعود الدول والحضارات الكبرى، فقد كان لقراراتهم الخاطئة في أحيان أخرى دور في أفول قوى كبرى وسقوط إمبراطوريات.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
هل يمكن أن تتحول حروب النفوذ والاستحواذ في الشرق الأوسط، في ظل الاستراتيجية التي تنتهجها إدارة ترامب، إلى القشة التي تقصم ظهر الهيمنة الأمريكية، وتفتح الباب أمام تشكل نظام دولي جديد أكثر تعددية، ربما تتقدم فيه الصين كقوة رئيسية في قيادة موازين القوة العالمية؟