معالم نظرية سياسية إسلامية في طريقها إلى الظهور
عبد العزيز العسالي
مــهـــاد تـاريـخـي: في كتابه الرائع ـ طبائع الاستبداد قال الكواكبي رحمه الله: قضية الحكم هي أكبر مشكلة عبر التاريخ ص166. كلام الكواكبي الآنف لم يأت من فراغ، وإنما هو نتيجة تتبع عقلي حصيف استقرأ على قضية الحكم عبر التاريخ، ثم أصدر حكمه عن وعي وقد أصاب. هذه المشكلة الكبرى تولد عنها أسئلة، وظلت حاضرة في تاريخ الفكر البشري المتصل بالاجتماع السياسي. لقد حاول الفلاسفة الإجابة على الأسئلة التاريخية كأفلاطون وأرسطو وهوبز، وروسو الخ.
يمكننا استعراض الأسئلة التاريخية إجمالاً وإيجازاً وصياغتها كالتالي: هل وجود السلطة ضروري؟ إذا قلنا بالإيجاب فما هو الطريق الشرعي والأسلم لإقامة السلطات؟ كيف يمكن الوصول إلى العدالة السياسية المنصفة؟ هل وجود السلطة يعني انقسام الناس الى آمر ومطيع؟ ما طبيعة منصب الحكم؟ هل هو هبةٌ سماوية أم ملك شخصي وراثي أم وكالة مشروطة؟ ماهي الطريقة الناجحة لحمل الناس على التزام القانون وطاعة السلطة؟ ما حدود هذه الطاعة؟ ماهي الضمانات الكفيلة بتقليم أظافر السلطات وتحول دون تغولها وانفرادها بالقرار؟ هذه هي مجمل الأسئلة التاريخية حول مشكلة الحكم.
انقسام الفكر السياسي: انقسم الفكر السياسي في النظر إلى طبيعة النفس البشرية، هل هي شريرة أم خيِّرة؟ انعكس هذا الانقسام على نظرية السلطة، فالذي نظر إلى النفس البشرية أنها شريرة طالبت نظريتُه بقيام سلطة مستبدة ;كي تقمع الوحش القابع داخل الانسان. هذا القسم من الفكر السياسي نظر إلى النفس البشرية أنها(خيِّرة) وأن الشر طارئ عليها وأنه يمكن تهذيبها وتخفيف الشر.
أصحاب هذه النظرية انطلقوا من مقدمات نظرية تتمثل في تكريم الإنسان، -ومصدره النفخة الإلهية (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) - استخلاف الإنسان، هدم الوثنية السياسية، سيادة الأمة، إهدار التراتبية الاجتماعية، ترسيخ هيبة الأمة، وتعقيد مصدر القرار.
الحقوق الفطرية: إذا تأملنا هذه المقدمات سنجد أنها قد اشتملت على نوعين من الحقوق؛ النوع الأول الحقوق الفطرية وهي التي لا يجوز التنازل عنها بحال مثل حق الحرية، حق الحياة، الكرامة الإنسانية. النوع الثاني من الحقوق؛ الحق الوضعي الأرضي الإجرائي المتمثل في العقد الاجتماعي، ومصدره سيادة الأمة. وهذا ما أخذ به إعلان الثورة الأمريكية، وهذا الإعلان قد اقترب من الصواب إلى حد كبير.
أسس بناء الدولة الحديثة: اختلف فلاسفة الاجتماع السياسي حول أسس بناء الدولة الحديثة، لكن عند إمعان النظر في دساتير الثورات الكبرى ــ بريطانيا، أميركا، وفرنسا، نجد أن الخلاف ليس جوهرياً، وربما كان الخلاف من باب البصمة والتميز والابتعاد عن التقليد. فمثلاً تعتمد النظرية السياسية البريطانية على قوة (البرلمان) فهو الحاسم في القرارات السيادية. بينما النظرية السياسية الأمريكية تقوم على أساس أن (الدستور) هو الفيصل. فيما النظرية السياسية الفرنسية تذهب إلى أن (الشعب) فالشعب هو الحاسم.
باختصار، الشعب هو مصدر (الشرعية السياسية) المتمثلة في الدستور والبرلمان والسلطة التنفيذية; ذلك أن هذه النظريات كلها متلازمة فلا دستور بدون أمة، ولا برلمان،ولاوجود لأمة في غياب الدستور والبرلمان.
مقاصد القرآن تضع أسس بناء الدولة
· الأساس الأول الشورى: الشورى أم الأسس، فمن المعلوم أن تشريعات القرآن مرت بمرحلتين هما المرحلة المكية والمرحلة المدنية، ومن المعلوم أن فرائض الإسلام صلاة وصيام وزكاة تكرر ذكرها في القرآن، ولكن بصورة اجمالية في العهد المكي، ثم كان التفصيل في العهد المدني كالتالي؛ القرآن في العهد المكي تحدث عن أساس الحكم، حيث أنزلت سورة الشورى. فالنص القرآني حدد مكانة مبدأ الشورى بين فريضتين في هذه السورة، قال تعالى:(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) الشورى، الآية:38.
كما أن القرآن نص على الشورى في العهد المدني (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) آل عمران الآية 159. فالنص على مبدأ الشورى ورد في العهدين المكي والمدني دونما تفصيل.
والملاحظ هووحدة الجذر اللغوي لـ (الشورى) و (الأمر)، أمرهم شورى.. الخ. في السورة المكية وشاورهم في الأمر في السورة المدنية. نستنتج من ذلك أن الشورى أم الأسس. وكما أن النظريات السياسية الوضعية على اختلاف صيغها جعلت أساس بناء الدولة هو(الشعب) فالشعب حاضر في هذه النظريات أما بالنص أو بالتلازم، كذلك فإن مقاصد القرآن في التشريع المكي والمدني جعلت أساس بناء الدولة (الشورى)! والشورى ــ بداهة مصدرها الأمة.
حددت مقاصد القرآن مجال مبدأ الشورى (أمر الامة) أي مصالحها الدنيوية وهو الحكم، وبقية الأمور في فلك الحكم، فما هو أمر الأمة وماهي مصالحها؟ عرفنا في المهاد التاريخي أعلاه أنالمشكلة الكبرى هي قضية الحكم، وأن الأسئلة التاريخية التي شغلت فلاسفة الاجتماع كان من بينهاماهي الطريقة الأسلم في تحقيق العدل؟ وهنا نجد أن القرآن قد حدد الغاية من الرسالات السماوية قائلاً (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ) الحديد، الآية25.
هذه الآية حددت بدلالتها القاطعة أن الهدف والغاية من الرسالات السماوية عبر التاريخ هي معالجة المشكلة الكبرى المتمثلة في (الحكم) وأن العلاج هوإعادة أمر الحكم المتمثل في الشرعية السياسية إلى صاحب المصلحة الحقيقية وهي الأمة (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ).
إن أفضل طريقة لإقامة العدل هي تمليك الأمة ناصية (الشرعية السياسية) يمتاز التشريع الاسلامي بالبعد القداسي لمبدأ الشورى، وهذا أعطى مبدأ الشورى مكانة وضمانة لا توازيهما آية ضمانة على الاطلاق. وأهم ثمارها الإيجابية في انسجام المجتمع مع المبدأ كونه دين مقدس، وفي ذات الوقت تكون هذه المكانة والضمانة من أبرز عوامل ترسيخ القانون داخل المجتمع طاعة واحتراما.
إن التنازل عن حق الحياة وحق الحرية وحق الكرامة في التشريع الإسلامي لا يجوز بأي حال، لأنه تنازل عن حق ديني، فالتشريع الوضعي رغم احتفائه البالغ بالحرية والكرامة الخ إلا أنه لم ينص عليها في الدساتير، وإنما نص عليها في الإعلانات الأولية للثورات، كمقدمات نظرية للثورة، وشتان.
وبما أن التطبيق العملي لمبدأ الشورى في موروثنا الفكري لم يتعد أربع دورات أيام الخلافة الراشدة فهذا جعل موروثنا الثقافي التطبيقي في هذا الجانب قليل. ونظرية الحكم الوضعية امتلكت تجارب ثقافية عديدة ومختلفة وهو تراكم جدير بالانفتاح عليه. فيمكننا الجمع بين قدسية مبدأ الشورى كمبدأ ديني لا يجوز مخالفته، وبين التجارب الوضعية الديمقراطية في الأخذ بها (كآليّة) في إدارة التطبيق العملي للشورى كونها وسيلة ثبت نجاحها في شعوب مختلفة طيلة عقود.
· الأساس الثاني الـحـريـة: إذا تأملنا مفهوم النفخة الإلهية في الإنسان سنجد أن النفخة هي أساس التكريم. والنفخة جعلت الإنسان حراً مختاراً، وذو إرادة. ونجد أن أبرز مظاهر الحرية هو الاختيار. ونجد أن التشريع الوضعي يلتقي مع التشريع السماوي على مفهوم مفاده؛ تنتهي حريتك عند المساس بحرية وحقوق الآخرين، ومن هنا جاء العدل.
· الأساس الثالث الــعــدل: هذا الأساس هو أهم الأسس في بناء الدولة، وظيفته حماية كرامة الإنسان فرداً ومجتمعاً، وحماية الحريات والحقوق. رتب التشريع السماوي عقوبات صارمة إزاء تغول الإنسان وتوحشه تجاه حريات وحقوق الآخرين سواء كان المتغول داخل السلطة أو خارجها.
· الأساس الرابع الــمــســاواة: هذا الأساس هو الوجه الثاني للحرية، فلا يذكر مبدأ الحرية إلا ويذكر معه مبدأ المساواة؛ ذلك أنه لا معنى للحرية بدون مساواة أمام القانون. وقد نص القران على مبدأ المساواة بعبارات مكثفة؛ حيث جعل التمايز والتفاخر الطبقي والسلالي والعنصري صورة من صور الشرك المناقض للتوحيد. قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون) آل عمران الآية 64.
بكلمة واحدة، العظمة والكبرياء لله، كل من هم تحت عرش الله هم متساوون، التنازل عن مبدا المساواة يتنافى مع عقيدة التوحيد، كرامة المتقين المؤمنين كرامة أخروية بحته.
خلاصة الخلاصات، الشورى هي أم القيم السياسية، كونها الأساس الأول وبقية الأسس والقيم هي لوازم لهذا الأساس، من حق الأمة أن تبتكر الضمانات والضوابطـ من أفق ثقافة العصر، حماية لحقوقها ومصالحها من التغول الفردي المتسلط أيا كان.