هل حان الوقت لنقول “مافيش فايدة”؟!
عاهد الزبادي
بعد مفاوضات عقيمة أجراها مع مندوب الاحتلال البريطاني، عاد الزعيم الثوري المصري “سعد زغلول” لمنزله محمّلًا باليأس والإحباط، وذهب على الفور باتجاه غرفة نومه وسط دهشة زوجته “صفية” التي كانت -كملايين المصريين- تنتظر نتائج تلك المفاوضات. وبعد أن وضع رأسه على مخدته، التفت زغلول لزوجته وقال جملته الشهيرة التي أصبحت مثلًا بعد ذلك، ” مفيش فايدة…غطيني ياصفية!!”
إن اليأس الذي دب في حياة سعد زغلول حينها، لم يكن ليتمكن منه لولا إيمانه الشديد بمقولته:” لا وجود لوطن حر إلا بمواطنين أحرار”. ولأن زغلول لم يجد هؤلاء “المواطنين الأحرار”، فقد أطلق حكمه القائل: “مفيش فايدة”.
وعلى العكس من زغلول، كان الزبيري في اليمن يؤمن بالشعب حتى إذا كان جثة هامدة، لاحراك فيه ولاثورة؛ فيقول في ذلك:
وآمنتُ بالشعب حتى وقد
رآه الورى جثة هامدة
تداعى حواليه أعداؤه
ليقتسموه على المائدة
بل إنَّ إيمان الزبيري بالشعب يصل إلى أبعد من ذلك؛ فهو يؤمن به حتى إذا كان جاثيًا على ركبتيه، خاضعًا مُذعنًا متحالفًا مع الطغاة؛ فيقول:
وآمنت بالشعب يوم جثا
أمام الطغاة على ركبتيه
ويوم انبرى في ذهول الهوان
يرمي مكاسبه من يديه
ولأن قوانين الكون ونواميسه تقضي أن الإيمان بمفرده ليس كافيًا لإحداث أي تغيير إن لم يرافقه عمل، ولأن قادة الثورة الأحرار كانوا يدركون ذلك جيدًا؛ فقد كانوا يعملون بجد دون كللٍ أو ملل حتى كُللت حياة الكثير منهم بالشهادة في سبيل تحرير شعبهم الذي آمنوا به وعملوا لأجله؛ فكانوا بذلك من “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”؛ فانتصروا…
لطالما آمن الثوار بأن الشعوب لايمكن لها أن تتحرر من الاحتلال الخارجي(الاستعمار) إلا بعد أن تتحرر من الاحتلال الداخلي (الاستبداد)؛ فالاستبداد والاستعمار وجهان لعملة واحدة، والحاكم إما أن يتحالف مع شعبه ضد المحتل، أو يتحالف مع المحتل ضد شعبه، ولأن الحاكم المستبد يرى في شعبه مصدر قلق وخطر على سلطته؛ فإنه يتحالف مع المحتل عليه؛ ليحافظ على عرشة، وهذا ما كان يحدث في اليمن قبل ثورتي سبتمبر واكتوبر المجيدتين. وبعد عام واحد فقط من اشتعال فتيل ثورة سبتمبر في شمال الوطن ضد حكم الإئمة الكهنوتي، اشتعلت ثورة اكتوبر في جنوبه ضد الاحتلال البريطاني، وقد ظل المحتل البريطاني يدعم فلول الإئمة بالسلاح والمعلومات لإجهاض ثورة سبتمبر حتى لايتحرر اليمنيون في الشمال من الاستبداد الإمامي؛ فينتفض الشعب بشماله وجنوبه ضده بعد ذلك، وهو ماحدث بالفعل.
كان الإئمة والبريطانيون على حد سواء يخشون من اتحاد اليمنيين عاطفة ووجدانًا، فضلًا عن اتحادهم أرضًا وإنسانًا؛ وذلك لأن كلًا من الاستبداد والاستعمار لاتقوى شوكتاهما في ظل شعب واحد موحد، لذلك يعملان دومًا على تقسيم الشعوب وتمزيق نسيجها الاجتماعي مستخدمين سياسة “فرِّق تسد” ليتسنى لهم الهيمنة عليها ونهب ثرواتها ومصادرة حقوقها؛ وهذا ماحدث في اليمن الذي تم تقسيمه ليمنين شمالي وجنوبي فرقته الحدود ووحدته المأساة.
لايكتفي الاستبداد والاستعمار بتقاسم الشعوب فيما بينهم؛ بل يذهبون إلى تقسيم المقسَّم وتجزئة المجزأ؛ ففي حين كان الاحتلال يغذَّي الصراعات المناطقية بين السلطنات والمشيخات في الجنوب، كان الإئمة يغذون الصراعات بين القبائل ويمزقون النسيج الاجتماعي في الشمال تارة على أسس طبقية عنصرية، وتارة أخرى مذهبية وقبلية.
وعلى الرغم من قوة تأثير البروباغاندا الإمامية على الشعب، إلا أن الثوار كانوا يدركون جيدًا متانة العلاقة بين الاستبداد الإمامي والاحتلال البريطاني، وأدركوا بأنه لو كان الاستعمار قلبًا كان الاستبداد نبض ذلك القلب، ولو كان جسمًا كان الاستبداد رأس ذلك الجسم، ولو كان جسدًا كان الاستبداد روح ذلك الجسد؛ لهذا أجمعوا على التخلص من الاستبداد الإمامي وتكوين جمهورية في الشمال، ومن ثم الانطلاق لتحرير الجنوب؛ فهذا بطل ثورة اكتوبر راجح غالب لبوزة لم ينطلق لتحرير الجنوب من الإحتلال إلا بعد أن شارك في تحرير الشمال من حكم الإئمة الكهنوتي؛ وهاهو قحطان الشعبي لم يفجر ثورة أكتوبر ويصبح أول رئيس في الجنوب إلا بعد أن شارك إلى جانب ثوار سبتمبر وتم تعيينه مستشارًا للرئيس السلال في الشمال، وكما كانت عدن مركزُا لتفجير ثورة سبتمبر، كانت تعز قاعدة خلفية لثورة اكتوبر، وبهذه الروح الوحدوية، والنفس الثوري، والعزيمة الفولاذية، انتصرت إرادة الشعب وتخلص من الاستبداد والاستعمار، لكنه لم يتخلص من مخلفاتهما!!
إنَّ أخطر مخلفات الاستبداد والاستعمار هو تغييب الوعي بشكل تدريجي، تمامًا كما تعمل الأمراض التي تصيب مناعة الشخص وتظل تستشري به على المدى الطويل دون أن يهتم المصاب لخطورة الأمر؛ فما أن تضعف مناعته حتى يصبح الجسم بعدها عرضة للأمراض والمضاعفات الخطيرة، وكذلك تعمل مخلفات الاستبداد والاستعمار بالوعي الإنساني، فما أن تُضعف الوعي حتى يصبح المجتمع بعدها عرضة للإصابة بمضاعافات داء الاستعمار والاستبداد وأعراضهما التشطيرية والعنصرية. وهذا- بالضبط- مانعاني منه اليوم بعد أكثر من نصف قرن على ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين؛ فعلى مدى خمسة عقود، تم تخدير الشعب وتغييب وعيه من قبل النخب والاحزاب والمثقفين؛ فلم يعرف الشعب ثوراته ولا تأريخها ولا قادتها الأبطال؛ بل وصل الأمر إلى تصفية بعض قادة الثورة بسبب اختلاف فكري معهم، ومن ظل منهم على قيد الحياة تم تهميشة من قبل النظام والمعارضة على حد سواء!!
كان كبار قادة الثورة -ومنهم من تولى منصب رئاسة الجمهورية كالسلال- يأتون لميدان السبعين ليحتفلوا بأعياد الثورة المجيدة وقد نهش الزمن في أجسادهم واشتعل الشيب في رؤوسهم. كانوا يجلسون في الصفوف الخلفية لميدان السبعين دون أن يعيرهم أحد أي اهتمام أو حتى يعرفهم وهم قادة الثورات التي نحتفل بها! كانوا يجلسون بصمت ونحن ننتظر حضور علي صالح لنصفق له ونتزاحم لنقترب منه!!
لقد كنّا جميعًا ،وبلا استثناء، سببًا فيما نعاني منه اليوم بسبب تهميشنا وتجاهلنا لرموزنا؛ فلم تتبنى حركة من الحركات أو حزب من الأحزاب تلك الأفكار الوطنية لقادة الثورة بشكل مركزي، بل أنهم لم يقوموا بنشرها بين قواعدهم الجماهيرية. لقد أخبرونا عن عبدالناصر ولم يخبرونا عن السلال والثلايا وعلي عبدالمغني، أخبرونا عن ماركس وجيفارا ولم يخبرونا عن القردعي ولبوزة، أخبرونا عن حسن البناء وسيد قطب ولم يخبرونا عن النعمان والزبيري، فصنعوا بذلك مجتمعًا مؤدلجًا ملغمًا يستورد الصراعات من الخارج ليستعرضها في بلده، وهو -مع ذلك- جاهلًا كل الجهل بثورات بلده المجيدة، لايعرف عنها حتى معشار مايعرفه عن أرباب الفكر الذي يؤمن به!!
ونتيجة لهذا الجهل وهذا الشحن الأيديولوجي الممنهج الذي لايحمل أدنى معاني الوطنية؛ فلانستغرب تحالف طرف من الأطراف مع مخلفات الإمامة في حين تحالف طرف آخر مع الاحتلال، وإذا عُرف السبب بُطل العجب.
لم اكتب هذا المقال لأُنغص عليكم فرحتكم أو لأفسد عليكم لذَّة احتفالاتكم، ولا لأفتح جراحاتكم التي كويتموها بشعلة سبتمبر المجيدة؛ بل كتبته لأني أريد أن أفتح الجرح الذي يأبى البعض إلا أن يضمده على فساده !
كتبته لنعيد النظر في احتفالاتنا لتكون سبتمبرية الفعل والقول معًا، لا سبتمبرية المنشورات والأغاني الوطنية التي نتداولها في مواقع التواصل الاجتماعي. كل هذه وسائل جميلة ينبغي أن تكون تعببرًا عن فرحتنا فيما حققناه لا تذكيرًا لنا في تقصيرنا الذي ارتكبناه.
ليس المطلوب لتكون سبتمبريًّا أن تشارك في فك حصار السبعين، مثلًا؛ فالأمر أيسر من ذلك، عليك فقط أن تُبقِ الوعي حيًّا. ليكون احتفالك بكم عدد الكتب التي تتحدث عن الثورة قرأت؟ كم قصة من قصص الثوار قصصتها لأبنائك أو إخوتك الصغار قبيل نومهم؟ كم عدد الأشخاص الذي قمت بتوعيتهم؟ لايمكن أن تكون سبتمبريًّا دون أن تكون قد قرأت كتاب “اليمن الجمهوري” للبردوني، وكتاب “الإمامة وخطرها على وحدة اليمن” للزبيري. هذا أقل شيء يمكن أن يُشعرك بأن هذه المناسبة هي احتفال بإنجاز لا تذكير بتقصير.
في بيتين شعريين من أبيات النشيد الوطني، يقول عبدالله عبدالوهاب نعمان:
كم شهيداً من ثرى قبرٍ يُطِلُ
ليرى ماقد سقى بالدم غَرسَه
ويرى جيلًا رشيدًا لايَضِلُ
للفداء الضخم قد هيأ نَفسَه
تخيل لو حدث ماقاله الفضول في القصيدة وأذِن الله لشهداء ثورتي سبتمبر وأكتوبر أن يطلّوا اليوم من قبورهم لينظروا إلى منجزاتهم التي حققوها للشعب، والتي اطمأنوا بأن الجيل سيحافظ عليها، فهل حقًّا سيرون “جيلًا رشيدًا لايَضِلُ”، أم أنهم سيرون جيلًا أضَّل الطريق وخان الأمانة ونسف كل مابنوه له، وأصبح جيلًا مقسمًا مفككًا يقتل بعضه بعضًا خدمة للاستبداد والاستعمار؟. هل سيرون اليمن الواحد الحر الذي رسموا خريطته بدمائهم، أم أنهم سيرون يمنين شمالي وجنوبي كما كان عليه قبل الثورة؟ لقد كان الثوار يرون سكوت الشعب وخضوعه قبل الثورة فيعذرونه لجهله وتخلُّفه، فما هي مبرراتنا اليوم ليحدث ذلك؟ أهي خيانة منّا لهم وجهل منّا بهم، أم أننا جيل لايستحق بالأساس جهادهم لأجله؟ مالذي سيقوله اؤلئك الشهداء في مثل هذه الحالة؟ هل تُرى الزبيري سيقول حينها “وآمنت بالشعب” كما كان يقول من قبل، أم تراه سيقول كما قال سعد زغلول، ” مافيش فايدة”؟