يمانيون في موكب الثورة

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
متعباً، كنت مرهقاً يائساً مني ومن كل شيء، آوي وجعاً لا ينام، وأصحو على صباحات ليست لي. أكابد غربة قاتلة، لا أكاد أجد ما أتشبث به، ضائعاً تتسع داخلي المتاهة...

متعباً، كنت مرهقاً يائساً مني ومن كل شيء، آوي وجعاً لا ينام، وأصحو على صباحات ليست لي. أكابد غربة قاتلة، لا أكاد أجد ما أتشبث به، ضائعاً تتسع داخلي المتاهة ويتعاظم الخواء.  

كنت مختنقاً بإخفاقات كثيرة، إلى ذاك الحد الذي "لا يجد فيه يقينك هواءً يتنفسه".

ربما اختبرنا جميعًا هذا التوتر، هذا الشعور العاصف بالألم والوحشة إذ تجد نفسك تائهاً، لا مكان، ولا كيان، لا وطن غير الندم. يوهي واقعك الشائه علاقتك بذاتك، بحاضرك، بماضيك، بمستقبلك. لتعيش القطيعة ليل نهار، منكسرًا تهزمك ضرورات اليوم والليلة، تتلوى كمحارب مخذول لا يدري لماذا خسر معركته، ولا كيف أسلم نفسه للهزيمة قبل الأوان؟

كنت أغرق في الكآبة والضجر، يتآكلني العجز في محيط من مبكيات، غير أن يمناً آخر كان في انتظاري، وكذا فتىً آخر غير الذي كنته، فتىً بزغ فجأة من وهج العصور:

وبدأت أحس بزوغ فتى  

غيري من مزقي يتكون

بحسب البردوني.

عدت من الهيئة العامة للكتاب بـ"تاريخ اليمن في مقدمة ابن خلدون"، الذي حققه الراحل محمد حسين الفرح.  

قرون من العنفوان والمجد. يومها كتبت منتشيًا كمن وجد نفسه: "انظر ابن من أنت؟ وعلى أي أرض تقف؟ ومن أي سماوات تتحدر؟" وخجلت من ضعفي المهين.

هو من تلك الكتب التي تعيد بناء الذاكرة الوطنية، تعيد تشييد الوجدان الذي خربه الواقع، تصلنا بامتدادنا الأصيل، بالجذور لنرى أنفسنا أكثر رسوخًا وثباتًا، أكثر شموخًا ورفعة، عصيين على الاقتلاع.

كان الفرح أحد عشاق اليمن الكبار. في إنتاجه شغف هاوٍ، مولع بتسلق القمم، بمتابعة الروح المتدفقة من نهر المهد، عوالم وفضاءات رحبة وخصبة.  

يمثل كتابه الآخر "يمانيون في موكب الرسول" توقيعًا على ذات الولع.

كانوا معي قبل شهور عديدة، ندى يسبق الخطو، عبقًا يملأ الأرجاء ما بين مكة والمدينة. كانوا معي رفاق درب، ينيرون الطريق، يدلونني عليّ، يتلامعون بروقاً في كل أفق، سحائب خير، قادة أفذاذًا، أبطالًا كبارًا، أسهموا في إدارة عجلة التاريخ، تعرفهم كل أرض، وتشير إليهم كل سماء.

أتذكر بحب ذلك الصباح الفرح، في دار الكتب، حيث أقامت وزارة الثقافة أيام خالد الرويشان فعالية تكريم للفرح قبيل وفاته بشهور. قدمته يومها ببعض شغفه، حييت روحه العاشقة لليمن واليمانيين، سألته بدهشة وارتعاش: تُرى كيف تنام وفي قلبك تصحو كل هذه الأزمنة؟

هم اليمنيون، على مر العصور أحرار ثوار، لا يقيمون على ضيم، لم يعيشوا نكرات، استلفتوا انتباه الحقب برجولتهم وشجاعتهم وحضورهم وشمائلهم الكريمة.  

خطاهم على جسد الأرض عزف الروح الأبية، ونشرهم طيب الأرض، أم كل الطيوب والمكرمات.  

الفضاءات عشقهم المتوارث، هم الناس،  "وما الناسُ في البأسِ إلا اليمن".

مقالات قد تهمك

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ يوم
حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ أسبوعين
علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ شهر