الشمس تتناول القهوة في صنعاء القديمة

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
في هذه القصيدة يرسم الشاعر الكبير عبد العزيز المقالح واحدة من أكثر لوحات صنعاء الشعرية صفاءً وعمقًا، حيث تتحول المدينة القديمة إلى كائن حيّ تشارك فيه الشمس والبيوت والقمريات وحقول البن المطري طقسًا يوميًا للبهجة والذاكرة. لا تحضر القهوة هنا بوصفها مشروبًا، بل بوصفها رمزًا حضاريًا يمنيًا مكثفًا، يتداخل فيه الضوء بالتاريخ، والأسطورة بالحياة اليومية، والمدينة بالإنسان. فالشمس التي «تتوقف لتشرب قهوتها» ليست صورة مجازية عابرة، بل إعلان شعري عن مكانة صنعاء في الوجدان اليمني، وعن البن بوصفه جزءًا من هوية المكان وروحه. هذه قصيدة شعرية خالصة، تنتمي إلى الشعر الحديث، وتُقرأ بوصفها احتفاءً بالمدينة، وبالقهوة اليمنية، وبالذاكرة التي تقاوم التلاشي عبر اللغة.

في هذه القصيدة، يرسم الدكتور عبد العزيز المقالح لوحة شعرية لصنعاء القديمة، حيث تتوقف الشمس كل صباح لتشرب قهوتها بين بيوت المدينة العتيقة وحقول البن المطري، ممزجًا الأسطورة بعبق البن ودفء الضوء.

 -1-

لكَ أنْ تشربَ قهوتَكَ الليليةَ
في أيِّ مكانٍ،
في روما أو باريسَ،
وأن تشربها بالقرفةِ
أو بالهالِ
وباللَّبنِ الطازجِ
أو بالعسلِ الجبلي
لكَ أن تختارَ مكانَك
في مقهىً مغمورٍ بالضوء الباذخ
أو مطليٍّ بالعتمة
لكنك لن تتذوَّق فنجاناً
أشهى من فنجانٍ صنعانيٍّ
يأخذُ شكلَ بخارِ الغيمةِ
وهي تبلِّل جفنَ صباحٍ
يفتح عينيهِ الخضراوين
على جبلٍ تكسو عري حجارتهِ
أشجارُ البنّ.

-2-

لك أن تقرأ ما قال الفنجانُ
هناك على مقهى يسبح
فوقَ مياهِ النيل
وإن شئتَ على مقهىً خشبيٍّ في «تومبكتو» (1)
لكنك لن تقرأَ فنجاناً أحلى
من فنجانٍ ترشفهُ
في شرفة دارٍ باذخةِ الأفياء
قبالة غيمٍ يرسم
بالأبيض والأزرق مقهىً
تتوقف فيه الشمسُ
لتشربَ قهوتَها كل صباحٍ
وتداعب شرفاتِ بيوتٍ نائمةٍ
وشوارعَ تصحو
من ليلٍ
يتعلَّق في سقف الأرضْ.

-3-

لكأني بك
تطوي الأرضَ على متنِ بساطٍ
من شوقكْ
وأراكَ تدقُّ جدارَ البهجةِ
كي تدخلَ ساحةَ يومٍ
لم يسبقْ لك أن بلَّلتَ
حروفَ يديكَ
ببهجةِ قهوتهِ
أو رضعتْ شفتاك اليابستانِ
هدايا قُبلتهِ...
يا هذا اصعدْ
واستحضر معك التاريخ المتدلّي
من ذروة أزمنةٍ غابرةٍ
وأساطيرَ شفاهٍ ونهودٍ
أيقظها اللهبُ الحارق
تحت أباريق القهوةْ .

- 4-

في الساحة
عند بيوتٍ متآكلةِ الآجرْ،
وبقايا أكواخٍ باهتة
سوف ترى أطفالاً خرجوا
من ضوء أساطير مدينتهم
ليُعدُّوا لضيوفهمُ القهوةَ
والكعك
وسوف ترى «غيمان» (2)
وقد جاع إلى الخبز المغموس
بزيتِ النعناع
وفي يدهِ زهرةُ بنٍّ
يرتقها في عُروة سيدةٍ
تمسح وجهَ الصبح
بمنديلِ براءتها
وهي تغني لفتى أحلامٍ
قادمْ.

-5-

لك أن تشربَ قهوتَك
المرّةَ
أو يختار لك النادل أخرى
حلاَّها ضوءُ «القمريات» (3 ) الدافئ
أو صوتُ عصافير الحارة
أو ضِحكةُ سيدةٍ يرتعش الشارع
إن غنَّتْ أو ضحكتْ
ويطير إذا هي سارتْ
حافيةَ القدمينِ.
وسوف تغادر وحشَتَك الموروثةَ
لحظةَ تمسك بالفنجان
وتغمر وجهَك رائحةُ البنِّ «المطري» (4 )
أعرفتَ حقول البنِّ الجبلية؟
هل أصغيت إلى أشجار القهوة
حين تغنِّي أو تتكلم؟!

-6-

لا يأتي الثلجُ إلى صنعاءْ...
لا يهطل في ساحتها البرد
ولا الأمطارُ الشتويَّةُ
تزاورها الشمسُ
وتشربُ معها القهوة
حتى منتصف الليل!
إلامَ تـخـبّئُ أحزانَك
في خلجان الروحْ؟
هذا مفتاحُ سرور لا يصدأ
هذا رجلٌ يتلبَّسه ليلٌ ذهبيُّ الألوان
وهذي امرأةٌ مفعمة بصباحٍ
لا يغشاه الحزنْ.

- 7 -

في صنعاءْ...
لك أن تختار القهوةَ والمقهى
أن تختارَ رفاقَك
من بشرٍ
أو حجرٍ
لكن الشمس الفاتنةَ الإشراقِ
وقد نشرتْ أضواءَ جدائلِها
في الأفق الصنعاني
المغسول بضوءٍ شفافٍ
ترغب في أن تجلسَ بين يديك
وأن تشربَ قهوتَها من كفَّيك،
وحين يجيء الليل
سترعاك نجومٌ لا تعرف نوماً
أو تترك حفلة أنسٍ
لا تغشاها.

(1)
مدينة في شمال مالي كانت أهم حاضرة إسلامية في شمال أفريقيا.
(2)
اسم جبل يطل على صنعاء.
(3)
نوافذ رخامية.
(4)
من أشهر مواطن البنّ في اليمن.

مقالات قد تهمك

صباح القهوة — عبدالعزيز المقالح
شعر

صباح القهوة — عبدالعزيز المقالح

في قصيدة «صباح القهوة» يكتب شاعر اليمن الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح لحظة صباحية تتحول فيها القهوة إلى مشهد داخلي مضيء. الفنجان «الحَيْسي» الطيني فيها رمز أرضٍ وجبالٍ وهويةٍ تنبع من مدرجات البن في اليمن، وتعيد للنهار معناه. بين ضوءٍ شاحب وغيمٍ ساطع في الفنجان، يصوغ المقالح علاقة حميمة بين الإنسان ومكانه، ويجعل من القهوة طقسًا يعيد ترتيب الروح. وفي سياق احتفال مؤسسة يمنيون الثقافية بـ«يوم موكا 2026»، نستعيد هذه القصيدة بوصفها تحيةً لشجرة البن اليمنية، واحتفاءً بصوتٍ شعري ربط الصباح بالهوية، وجعل من فنجان القهوة نافذةً على ذاكرة اليمن وضيائه.

منذ شهرين
قميص يعقوب
شعر

قميص يعقوب

قصيدة «قميص يعقوب» للشاعر يحيى الحمادي نصٌّ شعري عن الغربة اليمنية ومعنى الوطن حين يتحول إلى جوع وديون وحنين. يكتب الشاعر بلهجة فصيحة عالية عن الانكسار والوفاء، ويواجه أسئلة المنفى والعودة والكرامة، في قصيدة طويلة تتكئ على صورة الوطن بوصفه قدرًا لا بديل عنه.

منذ 9 أشهر
للشاذلية سر…
شعر

للشاذلية سر…

ليست القهوة في هذا النص الشعري للأديب اليمني الشاعر ماجد السامعي عنصرًا يوميًا عابرًا، بل مدخلًا لفهم علاقة اليمنيين بالذوق والروح والتاريخ. عبر لغة شعرية مشبعة بالإحالات الصوفية، يستحضر النص نكهة البن باعتبارها شاهدًا على مجدٍ متسلسل، ينتقل من الشاذلية إلى القرى، ومن الفنجان إلى الذاكرة، دون ادّعاء أو تزويق لغوي.

منذ سنة