الشيوعي الصيني حزب بثقل إِمبراطوريّة
الحزب الشيوعي الصيني: شابًا في عمر المائة .. إرث سياسي وثقافي وعسكري هائل مثير للكثير من الجدل على مدى قرن كامل .
صالح حسن أبوعسر
التجمع الذي تراكمت سلسلة عوامل أسهمت في انباته ، بدءً من الحرب الانجلو – صينية ( حرب الأفيون 1856 -1860 م ) ، مرورًا بثورة 1911 م ( ثورة شينهاي ) ، وانتهاءً بالثورة الروسية في أكتوبر 1917 م ، هذا التنظيم الذي ولد على أرض خشنة ، لم يكن الدرب أمامه سالكًا في رحلته الملحمية من المهد إلى العرش .
الولادة والإيديولوجيا
عامان فقط كانا قد مرّا منذ الحدث الثوري في روسيا ، أي في عام 1919م ، حينما تمكن الكاتب الصيني الشاب لي دا تشاو من استشفاف بلشفية ما يجري في الجوار ؛ إذ توقع أن الشعار الذي رفعه فلاديمير أوليانوف ( لينين ) لن يبقى حبيس موسكو وما حولها ، هذا الاستشفاف الذي ءامن به تشاو كان قائمًا بالأساس على جزئيتين :
الأولى : الرافعة الثورية لثورة روسيا هي الفئة العمالية ، وهذه الرافعة متوفرة لدى كل شعوب الأرض، حتى أنها في الصين متوفرة أكثر من أي بقعة أخرى .
الثانية : التأثر الشخصي لتشاو بما كان قد قرأه من كتب لكارل ماركس ، واعتناقه كثير من المفاهيم الاشتراكية والثورية التي طرحها الفيلسوف الألماني .
هاتان الجزئيتان هما ما دفعتا بتشاو إلى التواصل ب تشن دو تشيو الثوري البارز الذي أسهم في ثورة 1911م التي كانت قد أطاحت بالحكم الامبراطوري للصين ، ليضع الاثنان أسس وأساسات ما أضحى اليوم الحزب الأكبر عالميًا في القاعدة التنظيمية والتأثير المطرد ، وكان الاثنان قد ترأسا أعمال المؤتمر الأول للحزب الذي عقد في شنغهاي في الفترة من 23 إلى 31 يونيو 1921م ، وحضره 13 رجلًا ، كان من بين الحضور شابًا في الثامنة والعشرين من العمر اسمه ماو تسي دونغ ، حضر باعتباره أحد مندوبي مجموعة هونان الشيوعية ، هذا الشاب هو من قاد بعد ذلك ما يعرف في أدبيات الحزب ب ( المسيرة الكبرى ) ، وهي انسحاب والتفاف عسكري يعتقد الكثيرون أنها أمرًا محوريًا أسهم في بقاء الحزب وانتصاره ، وليعلن ماو في العاشر من اكتوبر عام 1949 م تأسيس جمهورية الصين الشعبية ، بعد أن تمكن من إزاحة الحزب الحاكم حينها ( حزب الكومينتانغ ) الذي غادرت قيادته وقواته وقواعده بعد هزيمتها إلى جزيرة تايوان ؛ لتأسس هناك دولة ذاتية ، تعمل الدولة الصينية حاليًا على استعادتها باعتبارها جزء من الأمة الصينية الموحدة .
وعند الحديث عن ايديولوجيا الحزب فإن عملية التوليف بين الحركة العمالية مع الماركسية اللينينية قد جعلت من الشيوعية المعتنق الأول لهذا التنظيم ، إلا أن الديناميكية التي تحرك بها الحزب في العقود الخمسة الأخيرة قد ساعدته على التعامل بمرونة مع المبدأ الشيوعي بعيدًا عن الالتزام الحرفي بنظرياته .
شفرة البقاء والصعود
في اليومين الماضية أعدت قراءة مبادئ الشيوعية لفريدريك أنجلز ، وكذلك الكتاب الأحمر لماو تسي دونغ ، وبعد أن انتهيت من قرائتهما أدركتُ كم أن النوافذ التي عمل الحزب على فتحها في سور الشيوعية ، هي سر بقاءه وشفرة صعوده؛ حيث يمكننا أن نطل باختصار على نافذتين رئيسيتين تمكن الحزب عبرهما من التجدد والمواكبة ، ورغم أن ما سنقف عليه يأتي في المرحلة ما بعد الماوية للحزب ، إلا أنه يمكننا ملاحظة أن المراجعات في تاريخ الحزب قائمة حتى في العهد الماوي ، ولعل أشهر تلك المراجعات وأكثرها تأثيرًا هي مراجعة قرارات الفصل والإبعاد لبعض القيادات الحزبية التي كانت قد حدثت مع بداية الثورة الثقافية ، فاللحظة التي ظهرت فيها ابنة أخت الزعيم ماو متأبطة لذراع دينغ شياو بينغ وداخلة معه إلى القاعة الرئيسية في بكين ، بعد أن كان دينغ قد أبعد بقرار من ماو وجُرّد من كل الصفات الحزبية ، هذه اللحظة كانت فارقة ودالة على قابلية الحزب لمراجعة قرارته وتعديلها ، حتى أن تلك المراجعات قد فتحت الباب أمام الكثير من الاصلاحات الجوهرية التي أتت على نظام الحزب وأيديولوجيته ، والنافذة الأولى التي أشرتُ إليها هنا هي نافذة ( الإصلاح والانفتاح ) ، والتي تعد متتالية من التعديلات الاقتصادية التي أطلقها الحزب عام 1978 م في الفترة الأولى من تولي دينغ شياو بينغ زمام الأمور في الحزب والدولة ، وكانت حزمة التعديلات هذه قد قُدّمت في الجلسة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب ،و تضمنت بشكل أساسي فتح السوق المحلية أمام الاستثمار الأجنبي كما تضمنت إلغاء نظام الزراعة الجماعية والانتقال إلى نظام المسؤولية الأسرية ، ثم تطورت بعد ذلك إلى سياسة خصخصة الشركات والاكتفاء بالسيطرة المركزية على قطاعات محددة كالقطاع المصرفي والنفظي وقطاعات أساسية أخرى .
وبالوقوف أمام هذه النافذة نجد أن الحزب قد أدرك أن الالتزام الحرفي بالمبادئ الشيوعية سواء منها شيوعية لينين أو حتى الشيوعية الماوية لن يتيح له إمكانية مواكبة العصر ولا دفع الاقتصاد ومن وراءه بقية القطاعات لتحقيق ما تريد استراتيجية الحزب تحقيقه لذا كان المخرج التدريجي هذا هو أكثر القرارات واقعية وإيجابية في تاريخ الحزب .
النافذة الثانية هي نافذة ( الاشتراكية ذات الخصائص الصينية ) ، وهي مجموعة من النظريات والسياسات التنفيذية التي يطلق عليها حاليًا : (فكر شي جينغ بينغ ) ، وتقضي بأنه بالامكان أقلمة الماركسية اللينينية بحيث تتناسب وتطلعات الشعب الصيني واحتياجاته ، وفي العهد الحالي للرئيس شي جينغ ، باتت هذه النافذة هي الفلسفة الأولى لكل الخطط والسياسات التي يقود بها الحزب بلادًا مليونية المساحة ومليارية السكان ، وتقوم هذه الفلسفة على أساس أنه ينبغي وضع الصين وواقعها في العصر الحاضر وليس بالضرورة الانطلاق من المرحلة الأولية وخاصة فيما يتعلق بالبناء الاقتصادي مع مراعاة ضرورة وجود المراحل الأولية في البناء السياسي والاجتماعي وبناء الحضارة الايكولوجية الصينية بجوانبها كافة ، القادرة على التكيف مع المتغيرات ، ويمكننا الوقوف أمام أحد أهم الخطابات التي ألقاها الرئيس شي ، والتي مثلت دستورًا لمرحلة ،و أضاءت لجماهير الحزب نقاطًا كانت ما تزال معتمة لدى البعض ، كان هذا الخطاب في الذكرى 95 لتأسيس الحزب أي قبل 5 سنوات من هذه اللحظة ، حيث شدد يومها على أن الاصلاح والانفتاح هما الخيار الرئيس الذي يحدد مصير الصين الحديثة ، وتتذكر دوائر الحزب ما قاله شي يومها ، عندما خاطب الجميع قائلًا : ( إن على السلطات أن تهدم لديها ملاذات المصالح الشخصية ) ، وكان قد طرح بوضوح أن الحزب كيانًا قابلًا للتلاشي في حالة لم يتمكن جيدًا من الأخذ بأسباب البقاء ؛ إذ قال يومها في النص الخطابي الشهير :
( إذا لم نتمكن من إدارة الحزب جيدًا وبصرامة ، وإذا تركنا المشكلات البارزة داخل الحزب دون علاج فإن حزبنا سيفقد أهليته في الحكم ،وسيصبح من الماضي آجلًا أم عاجلًا )
هذا الطرح الواقعي البعيد جدًا عن شعارات قداسة الحزب والزعماء ، قد أسهم في مقدرة الحزب على تجاوز مرحلة الشعارات القاتلة ، والقفزات باهضة الثمن ، وأصبح هذا الحزب أكثر قربًا من القضايا الملامسة للهموم الشعبية .
هذه النوافذ الرئيسة والتي تناسل عنها نوافذ فرعية لا نهائية قد مكنت أحفاد تشاو من تجنب الغرق والتسمر في قوالب غير قابلة للانكماش والتمدد .
نمذجة الحزب
مما لا شك فيه أن الظروف التي يعمل الحزب الشيوعي الصيني في إطارها تختلف تمامًا عن ظروف أي حزب آخر على المعمورة ؛ فواحدية الحزب وتحكمه في كل أزرار التشغيل لبلادٍ مليونية المساحة ومليارية السكان قد وفر له من مقومات التميز ما لا يمكن لأي حزب سواه أن يحظى بها ، أكثر هذه الميزات ريادية هي ميزة : (ترف الاختيار ) ، التي يحظى بها الحزب هنا ، إذ وعلى عكس كل أحزاب الدنيا ، لن يأخذ الجهاز التنظيمي للحزب فرضية أن هذا الشخص إذا لم ينظم لجهازنا التنظيمي قد ينظم للجهاز التنظيمي للأحزاب الأخرى ، هذه الميزة مكنت الحزب من التوجه نحو النمذجة في مختلف دوائره ؛ فمعايير قبول طلبات العضوية ، مرتفعة المستوى ، وهو بذلك يضمن كوادر حزبية متمزة وفعالة قياديًا و تنفيذيا .
لا يهم الحزب إطلاقًا مبدأ الكم لكنه مهتمًا جدًا بمبدأ الكيف في كل عملية تنسيب جديدة تنفذها أجهزته ، هذا الأمر انعكس على مختلف الجوانب في أرض التنين ، فالتفوق الدراسي سواءً في المرحلة الثانوية أو الجامعية والنشاط المجتمعي التطوعي وغيرها من العمليات الحياتية اليومية قد انسحب عليها توجه النمذجة هذا ؛ فالطالب المتفوق النشيط الخدوم تزداد فرصة قبوله ككادرًا حزبيًا ، ويمكنك ان تلاحظ بسهولة أن الصيني المنظم للحزب يفضل أن تخاطبه بصفته الحزبية على أن تخاطبه بصفته المهنية مهما علا شأن مهنته وتخصصه ، والسبب في ذلك عائدًا إلى الإيمان المجتمعي بأنه لم يكن ليتم قبوله ككادرًا حزبيًا لو لم يكن يمتلك الكثير من المهارات والقدرات وأنه ذو ثقة وكفاءة ، وهذا كله عائدًا إلى ارتفاع منسوب شروط الانتسا ب كما أشرت مسبقاً .
ما يعزز هذا الأمر أيضًا ويجعل دوائر الحزب ذو التسعين مليون عضو أكثر فاعلية هو وجود دائرة مختصة بالمحاسبة والمتابعة الداخلية داخل الحزب تسمى دائرة التفتيش والانضباط المركزي ، وتمثل هذه الدائرة مركز الثقل داخل اللجنة المركزية ، ومهمتها الرئيسية اجتثاث الفساد والمخالفات بين أفراد الحزب ، وقد نفذت هذه الدائرة الكثير من العمليات الحازمة التي اسهمت فعلًا في زيادة الثقة الشعبية بالحزب و سياساته .
التحديات ومشروع العبور
مع بداية القرن الثاني من عمره ، ما زال أمام الحزب الشيوعي الصيني الكثير من التحديات التي ظهرت كمعادل طبيعي لطبيعة العصر والمرحلة ، وكعرضٍ جانبيٍ للصعود الصاروخي الصيني في المجالات كافة ، تتمثل هذه التحديات في احتدام الحرب التجارية والتكنولوجية مع أحد أعتى الأنظمة واقواها وأوسعها نفوذًا ( الولايات المتحدة الأمريكية ) ، كما أن هناك ظاهرة بدأت تطل وبإمكانها أن تتحول لمعضلة خلال العقدين القادمين ، تتمثل هذه الظاهرة في التناقص السكاني الذي قد يغير ديموغرافية وطنًا تمكّن من جعل الكثافة البشرية هي أهم مقومات نهضته ، هذه الظاهرة التي أرادها الحزب ذات يوم أن تحدث هي ذاتها التي يعمل نفس الحزب اليوم على إحداث أمرًا معاكسًا لما أراده بشأنها سابقًا ، هذا بالإضافة إلى ملفات يرى الحزب أنه قد حان وقت إنجازها على رأسها : إتمام ضم هونج كونج ، وإعادة تايوان إلى حضن الوطن الأم .
ورغم هذه التحديات وغيرها إلا أن الثقة التي اكتسبها الحزب عبر تمكنه من تجاوز عقبات ومعضلات كانت ربما أشد فتكًا من هذه ، هذه الثقة بالإضافة إلى العمل الجاد الجاري حاليًا أمور يقول قادة الحزب أنها ستتمكن من العبور بالأمة الصينية إلى المنطقة المراد الوصول إليها ، منطقة الريادة العالمية .
إقرا أيضاً:
في الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني المجيد