الحرية عند البردوني هي نبضٌ شعري، يعيش في كل حرف يخطّه، وفي كل بيت ينظمه. هو الشاعر الذي أخذ على عاتقه أن يكون صوت المستضعفين، لسان حال الفقراء، وأيقونة الحرية.
إنه الشاعر الذي صنع من صوته سيفاً يشق الغمام ويهدم جدران الظلم. "الشاعر الذي بسط أمام عينيه الجغرافيا اليمنية وتضاريس الوجدان اليمني"
قال عن نفسه كما يروي عنه المقالح الكبير - رحمه الله- أنه يرى بوجدانه ما لا تستطيعه الحواس الخمس، وقال: إنه يكتب القصيدة ذات الخمسين والستين بيتاً في صفحة ذاكرته بيتاً بيتاً.
لقد جمع البردوني في قلبه عذابات اليمن وأوجاعها، لكن صوته اخترق الحدود، ليحمل معاني التمرد والحرية إلى كل القلوب التي خُلقَت لتكون حرةً، والتي ترفض أن تكون أسيرة لأي قيد.
في قصيدته الرائعة "مصطفى"، نجده يُخاطب الحاضر والماضي والمستقبل، وكأن كلماته تعبر بنا من عصرٍ إلى عصر، من زمن إلى زمن، يقول فيها:
فليقصفوا لستَ مَقْصَفْ وليعنفوا أنت أعنفْ
ولـيـُحشدوا أنت تدري أن المُخِيفين أخوف
أغـنـى ولـكنَّ أشقى أوهى ولكنَّ أضعف
أبـدى ولـكـنَّ أخفى أخزى ولكنَّ أصلف
لـهـم حـديـد ونار وهم من القش أضعف
يـخـشـون إمكان موت وأنت للموت أَأْلَفْ
وبـالـخطورات أغرى وبالقرارات أشغف
لأنـهـم لـهـواهـم وأنـت بالناس أكـــــلف
لـذا تـلاقـي جيوشا من الخواء المزخرف
يـجـزئـون الـمـجـــزّا يصنـفـون المصنف
يـكـثـــفـون عـلـيهم حـراسةً أنت أَكْثَـــفْ
كـفـجـأة الغيب تهمي وكالبراكين تزحف
تـنـثـال عيدا ربيعا تمتد مَشْتى ومَصْيَفْ
إلى أن قال:
يـا مـصـطفى يا كتابا من كل قلب تألف
ويـا زمـانـا سيأتي يمحو الزمان المزيف
هذه الكلمات، ببلاغتها العالية، تتفجر حياةً وأملاً. إنها تصور لنا ذلك الإنسان، البطل الشعبي الذي يسير في طرقات مجهولة، لا يحمل إلا إيمانه بالحياة الحرة، إيمانه بالمستقبل الذي سيشرق حتماً رغم ظلام الطغيان. مصطفى هنا ليس مجرد اسم، بل هو رمز لكل يمني ، بل ولكل إنسان يسعى ويطمح أن يغير العالم من حوله، أن يهدم جدران الظلم، ويشق طريقاً جديداً نحو الأمل.
وفي قصيدته "الغزو من الداخل"، يأخذنا البردوني إلى عمق المعركة الأبدية، معركة الإنسان ضد الطغاة، ضد كل من يحاول أن يكبل الإنسان بأغلال العبودية. لكنه يُبرز أيضاً أن هذه المعركة ليست معركةَ السلاح فحسب، بل هي معركة الروح، معركة الإرادة، يقول:
فظيعٌ جهل ما يجري
وأفظعُ منة أن تَدري
وهل تدرينَ يا صنعا
من المُستعمر السِّري
غُزاة لا أُشاهِدهُم
وسيفُ الغزِو في صدري
فقد يأتونَ تبغاً في
سجائرَ لونُها يُغري
وفي صدقاتِ وحشيِّ
يؤنسن وجهة الصخري
وفي أهدابِ أنثى، في
مناديلِ الهوى القَهري
وفي سروالِ أستاذٍ
وتحتَ عِمامَة المُقري
وفي أقراص منع الحمـ
ـلِ في أنبوبَةِ الحِبرِ
وفي حُريةِ الغثَيا
نِ في عَبَثِيَّة العُمرِ
وفي عَودِ احتلال الأمـ
ـسِ في تشكيلِةِ العَصري
وفي قنيةِ (الويسكي)
وفي قارورةِ العِطرِ
ويستخفُونَ في جِلدي
وينسلُّونَ من شَعْري
وفوقَ وجوههِم وجهي
وتحتَ خيولِهِم ظهري
غُزاةُ اليومِ كالطَّاعو
نِ يَخفى وهو يستشري
إن البردوني لم يكن شاعراً للنخبة، ولم يجعل من شعره رفاهية ثقافية، بل جعله صوتاً للناس، للمهمشين، لأولئك الذين لا يملكون سوى أصواتهم ليعلنوا حبهم للحرية.
وكأنه يريد أن يؤكد لنا أن الحر لا يستسلم رغم الظلم و الظلام، بل يُشعل نار الثورة، يُبقي على شعلة الأمل متقدة، ومهما عانينا، سنبقى أحراراً في أعماق أرواحنا.
أما في قصيدته "الحكم للشعب"فيُخاطب فيها الظُلم بصيغة التحدي، مصوراً الثورة كحالة استيقاظ جماعي لشعب نهض من غفلته. يبدأ الشاعر بتصوير الظلم كقوة قاهرة أشعلت في قلوب الشعب نيران الثأر والكراهية، ولكنه سرعان ما يعكس الصورة ليُبرز الثورة الشعبية كفعل تحرر داخلي، ليس فقط من القيود الخارجية، بل أيضاً من حالة الإذعان النفسي.
ويؤكد أيضا أن السيادة والسلطة تعود للشعب وحده، رافضًا أيَ حكم كهنوتي دخيل، في إشارة إلى رفض السلالة الوراثية المستبدة. كما أن القصيدة تدعو إلى إعادة تعريف مفهوم الحكم والسيادة بأنهما ملك للشعب وللأرض التي ينتمي إليها. ثم ينتهي البردوني بنبرة حاسمة، يلعن الظلم ومن يقفون خلفه، داعياً لإسقاطه إلى الأبد.
يا صرعة الظُلم شقّ الشعب مرقدهُ
وأشعلت دمهُ الثاراتُ والضِغَنُ
:
ها نحنُ ثُرنا على إذعاننا وعلى
نفوسنا واستثارت أُمنا اليمن
:
لا «البدرُ» لا «الحسن» السجّان يحكمنا
الحُكم للشعب لا «بدرٌ» ولا «حسنُ»
:
نحنُ البلاد وسُكّان البلاد وما
فيها لنا، إنّنا السكان والسكنُ
:
اليومُ للشعب والأمسُ المجيدُ لهُ
لهُ غَدٌ ولهُ التاريخ .. والزمنُ
:
فليخسأ الظُلم ولتذهب حكومتهُ
ملعونةً وليولي عهدها النَتِنُ
هذه القصيدة تُمثل أنموذجًا لثورة فكرية وسياسية تتجاوز الخطاب التقليدي إلى فضاء التحريض الإيجابي. يستخدم فيها البردوني لغة قوية وجريئة لتحريك الضمائر والعقول، متحدثًا باسم الشعب المتعطش للحرية والكرامة. هي صرخة متمردة تطالب بحق الشعب في تقرير مصيره، وتؤكد أن الظلم، مهما كان قوياً، ليس له مكان في المستقبل.
وإذا انتقلنا إلى قصيدته "ذات يوم" نجده يُصور الفجر كرمز للتحرر والبداية الجديدة، مجسّدًا لحظة الانعتاق من قيود الظلم كفجر يطلّ بعد ليل طويل. الشاعر يُخاطب الشمس، التي تمثل الأمل والتجدد، ويعبر عن فرحة الشعب بنهوضه وانتصاره على الظلام، كأنها احتفال جماعي بالحرية.
كما أن القصيدة تُظهر حالة من الانطلاق والحيوية، حيث يشبه الشاعر الشعب بحشود تطير في الدروب نحو ميلاد جديد للأمة اليمنية. وفي مشهد أخير، يبرز النصر ويتجسد كعهدٍ جديد يشبه قلب النبي، في رمزية تُظهر قدسية الحرية والنضال.
أفقنا على فجر يوم صبي
فيا ضحوات المنى إطربي
:
أتدرين يا شمس ماذا جرى؟
سلبنا الدجى فجرنا المختبي!
:
وكان النعاس على مقلتيك
يوسوس كالطائر الأزغَبِ
:
وسرنا حشوداً تطير الدروب
بأفواج ميلادنا الأنجبِ
فولّى زمانٌ كعرض البغي
وأشرق عهدٌ كقلب النبّي
:
طلعنا ندلّي الضحى ذات يوم
ونهتف يا شمس لا تغربي
يؤكد شاعرنا البردوني في نهاية قصيدته أن النصر هو حتمية تاريخية لمن يناضل من أجل الحق والحرية. إنها قصيدة تُلهم الأمل وتدعو للاستمرار في طريق النضال مهما كانت التحديات.
أما إذا تأملنا قصيدته ( أخي يا شباب الفدا في الجنوب) يتخذ البردوني موقفاً حازماً ضد كل أنواع القيود، متعهداً بأن الشعب لن يتوقف عن السير نحو الحرية رغم كل محاولات التقييد والخداع. الشاعر يشير إلى أن لحظة النهاية للظلم قد حانت، وأن العدالة باتت قريبة.
وهذه القصيدة تحمل في طياتها روحًا شجاعة مفعمة بالوطنية حيث يُعلن الشاعر عن مواصلة المسير، حتى على جثث الغاصبين المحتلين في الجنوب، من أجل تحقيق مستقبل حر ومجيد. هذا التصوير العنيف يعكس تصميم الشعب على نيل حريته مهما كان الثمن، ويُظهر العزم الثابت على مواجهة الظلم والقهر، وهكذا نجده مسكونا بحب الوطن، لم يقتصر شعره على ثورة ٢٦ من سبتمبر في الشمال بل شملت قصائده الثورية ضد المستعمر في الجنوب.
سنمشي سنمشي برغم القيود
ورغم وعود الخداع الردي
فقد آن للجور أن ينتهي
وقد آن للعدل أن يبتدي
وعدنا الجنوب بيوم الجلاء
ويوم الفدى غاية الموعدِ
سنمشي على جثث الغاصبين
إلى غدنا الخالد الأمجدِ
وننصبّ كالموت من مشهدٍ
وننقضّ كالأسد من مشهدِ
ونرمي بقافلة الغاصبين
إلى العالم الآخر الأبعدِ
فتمسي غُباراً كأنّ لم تعش
بأرض الجنوب ولم توجدِ
أخي يا شباب الفدى في الجنوب
أفق وانطلق كالشعاع الندي
"سنمشي سنمشي برغم القيود هذا التحدي الكبير من قبله يعبر عن عدم الاستسلام أمام القهر، ويرسل رسالة واضحة أن الشعوب، مهما كانت مقيدة، تستطيع أن تنهض وتواصل مسيرها نحو الحرية. كما أنه يستخدم لغة مباشرة وقوية لتحفيز الشعب، مؤكداً أن النضال هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة والتحرر من الظلم.
ومن خلال هذه القراءة السريعة لبعض نصوص البروني الخالد نجد أن شعره ليس مجرد كلماتٍ تكتب على الورق، بل هو نبضٌ حي، روحٌ تتوق للحرية وتصرخ بها في وجه الطغاة. إن شعره يفتح نوافذ الأمل، ويكسر أبواب الخوف، ويُعيد لنا الإيمان بأن الحرية ليست مجرد حلم، بل هي حقٌّ لا يقبل النقاش. هو من علمنا أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحاً، وأن الشعر يمكن أن يكون رايةً ترفع في سماء النضال.
فلنحمل كلمات البردوني في قلوبنا، ولنكن، كما كان، أحراراً في كل تفاصيل حياتنا، مؤمنين بأن الحلم لا يُقهر، وأن الصباح لا بد أن يأتي، مهما طال الليل.